آثار تقوى الله. 1447/10/29هـ

آثار تقوى الله. 1447/10/29هـ 

الحمدُ للهِ معزِ من أطاعه واتقاه، ومذلِ من خالفَه وعصَاه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن ولاه وسلَّم تسليمًا كثيرًا..

أما بعد أيها الإخوة: لقد دعا اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين للتقوى دعوةً صريحةً فقالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102] وفَسَّرَ ابنُ مسعودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- تقوى اللهِ حقَ تقواه فقالَ: هي أن يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكرَ فلا ينسى، ويُشكرَ فلا يُكفرْ.

واعلموا بأَنَّ التحلِيَّ بتقوى اللهِ تعالى خيرُ ما يُزَينُ سُلوكَ المرءِ بعدَ الإيمانِ، ويرقَى به إلى الدرجاتِ العُلا في الجنانِ.. والتقوى هي: أنْ يَجْعَلَ العبدُ بينَهُ وبين عذابِ اللهِ تعالى وقايةً بفعلِ أوامرِه واجتنابِ نواهيه..

والتقوى منقبةٌ عظيمةٌ، ووصيةُ اللهِ تعالى للأولين والآخرين قال الله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء:131]، وهذه الوصيةُ وصيةٌ عظيمةٌ جامعةٌ لحقوقِ اللهِ تعالى وحقوقِ عبادِه.. ولعظمِ شأنها كانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- يدعو لنفسِهِ بها يقولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي ‌أَسْأَلُكَ ‌الْهُدَى ‌وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى». رواه مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُوْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. ووصى بها أبا ذرٍ ومعاذَ بنَ جبلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فقالَ لكلِ واحدٍ منهما: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». رواه أحمد والترمذي وهو حديث حسن، ومرادُهُ في قولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ» أي في السرِّ والعلانية حيث يراه الناسُ وحيثُ لا يرونه، وقد صرح بذلك في حديث أبي ذرٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أنَّ النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- قَاْلَ له: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِهِ، وَإِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ..» رواه أحمد وقال الألباني حسن لغيره.

وبها وصى رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- جميع الأمة فَقَدْ وَعَظَ الناسَ يومًا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا. قالَ: «‌أُوصِيكُمْ ‌بِتَقْوَى ‌اللهِ ‌وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ».. أحمد وأبو داود عَنْ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وصححه الألباني.. وكان من هديه أنَّه إذا أرادَ أنْ يُوَدِعَ مُسافرًا ربما قال له: «زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَيَسَّرَ لَكَ الخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ» الترمذي عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وقال الألباني حسن صحيح..  ولم يزل سَّلفُ الأمةِ الصالحِ يتَواصَوْنَ بها، من ذلك لمَّا حضرت أبا بكرٍ الصديق الوفاةُ وعهد إلى عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- دعاه فَوَصَّاْهُ بوصيةٍ، وأوَّلُ ما قالَ له: اتَّقِ الله يا عمر.. وكتب عُمَرُ إلى ابنه عبد الله: -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- "أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أُوصِيك بِتَقْوَى الله، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ الله وَقَاهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ أَقْرَضَهُ جَزَاهُ، وَمَنْ شَكَرَهُ زَادَهُ، وَلْتَكُنِ التَّقْوَى نُصْبَ عَيْنَيْكَ، وَعِمَادَ عَملكَ، ‌وَجِلَاءَ ‌قَلْبِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا عَمَلَ لِمَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَلَا أَجْرَ لِمَنْ لا حِسْبَةَ لَهُ، وَلَا مَالَ لِمَنْ لَا رِفْقَ لَهُ، وَلَا جَديدَ لِمَنْ لا خلَقَ لَهُ".. رواه ابن أبي الدنيا. وغيرُ هذا في الصحابة وتابعيهم كثير..

ومن أطرف ما روي في ذلك، ما قاله شعبة رحمه الله: "كنتُ إذا أردتُ الخروجَ قلتُ للحكم: ألك حاجةٌ.؟ كقولنا [توصي شيء] فقَالَ: ‌أُوْصِيْكَ ‌بِمَا ‌أَوْصَى ‌بِهِ النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- مُعَاذًا: اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ.. ما أجملها من وصية فهي.. تُنْبِأُ عن محبة وحرص.. حري بنا أن نقتفي آثارهم..  

أيها الأحبة: وقد ذكر الله في كتابه آثارًا كثيرةً للتقوى منها: أن من اتقى الله تعالى ينجو من الشدائد ويتيسر له الرزق من جهة لا تخطر له ببال.. قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ..) [الطلاق:2،3] والمعنى يجعل الله للمتقي مخرجًا من الضيق في الدنيا والآخرة، ورزقًا من حيث لا يُقَدِّر ولا ينتظر ولا يشعر به.. أما من لم يتقْ اللهَ فإنه يقع في الآصار والأغلال التي لا يقدر على التخلصِ منها والخروجِ من تبعتها.

ومن آثارها: أنها سبب في تيسير الأمور وتسهيل العسير، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [الطلاق:4]، وتيسير الأمور غاية ما يرجوه الإنسان.. ووالله إنها لنعمة كبرى أن يجعلَ اللهُ الأمورَ ميسرةً لعبدٍ من عباده.. يأخذُ الأمور بيسرٍ في شعوره وتقديره.. وينالها بيسر في حركته وعمله.. ويرضاها بيسر في حصيلتِها ونتيجتِها.. ويعيشُ في يسرٍ رخيٍ نديٍ، حتى يلقى اللهَ..

أيها الإخوة: أما الفيضُ الـمُغري والعرضُ الضخمُ لآثار التقوى؛ فيقول عنه ربُنَا: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) [الطلاق:5] يندفع عنه المحذور، ويحصل له المطلوب.. قال العلماء: وإن وردت هذه الآيات في أمر الطلاق لكن ما فيها من حُكْمٍ هو حُكْمٌ عامٌ ووعدٌ شاملٌ..

ومن آثارها: أنَّ من اتقى الله أصلح الله له عمله وغفر له ذنبه قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70،71]

ومنها: أنه من اتقى الله أحبه الله: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [التوبة:4].. قال الله تعالى ذلك في ثلاثة مواضع من كتابه..

ومنها: أن من اتقى الله فاز بالبشرى في دنياه وأُخراه قال الله سبحانه: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ* لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [يونس:63،64].. ومنها أن من يتقى الله يحفظه من عدوه وينجيه مما يخاف ويقيه، قال الله سبحانه: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران:120].. ومنها أن مَنْ اتقى اللهَ أمده بعونه وأيَّدَه بنصره وجعل له العاقبة، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل:128] وقال: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) [الجاثية:19] وقال: (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) [هود:49].. أسأل الله تعالى أن يرزقنا تقواه في السر والعلن.. وصلى الله وسلم..

الخطبة الثانية:

أيها الإخوة: ومن آثار التقوى: أن من اتقى الله منحه نصيبين من رحمته وجعلَ له نورًا يمشي به راشدًا مهديًا، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الحديد:28] كِفْلَيْنِ أي: نصيبين من الأجرِ لا يَعلَمُ وصفَهما وقدرهما إلا اللهُ تعالى.. أجرٌ على الإيمان، وأجرٌ على التقوى.. أو أجرٌ على امتثالِ الأوامر، وأجرٌ على اجتناب النواهي.. أو أن التثنية المراد بها تكرارُ الإيتاءِ مرةً بعد أخرى.. ويعطيكم كذلك علماً وهدىً ونوراً تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات.. فمن اتقى الله نجاه من النار عند وُرُدِها قال الله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) [مريم:71،72] ومن اتقى الله كانت الجنة مثواه وأكرمه الله وأعلاه: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) [ق:31]. ولما سئل رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- عن أكثرِ ما يُدخلُ الناسُ الجنةَ قَالَ: "أَكْثَرَ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ". رواه أحمد والترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وحسنه الألباني. اللهم اجعل التقوى لنا خير زاد..

 

 

المشاهدات 264 | التعليقات 0