عيد الكريسماس حقيقته في عقيدة النصارى وموقف المسلم منه

خالد بن عبدالله الشايع

2025-12-19 - 1447/06/28 2026-01-01 - 1447/07/12
عناصر الخطبة
1/الكريسماس عقيدة أهل الكفر والشرك 2/تحريم الإسلام مشاركة المسلم للكافر في أعياده ومناسباته الدينية 3/مفارقة أعياد الكفار لا تعني ترك دعوتهم إلى دين الإسلام ومعاملتهم بأخلاق ديننا الحنيف.

اقتباس

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ تَحْرِيمَ تَهْنِئَةِ النَّصَارَى بِأَعْيَادِهِمْ؛ لَا يَعْنِي ظُلْمَهُمْ، وَلَا سُوءَ مُعَامَلَتِهِمْ؛ بَلْ الإِسْلَامُ أَمَرَ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ.. فَنُحْسِنُ إِلَيْهِمْ فِي المُعَامَلَاتِ، وَنَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وَلَكِنْ دُونَ أَنْ نُقِرَّ بَاطِلَهُمْ أَوْ نُشَارِكَهُمْ فِي شَعَائِرِهِمْ...

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ أَنْ أَكْمَلَ لَهَا دِينَـهَا، وَأَتَمَّ عَلَيْهَا نِعْمَتَهَا، وَرَضِيَ لَهَا الإِسْلَامَ دِينًا، قَالَ -تَعالى-: (اليوم أكملت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)[المائدة: ٣].

 

وَإِنَّ مِنْ مَقْتَضَى كَمَالِ هَذَا الدِّينِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ هُوِيَّتُهُ، وَلِعَقِيدَتِهِ خُصُوصِيَّتُهَا، وَلِشَعَائِرِهِ تَمَيُّزُهَا، لَا يَذُوبُ فِيهَا فِي غَيْرِهِ، وَلَا يُشَابِهُ أَهْلَ البَاطِلِ فِي أَعْيَادِهِمْ وَمَعْتَقَدَاتِهِمْ.

 

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ عَامٍ مَا يُسَمَّى بِـ عِيدِ الكِرِيسْمَاسِ، وَهُوَ عِيدٌ دِينِيٌّ عِنْدَ النَّصَارَى، قَائِمٌ عَلَى عَقِيدَةٍ بَاطِلَةٍ، أَلَا وَهِيَ دَعْوَى وِلَادَةِ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- إِلَهًا أَوِ ابْنًا لِلَّهِ -تَعالى- اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

 

وَقَدْ كَذَّبَ اللَّهُ هَذِهِ العَقِيدَةَ فِي كِتَابِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)[المائدة: ٧٢]، وَقَالَ: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة).

 

فَعِيدُ الكِرِيسْمَاسِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَادَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ أَوْ مُنَاسَبَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، بَلْ هُوَ شَعِيرَةٌ دِينِيَّةٌ قَائِمَةٌ عَلَى عَقِيدَةِ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ، ولكل ملة عيد يخصهم، وَهَذَا هُوَ مِحْوَرُ الحُكْمِ فِيهِ.

 

لِهَذَا أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِ مُشَارَكَةِ المُسْلِمِ لِلْكُفَّارِ فِي أَعْيَادِهِمْ، أَوْ تَهْنِئَتِهِمْ بِهَا، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِقْرَارًا لِبَاطِلِهِمْ، أَوْ رِضًا بِشِعَارِهِمْ؛ فلا تغتر بقول بعضهم: إن المسألة فيها خلاف وقد أفتى بعض العلماء بجواز التهنيئة؛ فهذا من جهلهم؛ فقد حكى جمع من أهل العلم الاتفاق على التحريم؛ منهم ابن تيمية وابن القيم، وإذا اتفق العلماء الأوائل؛ فليس للمتأخر أن يخالف مهما تبين له.

 

قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "وَأَمَّا التَّهْنِئَةُ بِشَعَائِرِ الكُفْرِ فَهِيَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ العُلَمَاءِ".

 

وقال ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به؛ فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهْنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنّأ عبداً بمعصية أو بدعة، أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه".

 

ومن الأدلة على التحريم: قوله -سبحانه-: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ)[الفرقان: ٧٢]، قَالَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ: الزُّورُ هُنَا أَعْيَادُ المُشْرِكِينَ، وأخرج أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمر َقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ"

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ المُسْلِمَ يَعْتَزُّ بِدِينِهِ، وَلَا يَسْتَحْيِي مِنْ عَقِيدَتِهِ، وَلَا يَتَنَازَلُ عَنْ ثَوَابِتِهِ بِحُجَّةِ المُجَامَلَةِ أَوِ التَّسَامُحِ؛ فَالإِسْلَامُ دِينُ عَدْلٍ وَإِحْسَانٍ، وَلَيْسَ دِينَ ذَوْبَانٍ وَتَنَازُلٍ.

 

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى دِينِهِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا التمسك بعقيدته.

 

أَقُولُ قولي هذا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

 الخُطْبَةُ الثَّانِيَة:

 

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّ مِمَّا يَزِيدُ المُؤْمِنَ ثَبَاتًا وَيَقِينًا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَهُ أَعْيَادًا خَاصَّةً بِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهَا.

 

أخرج أبو داود في سننه من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- المَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا؛ فَقَالَ: "قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الفِطْرِ"؛ فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا عِيدَانِ اثْنَانِ فَقَطْ، وَمَا عَدَاهُمَا فَهُوَ مَرْدُودٌ بنص السنة؛ فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة -رضي الله عنها- قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ".

 

 

عِبَادَ اللَّهِ: وَلْيُعْلَمْ أَنَّ تَحْرِيمَ تَهْنِئَةِ النَّصَارَى بِأَعْيَادِهِمْ لَا يَعْنِي ظُلْمَهُمْ، وَلَا سُوءَ مُعَامَلَتِهِمْ؛ بَلْ الإِسْلَامُ أَمَرَ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ، قَالَ -تَعالى-: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)[الممتحنة: ٨].

 

فَنُحْسِنُ إِلَيْهِمْ فِي المُعَامَلَاتِ، وَنَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وَلَكِنْ دُونَ أَنْ نُقِرَّ بَاطِلَهُمْ أَوْ نُشَارِكَهُمْ فِي شَعَائِرِهِمْ.

 

وإن مما يحز في النفس أن نرى أولاد المسلمين بل وآباءهم يتسابقون في المشاركة في أعياد أهل الكفر بل والسفر إليها، بل أصبحت دول بكاملها تحتفل به وكأنه عيدهم، فانسلخت الهوية وضاعت الشعائر وهدمت العقيدة تحت مسمى التسامح والحرية.

 

أيها المؤمنون: رَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى العِزَّةِ بِالدِّينِ، وَعَلَى الفَخْرِ بِالإِسْلَامِ، وَاحْذَرُوا مِنْ تَسْيِيعِ العَقِيدَةِ تَحْتَ مِظَلَّةِ التَّسَامُحِ الزَّائِفِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "نَحْنُ قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، فَمَهْمَا ابْتَغَيْنَا العِزَّةَ بِغَيْرِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ".

 

أيها المسلم المبارك: لا تظن أن انبطاحك للكفار وتهنئتهم ومشاركتهم تدخلهم في الإسلام؛ فقد أخبرنا أصدق الصادقين أنهم لا يرضيهم ذلك حتى تتبع ملتهم؛ (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى... تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)[البقرة: 120]، والمشاهد أن الذين يشاركون النصارى في عيد نهاية السنة، لا يدعونهم للإسلام ولم يفكروا بذلك؛ بل فيهم حب التبعية والتقليد، ولذلك تجدهم لا يحضرون أعياد المسلمين.

 

والبعض يكون عنده خادمة أو سائق نصارى؛ فيشاركهم في أعيادهم، بدلا من دعوتهم للإسلام، والبعض يحتفل هو وأهل بيته بعيد النصارى ويحضرون شجرة الكريسماس وكأنهم نصارى، -والعياذ بالله- خصوصا من يعيش بين أظهر الكفار، أو يعمل معهم.

 

اللهم ثَبِّتْنَا عَلَى دِينِكَ، وَارْزُقْنَا الفِقْهَ فِي عَقِيدَتِنَا، وَاحْفَظْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا مِنَ الفِتَنِ، وَأَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ.

 

المرفقات

عيد الكريسماس حقيقته في عقيدة النصارى وموقف المسلم منه.doc

عيد الكريسماس حقيقته في عقيدة النصارى وموقف المسلم منه.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات