مشروعية الحج وآدابه

الشيخ سعد بن عبدالرحمن بن قاسم

2026-04-17 - 1447/10/29 2026-04-23 - 1447/11/06
التصنيفات: الحج
عناصر الخطبة
1/حكم الحج وأهميته 2/أشهر الحج 3/الرفق بالحجيج والإحسان إليهم 4/الحج المبرور من أفضل الأعمال.

اقتباس

إن الحاج في ذهابه إلى مكة يتقرب إلى ربه بالعجّ والثج، ويقف في مشاعر الحج آملاً عفو ربه ورفعة درجاته، فهل يليق بهذا العبد أن يذهب إلى هذه المطالب العالية وهو مُتلبِّس بمعاصي الله؟ أما يخشى أن تُرَدّ عليه تلك الطاعات؟ فعلينا معشر المسلمين أن نُصْلِح أنفسنا لنأتي بسبب قبول العمل ورفعه...

الخطبةُ الأولَى:

 

الحمد لله واسع العطاء، عظيم النعماء؛ سبحانه من إلهٍ عظيم وملك كريم، يسَّر لعباده أمر طاعته، ووعدهم عليها عظيم الجزاء، أحمده -تعالى- وأشكره، وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والكبرياء، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صاحب الحوض والشفاعة العظمى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأجلاء، وكذا من تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم اللقاء وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: أيها المسلمون: فلا يخفى عليكم أننا الآن في موسم عظيم، وساحة أيام شريفة من أعظم المواسم والأيام لطاعة الله وعبادته والتقرب إليه؛ ألا وهو موسم الحج الذي هو أحد أركان الإسلام ودعائمه العظام، وقرب الأيام العشر، وقد أمر الله نبيه إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- بأن ينادي في الناس بالحج؛ قال -تعالى-: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)[سورة الحج:27].

 

 فيجب الحج على المكلف مرة واحدة في عمره إذا استطاع الزاد والراحلة، وما زاد فتطوُّع؛ لقوله -تعالى-: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)[سورة آل عمران:97]، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لو قلت نعم لوجب، ولما استطعتم"، وفي رواية: "ولو وجبت لما استطعتم، الحج مرة، وما زاد فهو تطوع".

 

 وعن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "بُنِي الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان".

 

عباد الله: ومن الأمور التي ينبغي لنا الانتباه لها: أن نعرف وقت الحج؛ فقد وسَّع الله لعباده ذلك، فجعل أشهر الحج ثلاثة هي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة؛ لقوله -تعالى-: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)[سورة البقرة:197]، ففيها المجال الواسع للسير إلى بيت الله لأداء نسك الحج.

 

ومن التسهيل على العباد: ما يتضمن من فضل التمتع بالعمرة إلى الحج، ففي ذلك تيسير من مشقة الإبقاء على الإحرام ومستلزماته، قال -تعالى-: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ)[سورة البقرة:196].

 

 ومن فضله -تعالى- وتيسيره على عباده: أن شرع الطواف بالبيت الذي هو أحد مقاصد الحاج في أيّ وقت كان، وكذا الصلاة حتى في أوقات النهي، فعن جبير بن مطعم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار".

 

أيها المسلمون: إن الحاج في ذهابه إلى مكة يتقرب إلى ربه بالعجّ والثج، ويقف في مشاعر الحج آملاً عفو ربه ورفعة درجاته، فهل يليق بهذا العبد أن يذهب إلى هذه المطالب العالية وهو مُتلبِّس بمعاصي الله؟! أما يخشى أن تُرَدّ عليه تلك الطاعات؟ فعلينا معشر المسلمين أن نُصْلِح أنفسنا لنأتي بسبب قبول العمل ورفعه، قال -تعالى-: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)[سورة فاطر:10].

 

وكما أن العمل الصالح سبب لرفع الكلم الطيب فكذلك المطعم الحلال؛ لما روى مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله -تعالى- طيّب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله -تعالى- أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)[سورة المؤمنون:51]، وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)[سورة البقرة:172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك".

 

فيا أيها المسلم: اتق الله -تعالى-، واستقم على طاعته، وتقدّم إليه على أكمل هيئة وعلى أحسن سيرة، واحذر -رحمك الله- أن تُؤذِ الحاج بسُوء أخلاقك، أو تفتنهم بما يظهر من معاصيك، كن قدوة حسنة، ولا تكن قدوة سيئة، كن عبداً صالحاً لتحظى برضى الله وثوابه الجزيل، بل ولكي تدخل في زمرة الصالحين الذين يُدعَى لهم في كل صلاة وقت التشهد حين يقول المصلي: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين".

 

وكن من المسلمين لتنال أيضاً الدعاء لك في حياتك وبعد مماتك من إخوانك المسلمين حين يقول القائل منهم: اللهم اغفر لجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، ألا تحب أن يدعوا لك الصلحاء بأحسن الدعاء، وفي أشرف الأوقات، بل وفي كل المناسبات؟ وأين هذا ممن يُدْعَى عليه، فالكافر الذي مات على كفره عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)[سورة البقرة:161]؛ فما أعظم الفرق بين الصنفين، وما أكبر الغبن بين الفريقين، فريق الجنة وفريق السعير.

 

اللهم أحيينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين؛ برحمتك يا أرحم الراحمين، بارك الله...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله العلي الكريم ذي العظمة والجلال، أحمده -تعالى- وأشكره وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العظيم الذي له نصلي وننحر، وإليه نلجأ وبه نلوذ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله نبي قام لله حتى تفطرت قدماه، ونحر لربه حتى كلّت يمناه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين تسابقوا بين يديه في الخيرات ابتغاء مرضاة الله، وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: أيها المسلمون: فلا يخفى عليكم أن الحج المبرور من أفضل الأعمال؛ وذلك لما في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور"؛ قال النووي -رحمه الله-: "المبرور الذي لا يرتكب صاحبه فيه معصية".

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أُمّه"، وعنه أيضاً أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".

 

 اللهم وَفِّقنا لأفضل الأعمال ويسِّرها لنا، وأعنّا على القيام بها ابتغاء مرضاتك ودخول جناتك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

 

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

مشروعية الحج وآدابه.doc

مشروعية الحج وآدابه.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات