أحكام حضور المساجد 6
الشيخ أحمد بن إبراهيم العبيد
إِنْ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ, وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا, مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ, وَمَنْ يُضَلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَلَّا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه. صلى الله عليه وآله وصحبه ومن سارَ على نهجهِ واقتفى أثره. أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَيُّهَا النَّاسَ ألَا إنَّ النَّجَاةَ والفلاحَ بطاعةِ المولى عزَّ وجلَّ. عبادَ اللهِ ومازلنا وإياكم في أحكامِ حضورِ المساجد. معاشرَ المؤمنين. وَمِنْ آدَابِ الخُرُوجِ إِلَى المَسْجِدِ الَّتِي نُهِيَ المُصَلِّي عَنْهَا,تشبيكُ الأصابعِ. كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِﷺقَالَ«إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ, فَلَا يَفْعَلُ هَكَذَا»وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. أَخْرَجَهُ الدَّارِميُّ وَالحَاكِمُ. وعَنْ أَبي ثُمَامَةَ الْحَنَّاطِ أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أَدْرَكَهُ وَهُوَ يُرِيدُ الْمَسْجِدَ قَالَ فَوَجَدَنِي وَأَنَا مُشَبِّكٌ بِيَدَيَّ فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِﷺقَالَ«إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلاةٍ»أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ. وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ أَبِي دَاوُدَ. لِأَنَّ العامد إِلَى المَسْجِدِ فِي حُكْمِ المُصَلِّي. وَإِذَا أَنْقَضَتِ الصَّلَاةُ فَلَا حَرَجَ مِنْ تَشْبِيكِ الأَصَابِعِ كَمَا أَخْرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّﷺ«شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ بَعْدَ الاِنْتِهَاءِ مِنْ الصَّلَاةِ. وهو في المسجد»عِبّادَ اللهِ وَمِمَّا يُحْسِنُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ المُصَلِّينَ مِنْ يَعْبَثُ بِأَصَابِعِهِ يفرقعها وَهَذَا عَبَثٌ لَا يَلِيقُ بِالمُصَلِّي, وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الخُشُوعِ, إِذْ لَوْ خَشَعَ القَلْبُ لَخَشَعَتْ الجَوَارِحُ وَسَكَنَتْ. فعَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ«صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَفَقَعْتُ أَصَابِعِي، فَلَمَّا قَضَيْتُ الصَّلَاةَ، قَالَ لَا أُمَّ لَكَ تَفْقِعُ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ»رَوْاهُ اِبْنَ أَبِي شِيْبَة فِي مُصَنَّفِهِ. عِبَادَ اللهِ يَقُولُ الفُقَهَاءُ الصَّبِيُّ هُوَ مَنْ جَاوَزَ السَّابِعَةَ مِنْ عُمْرِهِ. ولم يصِلْ لِلبُلُوغْ. فَيُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ لِحَدِيثٍ سَبْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ«عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ»أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ وَالتَّرْمِذِي. وَقَالَ حَدِيثَ حُسْنٍ صَحِيحٍ, وَقَدْ دَلَّ هَذَا الحَدِيثُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ. الأُولَى أَنَّ وَلِيَّ الصَّبِيِّ. مِنْ أبٍ أَوْ جَدٍّ أَوْ أَخٍ أَوْ وَصِيٍّ. أَوْ غَيْرِهِمْ. مُكَلَّفٌ مِنْ قَبْلِ الشَّرَعِ. بِأَنْ يَأْمُرَ الصَّغِيرَ بِالصَّلَاةِ. ذَكَرًا كَانَ أَمْ أُنْثَى, وَتَعْلِيمُهُ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ مِنْ الشُّرُوطِ وَالأَرْكَانِ, وَذَلِكَ إِذَا أَكْمَلُ سَبْعِ سِنِينَ; لِأَنَّ التَّمْيِيزَ يَحْصُلُ بَعْدَهَا غَالِبًا. وَكَثِيرٌ مِنْ الأَوْلِيَاءِ قَدْ تَسَاهَلَ فِي هَذَا الأَمْرِ العَظِيمَ, وَلَا سِيَّمَا مَعَ البَنَاتِ. وَأَمْرُ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ وَإِنْ كَانَ أَمْرَ تَدْرِيبٍ لَا أَمَرَ إِيجَابٌ, لَكِنْ لَهُ فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ, وَالشَّارِعُ الحَكِيمُ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِمَا فِيهُ مَصْلَحَةً. المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إِنَّ الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى الإِذْنِ لِلصِّبْيَانِ بِدُخُولِ المَسَاجِدِ; لِأَنَّهَا أَمَاكِنُ أَدَاءِ الصَّلَاةِ. وَعَلَى وَلِيِّ الصَّغِيرِ أَنْ يُعَوِّدَهُ الذَّهَابَ عَلَى المَسْجِدِ وَحُضُورَ الجَمَاعَةِ, فَيَأْخُذَهُ مَعَهُ, وَيَجْعَلَهُ بِجَانِبِهِ, لِيَنْشَأَ عَلَى حُبِّ العِبَادَةِ وَالتَّعَلُّقِ بِالمَسْجِدِ, فَيُسَهُلُ عَلَيْهِ الأَمَرُ بَعْدَ البُلُوغِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الصَّبِيُّ غَيْرَ مُمَيِّزٍ, فَقَدْ وَرَدَ فِي نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ دُخُولِهِ المَسْجِدِ, بَلْ وَحَمْلِهِ فِي الفَرِيضَةِ. وَهِيَ نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ, رَوَاهَا عَدَدٌ مِنْ الصحابةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ بِأَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوى أَبُو قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِﷺ»أخرجه البخاري ومسلم. وَعَلَى ذَلِكَ«فَإِنَّ ثِيَابَ الأَطْفَالِ وَأَبْدَانَهُمْ طَاهِرَةٌ مَا لَمْ تُعْلَّمَ نَجَاسَتُهَا»ذَكَرَهُ الخطابي فِي مَعَالِمَ السُّنَنَ. وَعَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُمْ مِنْ المَسَاجِدِ لِمُجَرَّدِ اِحْتِمَالِ تَنْجِيسِهِمْ لَهَا. وَمِنْ الأَدِلَّةِ أَيْضًا مَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ«أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِﷺفِي العِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ قَدْ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ»الحَدِيثَ أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. وَالمَعْنَى أَخَّرَ صَلَاةَ العَشَاءِ إِلَى العَتَمَةِ, وَهِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ بَعْدُ مَغَيْبِ الشَّفَقُ, وَقَدْ بُوَّبَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ الله عَلَى هَذَا الحَدِيثِ بِقَولِهِ بِأبُ وُضُوءِ الصِّبْيَانِ. إِلَى قَوْلِهِ وَحُضُورُهِمْ الجَمَاعَةِ وَالعِيدَيْنِ وَالجَنَائِزِ وَصُفُوفِهِمْ. ذَكَرَهُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الفَتْح. قَالَ الشَّيْخُ عَبْد الله الفَوْزَانِ حَفِظَهُ الله فِي أَحْكَامِ حُضُورِ المَسَاجِدِ«وَأَمَّا مَنْعُ الصِّبْيَانِ مِنْ دُخُولِ المَسَاجِدِ بِحُجَّةِ التَّشْوِيشِ عَلَى المُصَلِّينَ بِمَا يَحْدُثُ مِنْهُمْ مِنْ بُكَاءٍ أَوْ صُرَاخٍ أَوْ لَعِبٍ, فَهَذَا مَرْدُودٌ; لِأَنَّ الصَّبِيَّ إِنَّ كَانَ مُمَيِّزًا أَمْكَنَ تَأْدِيبُهُ وَتَعْلِيمُهُ السُّلُوكَ الطَّيِّبَ وَالأَخْلَاقَ الحَمِيدَةَ, لَا سِيَّمَا فِي بُيُوتِ اللهِ. فَيَتَعَلَّمُ الإِنْصَاتَ, وَحُسْنَ الاِسْتِمَاعِ, وَالهُدُوءَ; لِأَنَّ مَا يَسْمَعُ مِنْ هَؤُلَاءِ المُمَيِّزَيْنَ مِنْ الأَلْفَاظِ السَّيِّئَةِ, وَالعِبَارَاتِ البَذِيئَةِ, وَالحَرَكَاتِ الَّتِي لَا تُنَاسِبُ المَسْجِدَ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ إِهْمَالِ الأَوْلِيَاءِ, وَعَدَمِ العِنَايَةِ بِهَذِهِ النَّاشِئَةِ»وَقَالَ كَذَلِكَ حَفِظَهُ الله«وَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ تَرْكُ الصِّغَارِ فِي الصَّفِّ مُتَجَاوِرِينَ فَيَحْصُلُ مِنْهُمْ اللَّعِبُ وَالحَرَكَاتُ الَّتِي تُشَوِّشُ عَلَى المُصَلِّينَ عُمُومًا وَعَلَى مَنْ يُجَاوِرُهُمْ خُصُوصًا. أَمَّا إِذَا فُرِّقَ بَيْنَهِمْ, أَوْ صَلَّى صَبِّيٌ بِجَانِبِ وَلِيَةِ فَإِنَّهُ يَزُولُ هَذَا المحذور. وَهَذَا هُوَ الوَاجِبُ عَلَى الأَوْلِيَاءِ وَجَمَاعَةِ المَسْجِدِ الَّذِينَ يَكْثُرُ الصِّبْيَانُ فِيهِمْ, وَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَشَأْنَهُمْ صَارُوا مَصْدَرَ إِزْعَاجٍ. وَقَدْ يَصْعُبُ عِلَاجُ الأَمْرِ إِنْ لَمْ يُتَدَارَكْ مِنْ أَوَّلِهِ. وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ وَمَلْحُوظٌ»إِلَى آخَرَ مَا قَالَ حَفِظَهُ الله. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَاِسْتَغْفَرُ اللهُ لِي وَلَكُمْ. فَاِسْتَغْفَرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالمينَ الأَوَّلِينَ وَالآخَرِينَ. أَنَارَ الدَّرْبَ للسالكين. وَهَدَى مَنْ شَاءَ لِصِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ. وجَعَلَ دارَ كَرَامَتِهِ لِلعَامِلِين. وَصَلَاةُ رَبِّى وَسَلَامُةُ عَلَى خَيْرِ عِبَادَةِ أَجْمَعَيْنَ وَبَعْدُ. عباد الله وَإِذَا تَقَدَّمَ الصِّبْيَانُ وَلَا سِيَّمَا المُمَيِّزُونَ إِلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ أَوْ كَانُوا وَرَاءَ الإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِبْعَادُهُمْ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ قَوْلَي أَهْلِ العِلْمِ لَمَا يَلِي. أَوَّلًا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ«نَهَىﷺأَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ قُلْتُ لِنَافِعٍ الْجُمُعَةَ. قَالَ الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا»أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. فَهَذَا نَهْيٌ صَرِيحٌ فِي إِقَامَةِ الرَّجُلِ أَخَاهُ مِنْ مَكَانِهِ ثُمَّ يَجْلِسَ فِيهُ, وَالصَّبِيُّ المُمَيِّزُ دَاخِلٌ فِي هَذَا الحُكْمِ. ثَانِيًا«أَنَّ إِبْقَاءَهُمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ فِيهُ تَرْغِيبٌ لِهُمْ فِي الصَّلَاةِ, واعتيادُ المَسْجِد. أَمَّا طَرْدُهُمْ وَإِبْعَادُهُمْ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضٌ مِنْ النَّاسِ. فَهَذَا فِيهُ محاذيرُ عَدِيدَةٍ مِنْهَا. أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ, فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ تَأْخِيرُ الصِّبْيَانِ أَمْرًا مَشْهُورًا لَاسْتَمَرَّ العَمَلُ عَلَيْهِ, كَتَأْخِيرِ النِّسَاءِ. وَلِنُقِلَ كَمَا نُقِلَتْ الأُمُورُ المَشْهُورَةُ نَقْلًا لَا يَحْتَمَلُ الاِخْتِلَافَ»ذَكَرَهُ اِبْنُ قَاسَمٍ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الرَّوْضِ المُرْبِعُ. وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ«أَنَّ بَعْضَ السَّلْفِ أَخَّرَ الصَّبِيَّ فَهُوَ إِمَّا رَأْيُ صَحَابِيٍّ, أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى صَبِّيٍّ لَا يَعْقِلُ الصَّلَاةَ, وَيَعْبَثُ فِيهَا»ذَكَرَهُ اِبْنُ المُلقِّن فِي الإِعْلَامِ بِفَوَائِدِ عُمْدَةِ الأَحْكَامِ. وَابْنُ مُفْلحٍ فِي الفُرُوعِ. وَمِنْ المحاذيرِ كَذَلِكَ«أَنْ طَرَدَ الصَّبِيِّ مِنْ الصَّفِّ الأَوَّلِ يُؤَدِّي إِلَى كَسْرِ قَلْبِهِ, وَتَنْفِيرِهِ مِنْ الصَّلَاةِ, وَبُغْضِهِ المَسْجِد. وَالشَّارِعُ الحَكِيمُ يَحْرِصُ عَلَى تَرْغِيبِهِمْ فِي الصَّلَاةِ وَحُضُورِ المَسْجِدَ. وَمِنْ المحاذيرِ كَذَلِكَ. أَنَّ هَذَا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى اِجْتِمَاعِ الصِّبْيَانِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ مُتَأَخِّرٍ مِنْ المَسْجِدِ, وَهُوَ سَبَبٌ فِي عَبَثِهِمْ وَتَشْوِيشِهِمْ. وَمِنْ المحاذيرِ كَذَلِكَ. أَنَّ هَذَا الصَّبِيُّ يَكْرَهُ الرَّجُلَ الَّذِي أَقَامَهُ مِنْ مَكَانِهِ وَيَحْقِدُ عَلَيْهِ, وَيَدُومُ عَلَى ذِكْرِهِ بِسُوءٍ; لِأَنَّ الصَّغِيرَ عَادَةً لَا يَنْسَى مَا فُعِلَ بِهِ» ذَكَرَهُ اِبْنُ عثيمينٍ رَحِمَهُ الله فِي المُمْتِعِ. وَقَدْ يَحْتَجُّ مِنْ يَرَى إِبْعَادَ الصِّبْيَانَ عَنْ المَسَاجِدِ بِحَدِيثٍ «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ»وَهَذَا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا يُحْتَجُّ بِهِ, كَمَا قَالَهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ. وَذَكَرَ الذَّهَبِيُّ تضعيفَهُ فِي المِيزَانِ. عَنْ النَّسَائِيِّ وَأَبِي حَاتِمٍ وَاِبْنِ مَعَينٍ. وَالحَدِيثُ لَهُ شَوَاهِدُ لَا يَصِحُ مِنْهَا شَيْءٌ. كَمَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ لِأَحَادِيثِ الهِدَايَةِ للزيلعي. أَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. عِنْدَ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. مَنْ قَوْلِهِﷺ«لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»فَهَذَا لَا يُفِيدُ تَأْخِيرَ الصِّغَارِ عَنْ أَمَاكِنِهِمْ, وَإِنَّمَا هُوَ حَثٌّ لِأَوَّلِي الأَحْلَامِ والنُّهَى. وَهَمَ أَصْحَابُ العُقُولِ عَلَى التَّقَدُّمِ لِيَكُونُوا وَرَاءَ الإِمَامِ, لِتَنْبِيهِهِ عَلَى سَهْوٍ إِنْ طَرَأَ, أَوْ استخلافِ أَحَدِهِمْ إِنْ أَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ المُرَادُ النَّهْيُ عَنْ تَقَدُّمِ الصِّبْيَانَ لَقَالَ. لَا يَلِنِيْ إِلَّا أَوَّلُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَيِ»ذَكَرَهُ اِبْنُ عثيمينٍ رَحِمَهُ الله فِي المُمْتِعِ. وَابْنُ العَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ القُرْآنِ. عِبَاد اللهِ وَتَجُوزُ مُصَافَةُ الصَّبِيِّ, وَذَلِكَ بِأَنْ يَقِفَ مَعَهُ رَجُلٌ بَالِغٌ فِي صَفٍّ وَاحِدٍ, أَوْ يُصَلِّي بَالِغٌ بِعَدَدٍ مِنْ الصِّبْيَانِ, فَيَكُونُونَ صفًا. وَهَذَا عَلَى الرَّاجِحِ مَنْ قُولِ أَهْلِ العِلْمِ, وَهُوَ قُولُ الجُمْهُورَ. لِوُرُودِ أَدِلَّةٍ صَحِيحَةٍ صَرِيحَةٍ تُفِيدُ ذَلِكَ; وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ«أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِﷺلِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ فَقَالَ قُومُوا فَلأُصَلِّيَ بِكُمْ. فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِثَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِﷺ وَالْيَتِيمُ مَعِي وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ»أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. فَهَذَا الحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مصافَّةِ الصَّبِيِّ البَالِغِ; لِأَنَّ هَذَا اليَتِيمَ صَفَّ مَعَ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خَلْفَ النَّبِيِّﷺوَاليَتِيمُ مِنْ مَات أَبَوْهُ وَلَمْ يَبْلُغْ. وللحديث عن أحكام حضور المساجد بقية تأتي تباعاً بإذن الله تعالى. اللهم احفظ علينا ولي أمرنا. واهده للبر والتقوى. وقنا والمسلمين شرور الأعداء. وانصر المرابطين في سبيلك الذائدين عن حماك في بلادنا وسائر بلاد المسلمين. اللهم احفظ علينا ديننا. ويسِّر أمورنا. واغفر ذنوبنا. واكفِنا ما أهمَّنا. وأصلح بيوتنا. واقضِ عنَّا ديوننا. يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الرحمين. اللَّهمَّ أنتَ اللَّهُ، لا إلَهَ إلَّا أنتَ الغَنيُّ ونحنُ الفقراءُ، أنزِل علَينا الغيثَ، ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا. اللهم اسقِ عبادك وبهائمك. اللهم أغثنا غيثًا مغيثًا. صيبًا نافعًا. هنيئًا مريئًا، يا ذا الجلالِ والإكرام. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، عباد الله﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم. واشكروه على نعمه يزدكم﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.