من أدب الرحلة والنزهة

صغير بن محمد الصغير

2026-04-10 - 1447/10/22 2026-04-27 - 1447/11/10
عناصر الخطبة
1/جواز الخروج إلى المتنزهات 2/آداب الرحلات والمتنزهات 3/أجر الصلاة في الصحراء 4/من أهم الآداب في الرحلات والتنزهات.

اقتباس

وعلى هذا: الصلاة في الفلاة تعدل ألف صلاة ومائتين وخمسين صلاة جماعة، وهذا إن كانت صلاة الجماعة تتضاعف إلى خمسة وعشرين ضعفًا فقط، وإن كانت تتضاعف إلى سبعة وعشرين كما تقدم، فالصلاة في الفلاة تعدل ألفًا وثلاثمائة وخمسين صلاة...

الخُطْبَة الأُولَى:

 

إن الحمد لله...

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

أيها الأحبة: في الأجواء الشتوية، يذهب الكثيرون إلى المنتزهات والبراري، يتفكرون فيما خلقه الله -تعالى- من مناظر ويتذكرون نِعَم الله -تعالى-؛ (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)[الشورى: 28]. وقد جاء عن المقدام بن شريح، عن أبيه قال: سألت عائشة -رضي الله عنها- عن البداوة؟ فقالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبدو إلى هذه التلاع"(رواه أبو داود وصححه الألباني).

 

قال صاحب عون المعبود: "عن البداوة": أي الخروج إلى البدو والمقام به، وفيه لغتان بكسر الباء وفتحها قاله الخطابي. "يبدو": أي يخرج إلى البادية لحصول الخلوة، وغيرها. "إلى هذه التلاع": بكسر الفوقية: مجاري الماء من أعلى الأرض إلى بطون الأودية، واحدتها تلعة بفتح فسكون، وقيل هو من الأضداد يقع على ما انحدر من الأرض وما ارتفع منها".

 

والإسلام -أيها الأحبة- كما أنَّه دين توحيد وعقيدة فهو دين أدب ومعاملة، ومن خصائصه شموله وسعته، ولهذه الرحلات آداب مهمة يحسن بالمسلم أن يتعلمها ويطبقها؛ ومن أهمها ما يلي:

 

أولاً: إخلاص النية لله -تعالى-، والاحتساب بأن تكون الرحلة للتقوِّي على طاعة الله -تعالى- والتفكر في مخلوقاته، ولإدخال السرور على قلوب من معه من أقارب أو أصدقاء، فإن العادات تنقلب إلى عبادات ويحصل لصاحبها الأجر والثواب عند إخلاص النية لله، كما قال معاذ -رضي الله عنه-: "أنامُ أوَّلَ الليلِ، فأقومُ وقد قضَيْتُ جُزئِي من النومِ، فأقرأُ ما كتبَ الله لي، فأحتسِبُ نومتِي كما أحتسِبُ قومتِي".

 

ثانياً: المبادرة عند النزول في المكان بذكر دعاء المنزل، قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَن نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم يضره شيء حتى يرتحل من مكانه"(رواه البخاري).

 

ثالثاً: المحافظة على الصلوات بوقتها جماعةً وبأذان وإقامة، إلا أن يكون سفراً فله الجمع والقصر. فإن لم يكن معه أحد فيصليها لوحده ويتمُّ ركوعها وسجودها، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «الصَّلاَةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلاَةً، فَإِذَا صَلاَّهَا فِي فَلاَةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلاَةً». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ عَبْدُالْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ فِي الْحَدِيثِ: «صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الْفَلاَةِ تُضَاعَفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ»(رواه أبو داود 560، قال عنه الزيلعي في نصب الراية 2/15: إسناده جيد، وقال الحاكم في المستدرك 1/326: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي).

 

قال الشوكاني -رحمه الله-: "والحديث يدل على أفضلية الصلاة في الفلاة مع تمام الركوع والسجود، وأنها تعدل خمسين صلاة في جماعة كما في رواية عبد الواحد، وعلى هذا: الصلاة في الفلاة تعدل ألف صلاة ومائتين وخمسين صلاة جماعة، وهذا إن كانت صلاة الجماعة تتضاعف إلى خمسة وعشرين ضعفًا فقط، وإن كانت تتضاعف إلى سبعة وعشرين كما تقدم، فالصلاة في الفلاة تعدل ألفًا وثلاثمائة وخمسين صلاة، وهذا على فرض أن المصلي في الفلاة صلى منفردًا فإن صلى في جماعة تضاعف العدد المذكور بحسب تضاعف صلاة الجماعة على الانفراد وفضل الله واسع"(نيل الأوطار: 3/158).

 

رابعاً: ضرورة تعلُّم أحكام الطهارة كالتيمم، والمسح على الخفين، ويُشترط للمسح على الخفين أربعة شروط كما ذكر أهل العلم: أن يكون لابساً لهما على طهارة، وأن تكون الخفان أو الجوارب طاهرة فإن كانت نجسة فإنه لا يجوز المسح عليها، وأن يكون مسحهما في الحدث الأصغر لا في الجنابة أو ما يوجب الغسل، وأن يكون المسح في الوقت المحدد شرعاً، وهو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر.

 

ويجب أيضاً أن لا يتساهل المسلم في الطهارة إذا أصابته جنابة، فلا يصح التيمم مع توافر الماء، وتوافر وسائل التدفئة، وتوافر مكان الاغتسال، فلا يتيمم المسلم إلا إذا عدم الماء أو عجز عن استعماله.

 

خامساً: الحرص على تطبيق بعض السنن التي قد لا يمكن تطبيقها في بعض المساجد؛ مثل الصلاة بالنعال، فقد ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه صلى في نعليه، وقال للصحابة -رضي الله عنهم- لما خلع نعليه ذات يوم من أجل أذى فيهما وخلع الناس نعالهم، قال لهم -صلى الله عليه وسلم- لما سلم من صلاته: "ما لكم خلعتم نعالكم؟" قالوا: رأيناك يا رسول الله خلعت نعليك فخلعنا نعالنا. فقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما أذى"(رواه الإمام أحمد).

 

سادساً: عدم إيذاء المتنزهين المجاورين بالأصوات ونحوها، وعدم إيذاء البيئة وتلويثها...؛ قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)[الأحزاب: 58]. ضرورة اهتمام النساء بالستر والعفاف والحشمة؛ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)[الأحزاب: 59]، وضرورة غض البصر: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)[النور: 30].

 

سابعاً: إضفاء الفوائد أثناء الرحلة بالدروس المفيدة، وعدم مضيعة الوقت بالهزل وعدم الجدية، فإنَّ المسلم مسؤول عن وقته، علاوةً على ذلك فمجالس الذكر تعمّ فيها السكينة وتغشاها الرحمة، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم؛ حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله -تعالى- يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده".

 

ثامناً: تدريب النفس والأولاد على الخشونة وترك التنعم والترفه؛ إذ لما بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذًا إلى اليمن قال له: "إياك والتنعم؛ فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين"(رواه الإمام أحمد وحسنه الألباني في صحيح الجامع).

 

تاسعاً: الحذر من التساهل بالنار أو النوم قبل إطفائها؛ فعن أبي موسى -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم"(متفق عليه).

 

بارك الله لكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر والحكيم.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله...

 

 أما بعد: فاتقوا الله عباد الله...

 

عاشراً: ومن أهم الآداب في الرحلات والتنزه: المحافظة على الورد القرآني، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، وهبوب الريح، ونحو ذلك، وتدريب الأهل والأولاد عليها؛ ففي المداومة على الأذكار حياةٌ للقلب، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ"(أخرجه البخاري). وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- في الوابل الصيب نحواً من مائة فائدة للذكر، فلنحافظ عليه ولنلزم غرزه.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

من أدب الرحلة والنزهة.pdf

من أدب الرحلة والنزهة.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات