عناصر الخطبة
1/ دَلائِلِ الاستِفَادَةِ مِن مَدرَسَةِ التَّقوَى في رَمَضَانَ 2/ صلة الرحم في العيداقتباس
وَإِذَا أَرَادَ المُسلِمُ أَن يَقِيسَ أَثَرَ رَمَضَانَ فِيهِ، فَلْيُرَاقِبْ نَفسَهُ بَعدَهُ، هَلِ ازدَادَت حُبًّا لِلطَّاعَةِ وَإِقبَالاً عَلَيهَا؟! وَهَل زَادَ كُرهُهَا لِلمَعصِيَةِ وَنُفُورُهَا مِنهَا؟! ثُمَّ ليَنظُرْ كَيفَ حَالُهُ مَعَ الفَرَائِضِ وَحِرصُه عَلَى المُحَافَظَةِ عَلَيهَا؟! وَهَل هُوَ مُقبِلٌ عَلَى النَّوَافِلِ يَتَزَوَّدُ مِنهَا؛ لأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تُستَجلَبُ بِهِ مَحَبَّةُ اللهِ وَوِلايَتُهُ، وَقَد قَالَ تَعَالى في الحَدِيثِ القُدسِيِّ: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ..."
الخطبة الأولى:
أَمَّا بَعدُ، فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: أَمسِ كُنَّا في رَمَضَانَ صَائِمِينَ، وَاليَومَ نَحنُ في العِيدِ مُفطِرُونَ، صُمنَا بِأَمرِ اللهِ تَعَالى وَأَفطَرنَا بِأَمرِهِ، مُستَسلِمِينَ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَهَذِهِ هِيَ حَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ، يَنقَادَ العَبدُ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ في صَومِهِ وَفِطرِهِ، وَيقِفُ في كُلِّ شُؤُونِهِ عِندَ نَهيِهِ وَأَمرِهِ، مُستَمِرًّا عَلَى ذَلِكَ طُولَ الحَيَاةِ، ثَابِتًا عَلَيهِ حَتَّى المَمَاتِ، هَذَا هُوَ شَأنُ المُؤمِنِ المُوَفَّقِ، وَهَذِهِ هِيَ حَالُ أَهلِ التَّقوَى، يَعمَلُونَ بِطَاعَةِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، يَرجُونَ ثَوَابَ اللهِ، وَيَجتَنِبُونَ مَعصِيَةَ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، يَخَافُونَ عِقَابَ اللهِ، قَالَ تَعَالى: (وَمَن يَرغَبُ عَن مِلَّةِ إِبرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفسَهُ وَلَقَدِ اصطَفَينَاهُ في الدُّنيَا وَإِنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسلِمْ قَالَ أَسلَمتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ الله اصطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسلِمُونَ) وَقَالَ سُبحَانَهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسلِمُونَ)
أَجَل أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ تَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مُلازِمَةٌ لأَهلِ الإِيمَانِ في رَمَضَانَ وَبَعدَ رَمَضَانَ، وَحَيَاتُهُم كُلُّهَا طَاعَةٌ للهِ، وَتَنَقُّلٌ في العُبُودِيَّةٍ مِن وَظِيفَةٍ لأُخرَى، لأَنَّ اللهَ تَعَالى أَمَرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: (فَسَبِّحْ بِحَمدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. وَاعبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأتِيَكَ اليَقِينُ).
قَد يَزِيدُ أَهلُ التَّقوَى وَالإِيمَانِ مِنَ النَّوَافِلِ وَالمُستَحَبَّاتِ في رَمَضَانَ، وَيَزدَادُ تَوَقِّيهِم لِلمَكرُوهَاتِ وَتَوَرُّعُهُم عَنِ المُشتَبِهَاتِ، لَكِنَّهُم في رَمَضَانَ وَفي غَيرِهِ مُجَانِبُونَ لِلمُنكَرَاتِ، حَافِظُونَ جَوَارِحَهُم عَنِ المُحَرَّمَاتِ؛ مُؤَدُّونَ لِلفَرَائِضِ وَالوَاجِبَاتِ، مُستَكثِرُونَ مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَإِنَّ ثَلاثِينَ يَومًا يَصُومُ المُسلِمُ نَهارَهَا وَيَقُومُ لَيلَهَا، وَيحفَظُ فِيهَا لِسَانَهُ وَسَمعَهُ وَبَصَرَهُ عَنِ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالسَّبِّ وَالشَّتمِ وَالقِيلِ وَالقَالِ، وَمُحَرَّمَاتِ النَّظَرِ وَالسَّمَاعِ وَالفُضُولِ، إِنَّهَا لَمَدرَسَةٌ يَنبَغي أَن يَخرُجَ مِنهَا وَقَد تَمَحَّصَت نَفسُهُ وَانقَادَ قَلبُهُ، وَأَن يَستَصحِبَ تَقوَى اللهِ في سَائِرِ حَيَاتِهِ امتِثَالاً لأَمرِه وَاجتِنَابًا لِنَهيِهِ، رَجَاءً لِثَوَابِهِ وَخَوفًا مِن عِقَابِهِ.
وَإِذَا أَرَادَ المُسلِمُ أَن يَقِيسَ أَثَرَ رَمَضَانَ فِيهِ، فَلْيُرَاقِبْ نَفسَهُ بَعدَهُ، هَلِ ازدَادَت حُبًّا لِلطَّاعَةِ وَإِقبَالاً عَلَيهَا؟! وَهَل زَادَ كُرهُهَا لِلمَعصِيَةِ وَنُفُورُهَا مِنهَا؟! ثُمَّ ليَنظُرْ كَيفَ حَالُهُ مَعَ الفَرَائِضِ وَحِرصُه عَلَى المُحَافَظَةِ عَلَيهَا؟! وَهَل هُوَ مُقبِلٌ عَلَى النَّوَافِلِ يَتَزَوَّدُ مِنهَا؛ لأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تُستَجلَبُ بِهِ مَحَبَّةُ اللهِ وَوِلايَتُهُ، وَقَد قَالَ تَعَالى في الحَدِيثِ القُدسِيِّ: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ..." رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَمِن دَلائِلِ الاستِفَادَةِ مِن مَدرَسَةِ التَّقوَى في رَمَضَانَ، أَن يُحَافِظَ المُسلِمُ عَلَى الوِترِ وَصَلاةِ اللَّيلِ، وَلَو أَن يَركَعَ رَكَعَاتٍ يَسِيرَةً في أَوَّلِ اللَّيلِ قَبلَ أَن يَنَامَ إِذَا ثَقُلَ عَلَيهِ القِيَامُ آخِرَ اللَّيلِ؛ ذَلِكُم أَنَّ صَلاةَ اللَّيلِ هِيَ أَفضَلُ الصَّلاةِ بَعدَ الفَرِيضَةِ، وَأَنَّ الوِترَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لم يَترُكْهَا النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ في حَضَرٍ وَلا سَفَرٍ.
وَمِن دَلائِلِ الاستِفَادَةِ مِن مَدرَسَةِ التَّقوَى في رَمَضَانَ دَوَامُ مُصَاحَبَةِ القُرآنِ؛ فَلا يَلِيقُ بِمَن ذَاقَ حَلاوَةَ القُرآنِ في رَمَضَانَ، أَن يَزهَدَ فِيهَا بِهَجرِهِ بَعدَ ذَلِكَ، كَيفَ وَأُجُورِ قِرَاءَتِهِ بِعَدَدِ حُرُوفِهِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "مَن قَرَأَ حَرفًا مِن كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشرِ أَمثَالِهَا، لا أَقُولُ الم حَرفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرفٌ وَلامٌ حَرفٌ وَمِيمٌ حَرفٌ" رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَمِن دَلائِلِ الاستِفَادَةِ مِن مَدرَسَةِ التَّقوَى بَعدَ رَمَضَانَ الاستِمرَارُ عَلَى بَذلِ المَعرُوفِ وَالإِحسَانِ؛ وَكَمَا كَانَ المُؤمِنُ يُنفِقُ في رَمَضَانَ وَيَتَصَدَّقُ، وَيُفَطِّرُ الصَّائِمِينَ وَيَبذُلُ الإِحسَانَ، فَإِنَّ عَلَيهِ أَلاَّ يَقطَعَ ذَلِكَ بَعدَ رَمَضَانَ وَلا يَنسَاهُ؛ إِذِ إِنَّ الصَّدَقَةَ مِنَ البِرِّ وَأَفضَلِ الأَعمَالِ، وَهِيَ بُرهَانٌ عَلَى الإِيمَانِ، وَبِهَا تُستَجلَبُ البَرَكَةُ في الأَعمَارِ وَالأَموَالِ، وَفي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ: "مَا مِن يَومٍ يُصبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعطِ مُنفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: "اللَّهُمَّ أَعطِ مُمسِكًا تَلَفًا"
وَمِن دَلائِلِ الاستِفَادَةِ مِن مَدرَسَةِ التَّقوَى في رَمَضَانَ، الصَّبرُ عَلَى مَا خَفَّتِ النَّفسُ إِلَيهِ في رَمَضَانَ مِن كَثرَةِ ذِكرٍ للهِ، وَحِرصٍ عَلَى بِرِّ الوَالِدَينِ وَصِلَةِ الأَرحَامِ، وَإِقدَامٍ عَلَى الخَيرِ وَإِحجَامٍ عَنِ الشَّرِّ، وَبَذلٍ لِلنَّدَى وَكَفٍّ لِلأَذَى، وَالمُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَن هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنهُ. نَسأَلُ اللهَ لَنَا وَلِلمُسلِمِينَ القَبُولَ، وَالإِخلاصَ وَاتِّبَاعَ الرَّسُولَ، وَأَقُولُ هَذَا القَولَ وَأَستَغفِرُ اللهَ لي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ.
الخطبة الثانية:
أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى وَأَطِيعُوهُ (وَاتَّقُوا الله وَاعلَمُوا أَنَّكُم مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ المُؤمِنِينَ)
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: المُؤمِنُ يَفرَحُ بِالعِيدِ؛ اغتِبَاطًا بِتَوفِيقِ اللهِ لَهُ حِينَ استَكمَلَ صِيَامَ رَمَضَانَ وَقِيَامَهُ، وَلَأَنَّ لَهُ فَرحَةً أَعظَمَ مِن هَذِهِ حِينَ يَلقَى اللهَ تَعَالى بِأَعمَالِهِ الصَّالِحَةِ؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "لِلصَّائِمِ فَرحَتَانِ؛ فَرحَةٌ عِندَ فِطرِهِ وَفَرحَةٌ عِندَ لِقَاءِ رَبِّهِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
هَذَا وَإِنَّ مِن عَلامَةِ قَبُولِ الحَسَنَةِ إِتبَاعَهَا بِالحَسَنَةِ، وَمِن ذَلِكَ إِتبَاعُ رَمَضَانَ بِصِيامِ سِتٍّ مِن شَوَّالٍ؛ فَإِنَّ صِيَامَهَا مَعَ رَمَضَانَ يَعدِلُ صِيَامَ الدَّهرِ، وَفي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ: "مَن صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهرِ"
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: في العِيدِ مُعايَدَةٌ وَصِلَةٌ، وَالصِّلَةُ مِنَ الإِيمَانِ، وَهِيَ بَرَكَةٌ في العُمُرِ وَالرِّزقِ، وَقَطعُهَا انقِطَاعٌ عَن رَحمَةِ اللهِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
وَقَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: "مَن سَرَّهُ أَن يُبسَطَ لَهُ في رِزقِهِ، أَو يُنسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ. وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرشِ تَقُولُ: مَن وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَن قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ" رَوَاهُ مُسلِمٌ.
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "لَيسَ شَيءٌ أُطِيعَ اللهُ فِيهِ أَعجَلَ ثَوَابًا مِن صِلَةِ الرَّحِمِ، وَلَيسَ شَيءٌ أَعجَلَ عِقَابًا مِنَ البَغيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ" رَوَاهُ البَيهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.
فَاللهَ اللهَ بِصِلَةِ الأَرحَامِ مَا استَطَعتُم، وَأَنقِذُوا أَنفُسَكُم مِن وَعِيدِ اللهِ لِلقَاطِعِينَ، فَقَد قَالَ تَعَالى: (فَهَل عَسَيتُم إِنْ تَوَلَّيتُم أَن تُفسِدُوا في الأَرضِ وَتُقَطِّعُوا أَرحَامَكُم. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُم وَأَعمَى أَبصَارَهُم)
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم