عناصر الخطبة
1/القرآنُ مُثّبِّتُ القلوبِ 2/كَيْفَ نَثْبُتُ بالقرآن 3/ما مُثَبِّتَاتُ القرآنِ للقلوبِ.اقتباس
يوصِيكَ -صلى الله عليه وسلم- بفواتحِ سُورةِ الكَهفِ، حيثُ تتذكَّرُ هؤلاءِ الفتيةَ الذِينَ آمَنُوا بربِّهم، وصَبَروا على دِينِهِم، وَثَبَتُوا على توحيدِ رَبِّهِم، واختَارُوا كهفًا مُظلمًا ليَنجُوا فِيهِ بِدِينِهِم، وَلَمْ تَغُرَّهُم دُنْيَا الملوكِ؛ فإذَا...
الخطبة الأولى:
الحمدُ للهِ الذِي أظهرَ دينَهُ فِي العالمِينَ، وَثَبَّتَ قلوبَ أوليائِهِ المؤمنِينَ، ونجَّاهُم مِن كيدِ القومِ الظالمِينَ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لَا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، -صلى الله عليه وسلم- تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ: فاتّقُوا اللَّهَ -عبادَ اللَّهِ- حقَّ التَّقوى، وراقِبوهُ فِي السِّرِّ والنَّجوى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].
عبادَ الله: فِي ذاتِ يومٍ ذكَرَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الدّجّالَ وعظيمَ فتنتِه، ثمَّ وصَّى أُمَّتَهُ قائلًا: "فَمَنْ رَآهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ فَوَاتِحَ سُورَةِ أَصْحَابِ الكَهْفِ"، ثُمَّ قَالَ: "يَا عِبَادَ اللَّهِ! اثْبُتُوا!"(رواه الترمذي).
ينادِي نبيُّنا -صلى الله عليه وسلم- عليكَ أَنْ تَثْبُتَ على دينِك، لَا يَفْتِنَنَّكَ كلُّ دجَّالٍ يكذِبُ على اللهِ، ويُوصِيكَ نبيُّنا بأعظمِ مَا بِهِ ثباتُكَ أمامَ أقوى الفِتَنِ؛ إنَّهُ القرآنُ الكريمُ.
يوصِيكَ -صلى الله عليه وسلم- بفواتحِ سُورةِ الكَهفِ، حيثُ تتذكَّرُ هؤلاءِ الفتيةَ الذِينَ آمَنُوا بربِّهم، وصَبَروا على دِينِهِم، وَثَبَتُوا على توحيدِ رَبِّهِم، واختَارُوا كهفًا مُظلمًا ليَنجُوا فِيهِ بِدِينِهِم، وَلَمْ تَغُرَّهُم دُنْيَا الملوكِ؛ فإذَا رأيتَ الدَّجَّالَ الذِي يُخرِجُ كُنوزَ الأرضِ ليدعُوكَ لتعبُدَه؛ فتذكَّرْ ثباتَ الفتيةِ الذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِم فَزَادَهُم هُدًى.
إخوةَ الإسلامِ: إليكُمْ وصيةَ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إلى حذيفةَ -رضي الله عنه- عِنْدَمَا قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنْ شَرٍّ نَحْذَرُهُ؟"، فقَالَ لَهُ: "يَا حُذَيْفَةُ! عَلَيْكَ بِكِتَابِ اللَّهِ فَتَعَلَّمْهُ، وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ خَيْرًا لَكَ"(رواه أبو داود وابن حبان).
القرآنُ هُوَ الـمُخرِجُ مِنَ الفِتَنِ، والسَّببُ الأعظمُ للثَّباتِ على الحقِّ، عِندَمَا تَمُوجُ أَمْوَاجُ البَاطِلِ، فنقومُ بِهِ إيمانًا وتلاوةً وفهمًا، وعملًا وتحاكمًا، أَلَمْ يَقُلْ ربُّنا -سبحانه-: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)[النحل: 102].
إنَّ المسلمَ يحتاجُ إلى مُثَبِّتَاتِ القرآنِ فِي كلِّ وقتٍ وحينٍ؛ لِذَا نزلَ القرآنُ على نَبِيِّنَا -صلى الله عليه وسلم- على مدارِ حياتِهِ بعدَ البَعثةِ، إذْ كانَتْ تمُرُّ بِهِ الـمِحَنُ والـخُطُوبُ، فتنزلُ آياتُ القُرآنِ غَيثًا يُثَبِّتُ اللهُ بِهِ القلوبَ، قَالَ -سبحانه-: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)[الفرقان: 32].
وَلَعَلَّكَ تَسَألُ: مَا مُثَبِّتَاتُ القرآنِ للقلوبِ عِندَ الفتنِ والشَّدائدِ والمِحَنِ؟
إنَّ أساسَ الثَّباتِ عِندَ الشَّدائدِ والِمحَنِ علمُكَ؛ أنّ الثَّباتَ باللهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ الذِي يَهْدِي ويُوَفِّقُ ويُثَبِّتُ قلوبَ المؤمنِينَ؛ كَمَا أنَّه يخذُلُ ويُضِلُّ ويُزيغُ قلوبَ الظالمِينَ، فإيمانُكَ واعتصامُكَ بِهِ وبِوَحْيِهِ مِفتاحُ الثَّباتِ والسَّدادِ، قَالَ -تَعَالى-: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا)[الإسراء: 73-74]، وقَالَ -سبحانه-: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)[إبراهيم: 27].
يَثبُتُ المؤمنُ باللهِ، حينَ يؤمِنُ بِهِ؛ فيوقِنُ أنَّه الذِي يُدبِّرُ الأمَرَ، الكَونُ كلُّه بيدِه، هُوَ الغالبُ على أمرِهِ، لَا يحصُلُ خيرٌ إلَّا بفضلِهِ، ولَا يَقَعُ ضُرٌّ إلَّا بإذنِهِ، وأنَّه يَعْلَمُ مكرَ الكافِرِينَ وكَيدَ الظَّالِمِينَ، وَهُوَ -سبحانه- خيرُ الماكرِينَ، وكيدُه مَتِينٌ، وأنَّ لَهُ سُنَّةً ماضيةً فِي أوليائِه وأعدائِه، فَهُوَ الذي يكتب النَّجاةَ والعاقِبَةَ للمؤمنِينَ، ويُهْلِكُ أَعْدَاءَهُ الكافِرِينَ؛ فالقرآنُ يُخْبِرُكَ بِهَذَا، وَيَقُصُّ عليكَ مِنَ الأخبارِ مَا يَزِيدُكَ بِهِ يقينًا، قَالَ اللهُ -تَعَالى- لنَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ)[هود: 120].
إنَّ مِنْ أعظمِ مُثَبِّتَاتِ القلوبِ: أَنْ تُحْسِنَ الظَّنَّ والرَّجَاءَ باللهِ، فَتَرَى اليُسرَ مَعَ العُسرِ، والخيرَ كامنًا فِي الشَّرِّ، وتَرَى فرَجَ الله ونَصرَه القريبَ، وأنَّه يَتَوَلَّى عبادَهُ المؤمنِينَ؛ فَهُوَ الذِي تَابَ على آدمَ، وَنَصَرَ نوحًا وهودًا وصالحًا وشُعيبًا مِنَ القومِ الظالمِينَ، ونجَّى إبراهيمَ مِنَ النَّارِ وَجَعَلَ أعداءَهُ هُمُ الأَخْسَرِينَ، ونجَّى لوطًا وأهلَهُ، وَأَخْرَجَ يُوسُفَ مِنَ الجُبِّ والسِّجنِ، وأيبَسَ الأرضَ لموسَى، ونجَّى يونسَ مِنَ الغَمِّ، وَشَفَى أيوبَ مِنَ المَرَضِ، وأجابَ دعوةَ زكريَّا وَرَزَقَهُ الولَدَ، وَرَفَعَ عِيسَى حيًّا عزيزًا مِنْ بَينِ أيدِي اليهودِ المجرمِينِ، ونَصَرَ وأعزَّ نَبِيَّهُ محمدًا -صلى الله عليه وسلم- على المشركِينَ، هَذَا قضاؤُه النافِذُ -سبحانه-؛ كَمَا قَالَ: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)[الصافات: 171-173].
عِندَمَا تقرأُ القرآنَ تَجِدُ فِيهِ كِفَايةَ اللهِ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَتَوَكَّلَ عليهِ، وأنَّهُ حَسْبُ العَبدِ وكافِيهِ، وعلَى قَدْرِ عُبُودِيَّتِهِ للهِ تكونُ كفايتُه وتأييدُه، أَلَمْ تَسمَعْ خَبَرَ نَبِيِّنَا -صلى الله عليه وسلم- وأصحابِهِ فِي قولِهِ -سبحانه-: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)[آل عمران: 172-174].
إنَّ مِنْ أعظَمِ مُثَبِّتَاتِ القلوبِ: الإيمانَ باليومِ الآخِرِ، وأنَّهُ يومٌ آتٍ، يَقضِي اللهُ فِيهِ بَينَ الخلائِقِ، ويُوَفَّى كُلُّ إنسانٍ مَا كَسَبَتْ يَدَاهُ، وَلَنْ يُفْلِتَ الظَّالِمونَ المجرمُونَ مِن عِقابِهِ، وَلَنْ تَضِيعَ أَعمالُ المؤمنِينَ مِن ثوابِهِ، عِندَمَا تُوقِنُ بِجَنَّةٍ عَرضُها السّماواتُ والأرضُ، تُنْسِيكَ الغَمسَةُ فِيهَا شَقَاءَ الدُّنيَا.
إنَّ سَحَرةَ فِرعونَ جَاؤُوا يُحَارِبونَ دينَ اللهِ طالبِينَ المَالَ، فبشَّرهُم فرعونُ ووعدَهُمُ السُّلطةَ والجَاهَ، فَسَالَ لُعَابُهُم، وَدَخَلُوا جَولَةَ البَاطِلِ معتزِّينَ بِفِرعَونَ، فَلَمَّا أَرَاهُمُ اللهُ الحقَّ سَجَدُوا لِرَبِّ العَالمِينَ، فحوَّلَ فرعونُ نعيمَ دُنيَاهُم إلى جَحِيمٍ، فَمَا ثَبَتَوا إلَّا بِإيثَارِهِمُ اللهَ وجنَّاتِ النَّعيمِ، قَالَ -تَعَالى-: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى)[طه: 70-76].
إنَّ مِن أعظمِ مُثَبِّتَاتِ القُلوبِ: الاستعلاءَ بالهُدى الذِي أنزلَهُ اللهُ؛ فإنَّ أكثرَ النَّاسِ فِيهِم داعيةُ الطُّغيانِ، تُعجِبُهُم عُقُولُهُم وأفكَارُهم وفلسفاتُهُم فَيَسْتَغْنُونَ بِهَا عَنْ وَحْيِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أنَّهُم على شيءٍ، ثُمَّ يَضِلُّونَ وَيَتَحَيَّرُونَ، إلَّا أنَّ المؤمنَ مَا إِنْ تَأتِيهِ ظلماتُ الجَهلِ والهَوَى حَتَّى يُسلِّطَ عليها أنوارَ القرآنِ فَتَنْقَشِعَ، ويمحَقُ اللهُ الأباطِيلَ.
فحُقَّ لكَ -أيُّهَا المؤمنُ- ألَّا تُدْرِكَكَ مَخَاوِفُ الرَّدَى؛ لأَنَّكَ الأَعْلَى بِإيمَانِكَ، وَبِهَذَا وَصَّى اللهُ مُوسَى -عليه السلام-؛ كَمَا قَالَ: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى)[طه: 67-68]، ووصَّى اللهُ بِهَا المؤمنِينَ فَقَالَ: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)[آل عمران: 139].
القُرآنُ يُثَبِّتُكَ إِذْ يَمْحُو عَنْكَ الجهالةَ؛ فَهُوَ يُخْبِرُكَ بأسبابِ النَّصْرِ، يُعَرِّفُكَ بأعدائِكَ، وَيُجَلِّي لَكَ أهدافَهُم وخُطَطَهُم، بَلْ يُفشِي لَكَ دوافعَهُم وأسرارَهُم، ويُفصِحُ لكَ عَنْ نوازِعِهِمُ النَّفسِيَّةِ وَمَا تُكِنُّ صُدُورُهُم، ويدُلُّكَ فَوقَ ذلكَ على سبيلِ النَّجاةِ مِنْ شُرورِهِم، قَالَ -تَعَالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)[آل عمران: 118-120].
بارَكَ اللهُ لي ولَكُم فِي القُرآنِ العظيمِ، ونَفَعَني وإيّاكم بمَا فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم؛ فاستغفِرُوهُ، إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرّحيمُ.
الخطبةُ الثانيةُ:
الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسُولِ اللهِ، وعلى آلهِ وصَحْبِهِ ومَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ:
إنَّ مِن أعظمِ مُثَبِّتَاتِ القلوبِ عِندَ المِحَنِ: أَنْ يُبَصِّرَكَ القُرآنُ سبيلَ الأنبِيَاءِ وَمَن تَبِعَهُم حَتَّى نصَرَ اللهُ بِهِم دينَهُ، يُخْبِرُكَ عَنْ أَخْذِ العُدَّةِ وإعدادِ القُوَّةِ، يُخْرِجُكَ مِنْ براثِنِ العَجزِ وأوهَامِ الاستضْعَافِ، يحدِّثُكَ كَيْفَ صَنَعَ نوحٌ قُبَيْلَ الطوفانِ سفينةَ النَّجاةِ، وأعدَّ يوسفُ فِي سَنَواتِ القحطِ خُطَّةَ السَّلامَةِ، وَكَيفَ صَنَعَ داودُ الدُّروعَ وقدَّرَ فِي السَّردِ، وكيفَ بَنَى ذُو القرنَينِ عَلَى يَأجُوجَ ومأجُوجَ السَّدَّ، وَكَيفَ هَاجَرَ المؤمِنُونَ مِنْ بَطْشِ الكفرَةِ واعتزَلُوا دِينَهم، فَنَشَرَ اللهُ لَهُم مِنْ رَحْمَتِهِ وقوّاهُمْ ونَصَرَهُمْ.
إنَّهُ السَّبِيلُ الذِي سَطَّرهُ القرآنُ فِي قَوْلِهِ -تَعَالى-: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ * وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ)[الأنفال: 59-60].
اللهُمَّ أَعِنّا ولا تُعِنْ عَلَينَا، وانْصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وامكُر لَنَا ولا تمكُر علَينَا، وانصُرنَا على مَن بَغَى علَينَا.
اللّهُمَّ آمِنَّا فِي أوطانِنا، وأصلِحْ أئمَّتَنا ووُلاةَ أمورِنا، واجعل وِلايتَنا فيمَن خافَكَ واتّقاكَ واتّبعَ رِضاك.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال -عز من قائل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم