علمتنا أحد

أحمد بن عبد العزيز الشاوي

2026-04-03 - 1447/10/15 2026-04-13 - 1447/10/25
عناصر الخطبة
1/أحداث غزوة أحد 2/أسباب الهزيمة في أحد والتحذير من المعصية 3/صور التضحية في أحد وبقاء الدين 4/دروس أحد في التوكل والثبات ونبذ النزاع.

اقتباس

هي الغزوة التي اجتمع فيها النصر والهزيمة، وظهر فيها النفاق بأظهر علاماته وأجلى صفاته، وبرز فيها الإيمان وما يفعله في النفس البشرية من الاستعلاء على الشهوات والإخلاص لرب الأرض والسماوات...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله العلي الأعلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي الذي بشر وأنذر ووقى -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وأصحابه أسود الشرى وفرسان الوغى وسلم تسليما كثيرا، أما بعد: فإن خير ما يوصى به تقوى الله؛ فاتقوا الله -عباد الله-.

 

ستون آية سطرت أحداثها وشخصت الداء ورسمت معالم الدواء، ستون آية صورت ذلك الحدث الأليم؛ حيث الشدة بعد الرخاء والبلاء بعد العطاء، حدث يجسد التفرد والبهاء، والبذل والعطاء، والمحبة والولاء، والمحنة والبلاء، ستون آية خلاصتها؛ (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ)[آل عمران: 152].

 

وعلى سفوح جبل أحد كانت واحدة من معارك الإسلام مع الكفر غزوة أحد، حفظت السيرة أحداثها، وفصل القرآن وقائعها، وبينت الآيات عبرها؛ هي الغزوة التي اجتمع فيها النصر والهزيمة، وظهر فيها النفاق بأظهر علاماته وأجلى صفاته، وبرز فيها الإيمان وما يفعله في النفس البشرية من الاستعلاء على الشهوات والإخلاص لرب الأرض والسماوات، أحد درس تعلم منه المسلمون أسباب النصر وعوامل الهزيمة.

 

بدأت أحداث أحد منذ أن أصيبت قريش يوم بدر في عظمائها وجرحت في كبريائها، ومنذ ذلك الوقت وقلوب الكفار تغلي حقدا وحنقا على المسلمين؛ فعبأت قريش قوتها وكونت تحالفا جديدا مع قبائل لم تكن مكلومة لكن ملة الكفر واحدة؛ (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)[الأنفال: 73]، ووافت مشارف المدينة في منتصف شوال من السنة الثالثة للهجرة.

 

ولما علم النبي -صلى الله عليه وسلم- بمسيرهم استشار أصحابه؛ فكانوا فريقين، فأخذ برأي الأغلبية التي ترى الخروج لمقاتلتهم وليس لامتهم، ولما رأى الأنصار أنهم ربما أحرجوا النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: يا نبي الله شأنك إذن، فقال مقولته التي يرسم فيها منهج الثبات على المبدأ وعدم التراجع عن الرأي بعد العزيمة: "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل"(رواه أحمد).

 

نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الشعب من أحد وجعل ظهره وعسكره إلى الجبل، وانتقى خمسين راميا، وأمر عليهم عبد الله بن جبير، ووضعهم أعلى الجبل، وقال لهم: "احموا ظهورنا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا، لا نؤتين من قبلكم"(رواه البخاري).

 

لا نؤتين من قبلكم نرددها اليوم لمن حملوا راية الدعوة والتعليم وتربية الأجيال؛ فالأمة اليوم أحوج إلى مزيد من البذل والعطاء لا إلى التراخي والغثاء.

 

التحم الجيشان وتعانقت السيوف، وأبلى كثير من المسلمين في هذا اليوم بلاء حسنا، وأظهروا من البطولات ما أعجز المشركين، واشتدت المعركة، ثم أنزل الله نصره على المؤمنين، وكانت الهزيمة للمشركين، وتطلع إلى الغنائم كثير من الرماة فتركوا أماكنهم؛ فكانت بوادر الهزيمة.

 

وانطلق الرماة يجمعون الغنائم، ولم يثبت منهم سوى عشرة مع أميرهم؛ فاغتنم خالد بن الوليد الفرصة فشد على بقية الرماة فقتلهم، واندفع بخيله في ظهور المسلمين، وأخذوهم على غرة، وهنا دارت الدائرة على المسلمين، ووقع الاضطراب في صفوفهم، وولوا مدبرين؛ (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[آل عمران: 153].

 

وتنكشف المعركة عن صور أليمة ومشاهد مبكية ونهاية حزينة؛ فأما رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد كسرت رباعيته وجرحت شفته وشج في جبهته وأدمي وجهه، ورماه ابن قمئة فجرح وجنته، ودخلت حلقتان من المغفر فيها، ووقع -عليه السلام- في حفرة فأغمي عليه، وأما أصحابه؛ فقتل منهم سبعون من كبارهم وخيارهم، ومثل بهم، فبقرت بطونهم وقطعت أنوفهم وآذانهم، كحمزة وعبد الله بن جحش وعمرو بن الجموح وغيرهم.

 

وبهذا يسدل الستار على نكسة أحد بعدما شهدت صورا راقية من الشجاعة النبوية التي تعجز عن بعضها قيادات العالم كلها، وأسدل الستار على أحد بعدما شهدت مواقف رائعة في البذل والتضحية فداء لهذا الدين ودفاعا عن رسول الله الأمين.

 

طويت صفحة أحد بعدما أبرزت صورة من الهمم العالية والنفوس الأبية لشباب وشيوخ ونساء ورجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ في هذه المعركة قاتل عمرو بن الجموح وهو شيخ أعرج وهو يقول: "والله لأطأنها في الجنة"(رواه ابن إسحاق)، وفيها يقول أنس بن النضر وهو يقاتل: "الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد"(رواه البخاري).

 

إنها المعركة التي يخرج إليها حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة وهو جنب؛ أسدل الستار على معركة أحد بعدما تعلم المسلمون منها دروسا وعبرا.

 

تعلموا منها أن المعصية، وإن صغرت فهي تجر على الأفراد والأمم ويلات ونكبات، وأنها وإن وقعت من أفراد الأمة؛ فإن الخلل يعمها جميعا؛ (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)[الأنفال: 25].

 

لقد كان ذنب الرماة اجتهادا؛ فأدى إلى ما أدى، فكيف ترتقب الأمة في هذا الزمن نصرا وهي تعصي الله وتخالف أمره وأمر رسوله في عظائم الأمور؛ (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)[الشورى: 30].

 

علمتنا أحد أننا مهما امتلكنا من عدد وعدة؛ فلن تغني عنا شيئا إذا تخلى الله عنا، ولن يتخلى عنا إلا إذا تخلينا عن شريعته؛ (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ)[آل عمران: 160].

 

لقد علمتنا أحد أن التصرفات والاجتهادات الفردية في مقابلة النص تجر على الأمة المصائب والمحن، والأمة التي تغلب على أفرادها وطوائفها النزعات الفردية النافرة لا تنجح في صدام، بل ولا تشرف نفسها في حرب أو سلام.

 

في أحد رأى المسلمون ثمار التوكل على الله والثقة به، وشاهدوا آثار التطلع إلى الدنيا والرغبة في أعراضها وشهواتها، في أحد درس في العزة والإباء والشموخ حتى مع القرح والألم؛ فبعد نهاية المعركة والنبي -صلى الله عليه وسلم- في حالة من الإعياء والنصب والدماء تنزف من جسده الشريف يشاهد جماعة من المشركين فيهم خالد بن الوليد على ظهر الجبل، فقال: "لا ينبغي لهم أن يعلونا"(رواه مسلم)، ثم أرسل إليهم عمر بن الخطاب في رهط من المهاجرين فقاتلوهم حتى أهبطوهم من الجبل.

 

في أحد تجلت المحبة الحقيقية لهذا الدين ولرسول رب العالمين، وذلك من خلال مواقف سامية في البذل والعطاء لرجال ونساء؛ فهذا طلحة بن عبيد الله يتقي السهام بيده عن رسول الله حتى شلت أصابعه، وأبو طلحة يسور نفسه بين يدي الرسول ويقول: إني جلد يا رسول الله فوجهني في حوائجك ومرني بما شئت، وأبو دجانة يحني ظهره على رسول الله، والنبل يقع عليه حتى كثرت به الجراح، ونسيبة بنت كعب تذب بالسيف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى جرحت جروحا غائرة.

 

وإن تعجب فعجب هذا الموقف المؤثر، بعد المعركة يقول -صلى الله عليه وسلم-: "من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟"(رواه أحمد)، فقال رجل من الأنصار: أنا؛ فخرج يطوف في القتلى حتى وجده في الرمق الأخير، فقال: إن رسول الله أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات، فقال: إني في الأموات؛ فأبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مني السلام.

 

وازدد عجبا من ذلك الموقف، يعود المسلمون إلى المدينة يحملون أخبار المأساة، وتقابلهم امرأة من بني دينار، فقتل أبوها وأخوها وزوجها، فقيل لها ذلك؛ فقالت: ما فعل رسول الله؟ قالوا: هو بخير، قالت: كل مصيبة بعدك جلل.

 

وعند هذه المواقف يعجز اللسان عن البيان؛ فالله المستعان على حال أهل هذا الزمان.

 

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه..

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد:

 

وأخيرا؛ فقد علمتنا أحد أن دين الله منصور بنصر الله، باق بحفظ الله، وأن بقاءه وعزه ليس مربوطا بأفراد أو جماعات أو دول، حتى ولو كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ في أثناء معركة أحد أشيع خبر عن مقتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأصاب المسلمين الارتباك؛ فترك بعضهم القتال؛ فمر بهم أنس بن النضر فقال: ما يحبسكم؟ قالوا: قتل النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ موتوا على ما مات عليه، فقاتل حتى قتل، وأنزل الله؛ (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)[آل عمران: 144].

 

إن المسلم لا يجوز له أن يربط هذا الدين بالأشخاص وجودا وعدما؛ فكم لدين الله من أنصار، وإن مات قائد خلفه ألف قائد؛ (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ)[التوبة: 32].

 

أيها المسلمون: وفي الغزوة وقف -صلى الله عليه وسلم- وتوجه إلى الله الذي بيده كل شيء بالدعاء فقال: "اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت"(رواه أحمد).

 

اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

 

اللهم توفنا مسلمين وأحيينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.

 

اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك.

 

ويسدل الستار على أحد بمآسيها وأحزانها ودروسها وعبرها.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود، فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

المرفقات

علمتنا أحد.doc

علمتنا أحد.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات