أسباب انشراح الصدور

أحمد بن علي الغامدي
1447/10/07 - 2026/03/26 17:22PM

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَنَافَسُ فِيهِ الْمُتَنَافِسُونَ، وَيَسْعَى إِلَيْهِ السَّاعُونَ: صَفَاءُ الْقُلُوبِ، وَسَعَةُ الصُّدُورِ، وَانْشِرَاحُهَا بِنُورِ الْإِيمَانِ، فَبِهِ تَطِيبُ الْحَيَاةُ، وَتَسْكُنُ النُّفُوسُ، وَتَنْدَفِعُ الْهُمُومُ وَالْغُمُومُ، وَبِفَقْدِهِ تَضِيقُ الصُّدُورُ، وَتَظْلِمُ الْقُلُوبُ، وَتَتَعَسَّرُ الْأُمُورُ.

عباد الله :إِنَّ انْشِرَاحَ الصَّدْرِ مَطْلَبٌ عَظِيمٌ وَمَقْصَدٌ جَلِيلٌ، إِذَا مَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى به عَلَى عَبْدِهِ ،يَسَّرَ لَهُ أَمْرَهُ،وصار ذلك مَعُونَةً لَهُ على تحقيقِ مَصَالحِه الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّة، وعَلَى تَحْقِيقِ غَايَاتِهِ وَنَيْلِ مَقَاصِدِهِ وَأَهْدَافِهِ.

وَلِهَذَا -عِبَادَ اللَّهِ- لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالذَّهَابِ إِلَى الطَّاغِيَةِ فِرْعَوْنَ لِدَعْوَتِهِ وَتَحْذِيرِهِ مِنْ مَغَبَّةِ طُغْيَانِهِ، تَوَجَّهَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى اللَّهِ داعيا بقوله : ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾.وَقد قال اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُمتَنًّا عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَمُصْطَفَاهُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، أَيْ: قد نَوَّرْنَا لك صدرَك، وَجَعَلْنَاهُ فَسِيحًا رَحِيبًا وَاسِعًا.

عِبَادَ اللَّهِ: إن هَذَا الْمَطْلَبَ الْعَظِيمَ  يَحْتَاجُ مِنَ الْعَبْدِ إِلَى أَسْبَابٍ لَابُدَّ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ عَلَى بَذْلِهَا وَتَحْقِيقِهَا لِيَنَالَ هَذِهِ الْخَصْلَةَ الْكَرِيمَةَ.

فمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ :تَوْحِيدُ اللَّهِ وَإِخْلَاصُ الدِّينِ لَهُ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَالْبُعْدُ عَنْهُ؛ دَقِيقِهِ وَجَلِيلِهِ، كَبِيرِهِ وَصَغِيرِهِ؛ فَإِنَّ التَّوْحِيدَ أَعْظَمُ سَبَبٍ لِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ، وَضِدُّهُ وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالتَّعَلُّقُ بِغَيْرِهِ: أَعْظَمُ سَبَبٍ لِظُلْمَةِ الصَّدْرِ وَكَآبَتِهِ وَضِيقِهِ وَعَذَابِهِ.

  وَمِنْ أَسْبَابِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ :اتِّبَاعُ سُنَّةِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلُزُومُ نَهْجِهِ الْقَوِيمِ، وَالِتأسي بِهَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كَيْفَ لَا، وَهُوَ اتِّبَاعٌ لِأَشْرَحِ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَطْيَبِهِمْ خُلُقًا، وَأَجْمَلِهِمْ سِيرَةً، وَأَزْكَاهُمْ سَرِيرَةً.فَإِنَّ مَنْ اتَّبَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَالَ بِهَذَا الِاتِّبَاعِ انْشِرَاحًا فِي الصَّدْرِ، وَطُمَأْنِينَةً فِي الْقَلْبِ، وَصَلَاحًا فِي الْحَالِ والمآل.

وَمِنْ أَسْبَابِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ : الْإِنَابَةُ إِلَى اللَّهِ، وَحُسْنُ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، ؛ فَإِنَّ الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ رَاحَةُ الْقُلُوبِ، وَأُنْسُ النُّفُوسِ، وَقُرَّةُ الْعُيُونِ، وَسَعَادَةُ الصُّدُورِ. قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «يَا بِلَالُ أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ»، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ».

وَمِنْ أَسْبَابِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ: دَوَامُ ذِكْرِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا بالأذكارِ الثابتةِ وبالاستغفارِ ، وبالصلاةِ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم،  فَإِنَّ الذكرَ، طُمَأْنِينَةٌ للْقُلُوبِ وَرَاحَةٌ الصُّدُورِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

وَمِنْ أَسْبَابِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ: الْإِحْسَانُ إِلَى عِبَادِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ مُحْسِنًا لِعِبَادِ اللَّهِ جَازَاهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِشَرْحِ صَدْرِهِ، وَتَيْسِيرِ أَمْرِهِ، وَحُسْنِ عَاقِبَتِهِ وَمَآلِهِ، فإنّ الجزاءَ من جنس العمل.

وَمِنْ أَسْبَابِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ: أَنْ يَصْبِّرَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ عَلَى مَا قَدْ يُلَاقِيهِ مِنْ مَتَاعِبِ وَمَصَاعِبِ الْحَيَاةِ، وَمَا قَدْ يُلَاقِيهِ مِنْ أَذَى النَّاسِ؛ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ هُوَ جَزُوعٌ ، فيَجْزَعُ عِنْدَ أَدْنَى مَصَاعِبَ وَمَتَاعِبَ تُلَاقِيهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، أَوْ يَجْزَعُ عِنْدَمَا يَنَالُهُ أَذًى مِنْ بَعْضِ النَّاسِ، فَيَنْبَغِي للمسلمِ أن يَرْفَعَ مُسْتَوَى الصَّبْرِ عِنْدَهُ ، فَإِنَّهُ إِذَا رُزِقَ الصَّبْرَ فَقَدْ رُزِقَ خَيْرًا عَظِيمًا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا، وَلَا أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

وَمِنْ أَسْبَابِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ: أَنْ يَحْرِصَ الْمُسْلِمُ عَلَى أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِالْأَدْعِيَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي السُّنَّةِ، وَالَّتِي فِيهَا طَلَبُ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ، وَذَهَابِ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ، وَمِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ: مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَخْدِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ مِنْ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَغَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ».

ومِنْ أَسْبَابِ انْشَراحِ الصَّدْرِ: الإِعْرَاضُ عن الْوَسَاوِسِ والْخَطَرَاتِ، فَإنّ الشَّيْطَانَ مُسَلَّطٌ على ابْنِ آَدَمَ؛ لِيُغْوِيَهُ وَيُحْزِنَهُ، ويُفْسِدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ، إمَّا بالشَّهَوَاتِ، أو الشُّبُهَاتِ، أو الْوَسَاوِسِ والْخَطَرَاتِ، ومَتَى اسْتَسْلَمَ الْعَبْدُ للْوَسَاوِس، ووَقَعَ في الشُّكُوكِ، ضَاقَ صَدْرُهُ، ولازَمَ الْهَمُّ قَلْبَهُ، وتَشَكَّكَ فِيمَنْ حَوْلَهُ، أَمَّا المسْلِمُ الْفَطِن فَإِنَّهُ يُحْكِمُ إِغْلاقَ هَذِهِ المدَاخِلِ، بِطَرْدِ الأَفْكَارِ السَّلْبِيَّةِ، والإِعْرَاضِ عن الْخَوَاطِرِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي لا تَبْعَثُ عَلَى خَيْرٍ، وَتُورِثُ الْقَلْبَ الْحُزْنَ والشَّرَّ. مع حرصِه على كثرةِ الاستعاذةِ من شرِ النفسِ ، ومن شياطينِ الإنسِ والجنِ.

عباد الله : أقول هذ القول ....

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ مِنْ أَسْبَابِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ -عِبَادَ اللَّهِ- بَلْ مِنْ أَعْظَمِهَا: طَهَارَةُ الْقَلْبِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ، كَالْحَسَدِ وَالْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ الذَّمِيمَةَ وَالْأَدْوَاءَ الْمُشِينَةَ إِذَا دَخَلَتْ إِلَى الْقُلُوبِ أَعْطَبَتْهَا، وَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى الصُّدُورِ أَظْلَمَتْهَا، وَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا ضِيقُ صَدْرِ صَاحِبِهَا، وَكَآبَةُ حَالِهِ، وَسُوءُ عَاقِبَتِهِ وَمَآلِهِ.

فَالْعَبْدُ إِذَا أَتَى بِالْأَسْبَابِ الَّتِي تَشْرَحُ صَدْرَهُ، وَلَمْ يُخْرِجْ تِلْكَ الْأَوْصَافَ الْمَذْمُومَةَ مِنْ قَلْبِهِ، لَمْ يَحْظَ مِنْ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ بِطَائِلٍ، وَغَايَتُهُ أَنْ تَكُونَ لَهُ مَادَّتَانِ تَعْتَوِرَانِ عَلَى قَلْبِهِ، وَهُوَ لِلْمَادَّةِ الْغَالِبَةِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.

 

عِبَادَ اللهِ: اعْلَمُوا أنَّ السَّلامَ النَّفْسِيَّ، والأَمْنَ الدَّاخِلِيَّ، والنُّورَ الْقَلْبِيَّ، هِبَاتٌ منَ اللهِ عزَّ وجلَّ، تُكْتَسَبُ بِطَاعَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، والإِقْبَالِ على ذِكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ، ولا سَبِيلَ لَهَا إلا ذَلِكَ،

وَالمغْبُونُ مَنْ تَلَمَّسَ سِعَةَ الصَّدْرِ في السَّفَرِ لِلْبلدَانِ، أو السَّمَرِ معَ الأَقْرَانِ، بينَمَا هُوَ نَائِمٌ عَنْ صَلاةِ الْفَجْرِ، مُعْرِضٌ عنْ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ، غَافِلٌ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ، فَأَنَّى لَهُ بِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ وَرَاحَةِ الْبَالِ؟

أسأل الله -عز وجل- أن يشرح صدورَنا أجمعين، وأن ييسِّرَ أمورنا، وأن يحمِّدَ لنا العواقب، وأن يصلحَ لنا شأننَا كله، وأن لا يكلَنا إلى أنفسنا طرفةَ عين؛ إنه -تبارك وتعالى- سميع الدعاء، وهو أهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

عباد الله : صلو وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه...

المرفقات

1774534921_أسباب انشراح الصدر.docm

المشاهدات 634 | التعليقات 0