أشهد أن محمدًا رسولُ اللّه
الشيخ د طلال بن فواز الحسان
الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ الذي أرسلَ رسولَه بالهُدى ودينِ الحقِّ ليُظهِرَه على الدينِ كلِّهِ، وكفى باللهِ شهيدًا، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا مزيدًا.
أمَّا بعدُ: فاتَّقوا اللهَ عبادَ اللهِ، فهي وصيَّةُ اللهِ للأوَّلينَ والآخِرينَ، ﴿وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾.
أيُّها المسلمونَ: إنَّ أصلَ دينِ الإسلامِ مبنيٌّ على الشهادتَيْنِ: الشهادةِ للهِ بالتوحيدِ، والشهادةِ لنبيِّهِ ﷺ بالرسالةِ، لا تنفعُ إحداهما دونَ الأُخرى، قالَ الله: ﴿فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَا﴾.
ولنا هاهنا وقفةٌ مع ركنِ الشهادةِ الثاني، الشهادةِ لنبيِّهِ ﷺ بالرسالةِ: أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ.
فهل تفكَّرنا يومًا، ونحنُ ننطقُ بهذهِ الشهادةِ العظيمةِ، ما معنى أنْ نشهدَ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ؟ وما حدودُ هذهِ الشهادةِ؟ وما ثمراتُها؟ وما الذي يلزمُ العبدَ حينَ ينطقُ بها؟
نعم، إنَّ شهادةَ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ ليست لفظًا يُقالُ، بل حقيقةٌ تُعاشُ، ودينٌ يُدانُ به للهِ، وسلوكٌ يُترجِمُ صدقَ الانقيادِ لرسولِ اللهِ ﷺ والاسترسالَ التامَّ معه. فمن صدقَ فيها استقامَ على هديِ نبيِّهِ ﷺ، ومن فرَّطَ فيها فهو مُفرِّطٌ في أصلِ الاتِّباعِ. ولا يكونُ العبدُ صادقًا في شهادتِهِ لنبيِّهِ ﷺ بالرسالةِ إلَّا باتِّباعِهِ والانقيادِ له، فقد جعلَ اللهُ طاعةَ رسولِهِ ﷺ من طاعتِهِ، فقالَ سبحانهُ: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَ﴾. فاللهُ سبحانهُ ما خلقَ الخلقَ عبثًا، ولا أوجدَهُم سُدًى، بل خلقَهُم لعبادتِهِ، وأرسلَ إليهم هذا النبيَّ الكريمَ ﷺ ليأخذَ بأيديهم من ظلماتِ الحيرةِ إلى نورِ الهدايةِ، ويُعرِّفَهُم بغايةِ وجودِهِم، ويدلَّهُم على سبيلِ ربِّهِم؛ فجعلَ طريقَه هو الصراطَ المستقيمَ، الذي به تُنالُ السعادةُ، وتُدرَكُ الغايةُ، ويُفازُ برضوانِ اللهِ في الدنيا والآخرةِ. ولمَّا كانت حاجةُ الخلقِ إلى هذا البيانِ أعظمَ الحاجاتِ، ومنَّةُ اللهِ به أجلَّ المننِ، امتنَّ سبحانهُ على عبادِهِ ببعثتِهِ ﷺ، فقالَ سبحانه: ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولًا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُوا۟ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين﴾. قالَ ابنُ تيميَّةَ: "مَنِ استقرأَ أحوالَ العالمِ تبيَّنَ له أنَّه لم يُنعِمْ على أهلِ الأرضِ نعمةً أعظمَ من إنعامِهِ بإرسالِهِ ﷺ".
أيُّها المؤمنونَ: ضربتِ الملائكةُ مثلًا عجيبًا، يكشفُ حقيقةَ هذهِ الشهادةِ، ويُجلِّي معناها في صورةٍ تهزُّ القلوبَ؛ فقد جاءتْه الملائكةُ، فقالوا عنه ﷺ: «مثلُه كمثلِ رجلٍ بنى دارًا، وجعلَ فيها مأدبةً، ثمَّ بعثَ داعيًا؛ فمن أجابَ الداعي دخلَ الدارَ، وأكلَ من المأدبةِ، ومن لم يُجِبْ لم يدخلْ ولم يأكلْ».
ثمَّ قالوا: «فالدارُ الجنَّةُ، والداعي محمدٌ، فمن أطاعَ محمدًا فقد أطاعَ اللهَ، ومن عصى محمدًا فقد عصى اللهَ». ففي هذا المثلِ يتجلَّى معنى: أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، أنْ تُجيبَ داعيَه، وتُطيعَ أمرَه، وتسيرَ على نهجِهِ، لا تتقدَّمَ عليه، ولا تُعرِضَ عن هديِهِ؛ فمن أجابَ فقد فازَ، ومن أعرضَ فما ظلمَ إلَّا نفسَه. ولمَّا كانت بعثةُ النبيِّ ﷺ بهذهِ المنزلةِ العظيمةِ، لم يتركِ اللهُ عبادَه همَلًا في شأنِها، بل ألزمَهُم حقَّها، وربطَ فلاحَهُم بها، قالَ اللهُ: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾، وجعلَ اتِّباعَه سبيلَ رضوانِهِ، قالَ اللهُ: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾، وجعلَ السيرَ على هديِهِ طريقَ النجاةِ، قالَ اللهُ: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُوا۟﴾، وبطاعتِهِ ﷺ تُنالُ الرحمةُ: ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾، وحذَّرَ أشدَّ الحذرِ من مخالفتِهِ، قالَ تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُوا۟﴾، وقالَ سبحانهُ: ﴿وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلالًا مُّبِينًا﴾.
فأمرُه سبحانهُ بطاعةِ رسولِهِ ﷺ ليس أمرًا عارضًا، بل هو أصلٌ جامعٌ، يقتضي الأخذَ بكلِّ ما جاءَ به، والانقيادَ لكلِّ ما دعا إليه؛ فسنَّتُه هُدًى، وأقوالُه وأفعالُه حجَّةٌ شرعيَّةٌ، وسيرتُه دينٌ يُتديَّنُ به، لا يُتجاوَزُ ولا يُستدرَكُ عليه. والخلقُ في قبورِهِم عنه مسؤولونَ، وبه ممتحنونَ؛ كما جاءَ في الخبرِ أنَّ الملكَيْنِ يسألانِ العبدَ في قبرِهِ: «ما هذا الرجلُ الذي بُعثَ فيكم؟» وفي روايةٍ: «ما علمُكَ بهذا الرجلِ؟».
وتتجلَّى ثمرةُ هذا الاتِّباعِ، ويُشرقُ وعدُ اللهِ لأهلِ الطاعةِ لهذا النبيِّ الكريمِ يومَ القيامةِ، إذ يرفعُهُم إلى أكرمِ المنازلِ، ويُلحقُهُم بخيارِ الخلقِ وصفوتِهِم، قالَ تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقا * ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيما﴾.
فيا لها من منزلةٍ! ويا له من فضلٍ! أنْ يكونَ العبدُ في زمرةِ الأطهارِ، ورِفقةِ الأخيارِ، لا ينالُ ذلكَ إلَّا مَن صدقَ في اتِّباعِ النبيِّ ﷺ، وحقَّقَ شهادةَ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ قولًا وعملًا واعتقادًا.
فيجبُ الإيمانُ بشريعتِهِ ﷺ، والانقيادُ لها قولًا وعملًا واعتقادًا؛ إذ لا يتحقَّقُ إيمانُ العبدِ به إلَّا بطاعتِهِ، قالَ تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَ﴾. وقد تكرَّرَ الأمرُ بطاعتِهِ في أكثرَ من ثلاثينَ موضعًا في القرآنِ، وقرنَ اللهُ طاعتَه بطاعتِهِ، كما قرنَ مخالفتَه بمخالفتِهِ؛ فمن أطاعَه فازَ، قالَ تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾. أرسلَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ، فعمَّ النفعُ برسالتِهِ، واختُصَّ المؤمنونَ برحمتِهِ، قالَ سبحانهُ: ﴿وَرَحمةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ﴾. فما تركَ خيرًا إلَّا دلَّ الأُمَّةَ عليه، ولا شرًّا إلَّا حذَّرَها منه، فقد قالَ ﷺ: «ما يكنْ عندي من خيرٍ فلن أدَّخرَه عنكم»، والهدايةُ كلُّ الهدايةِ في طاعتِهِ: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُوا۟﴾. ولا غِنى للخلقِ عن الإيمانِ به وطاعتِهِ في كلِّ حالٍ؛ قالَ شيخُ الإسلامِ رحمهُ اللهُ: "هم أحوجُ إلى ذلكَ من الطعامِ والشرابِ، بل من النَّفَسِ". بالنبيِّ ﷺ زكَّانا اللهُ، وعلَّمنا ما لم نكنْ نعلمُ، قالَ عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّۧنَ رسولًا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُوا۟ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبۡلُ لَفِي ضلالٍ مُّبِين﴾. فجاءَ ﷺ بخيرِ الدنيا والآخرةِ، ولم يَدَعْ للناسِ حاجةً إلى غيرِ هديِهِ، فكلُّ ما جاءَ به حقٌّ يجبُ اتِّباعُه، وكلُّ ما نهى عنه يجبُ اجتنابُه، قالَ تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُوا۟﴾.
ولا يبلغُ العبدُ حقيقةَ الإيمانِ حتى يملأَ اليقينُ قلبَه، فيُصدِّقَ النبيَّ ﷺ في كلِّ ما جاءَ به، تصديقًا لا يُخالطُه ريبٌ، ويُذعنَ لأمرِهِ إذعانًا لا يعترضُه تردُّدٌ، ولا يجدَ في نفسِهِ حرجًا من خبرِهِ ولا حكمِهِ؛ قالَ سبحانهُ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾. بل لا يصحُّ إيمانُ عبدٍ حتى يُحكِّمَ شريعتَهُ ﷺ في دقيقِ الأمرِ وجليلِهِ، مع انشراحِ الصدرِ بحكمِهِ، والتسليمِ التامِّ لقضائِهِ؛ قالَ تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرجًا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تسليمًا﴾.
أيُّها المسلمونَ، ألا وإنَّ من أصولِ شهادةِ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ: اعتقادَ عمومِ رسالتِهِ للإنسِ والجنِّ، ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كافةً لِّلنَّاسِ بشيرًا ونذيرًا﴾، وختمَها للرسالاتِ، قالَ اللهُ: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أحدٍ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّۧنَ﴾. فمن نواقضِ هذهِ الشهادةِ أنْ يُعتقَدَ أنَّ لأحدٍ سبيلًا للخروجِ عن شريعتِهِ. وأهلُ الكتابِ وسائرُ الأُممِ مأمورونَ بالإيمانِ به واتِّباعِهِ؛ قالَ ﷺ: «والذي نفسي بيدِهِ، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذهِ الأُمَّةِ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثمَّ يموتُ ولم يؤمنْ بالذي أُرسلتُ به، إلَّا كانَ من أصحابِ النارِ». فمن لم يؤمنْ به ويتبعْه فقد توعَّدَهُ اللهُ بالنارِ؛ قالَ تعالى: ﴿وَمَن لَّمۡ يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سعيرًا﴾.
باركَ اللهُ لنا جميعًا في القرآنِ والسنَّةِ، ونفعَنا بما فيهما من النورِ والحكمةِ، أقولُ ما سمعتم، وأستغفرُ اللهَ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ وحدَهُ، والصلاةُ والسلامُ على مَن لا نبيَّ بعدَهُ.
أمَّا بعدُ: فيا أيُّها المسلمونَ: إنَّ شهادةَ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ ليست لفظًا يُردَّدُ، بل حقيقةٌ تُقَرُّ في القلبِ، ويُصدِّقُها اللسانُ، ويشهدُ بها العملُ؛ فهي إقرارٌ بأنَّ محمدًا ﷺ مرسلٌ من ربِّهِ إلى الخلقِ كافَّةً، فهي إقرارٌ له بالرسالةِ، وبهذا الإقرارِ يقومُ الدينُ ويستقيمُ السبيلُ. وحقيقةُ هذهِ الشهادةِ ومقتضاها: طاعتُهُ ﷺ فيما أمرَ، وتصديقُهُ فيما أخبرَ، واجتنابُ ما نهى عنه وزجرَ، وأنْ لا يُعبدَ اللهُ إلَّا بما شرعَ.
ألا وإنَّ أعظمَ خصالِ التقوى وأصلَها: إفرادُ اللهِ بالعبادةِ، وإفرادُ الرسولِ ﷺ بالمتابعةِ؛ قالَ تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُوا۟﴾. ففي اتِّباعِهِ ﷺ حياةُ القلوبِ وسعادةُ الأرواحِ؛ قالَ تعالى: ﴿يَٰا ٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسۡتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡ﴾، وأمَّا مخالفتُهُ ففتنةٌ وعذابٌ؛ قالَ سبحانهُ: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيم﴾، ومن حادَّهُ أذلَّهُ اللهُ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ﴾، ومن رغِبَ عن سنَّتِهِ فقد تبرَّأ منه ﷺ: «مَن رغِبَ عن سنَّتي فليس منِّي».
ومن مقتضى هذهِ الشهادةِ: ألَّا يُعبدَ اللهُ إلَّا بما شرعَ، فلا هوى ولا ابتداعَ، ولا رأيَ مع سنَّتِهِ؛ قالَ ﷺ: «مَن عملَ عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ».
أيُّها المسلمونَ: قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ﴾.
فمحبَّةُ اللهِ ومغفرةُ الذنوبِ في اتِّباعِهِ ﷺ، ومحبَّةُ النبيِّ الصادقةُ ليست دعوى، بل تعظيمٌ لقولِهِ، وإجلالٌ لشريعتِهِ، ووقوفٌ عند حدودِهِ؛ وإلَّا فهي أهواءٌ مُتَّبَعةٌ، قالَ تعالى: ﴿فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُوا۟ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هدًى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾.
فهما طريقانِ لا ثالثَ لهما: اتِّباعٌ يهدي، أو هوى يُردي. وإنَّ محبَّتَهُ ﷺ من أعظمِ واجباتِ الدينِ، بل لا يكفي فيها أصلُ المحبَّةِ، حتى تكونَ مقدَّمةً على كلِّ محبوبٍ؛ قالَ ﷺ: «لا يُؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والدِهِ وولدِهِ والناسِ أجمعينَ»، ولا تُنالُ حلاوةُ الإيمانِ إلَّا بذلك؛ قالَ ﷺ: «ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجدَ بهنَّ حلاوةَ الإيمانِ»، وذكرَ منها: «أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه ممَّا سواهما».
أيُّها المؤمنونَ: وفي ختامِ هذا المقامِ بشارةٌ تشرحُ الصدورَ، وتفتحُ أبوابَ الرجاءِ؛ جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، كيف تقولُ في رجلٍ أحبَّ قومًا ولم يلحقْ بهم؟ فقالَ ﷺ: «المرءُ مع مَن أحبَّ». قالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنه: "فما فرحنا بشيءٍ بعدَ الإسلامِ فرحنا بها".
فيا لها من منزلةٍ! تبلغُ بالمحبِّ الصادقِ حيثُ لم يبلغْ بعملِهِ…
ثمَّ صلُّوا وسلِّموا على هذا النبيِّ الكريمِ، كما أمركم بذلك ربكم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
المرفقات
1777518792_��أشهد أن محمدًا رسولُ الله�.docx
1777518808_��أشهد أن محمدًا رسولُ الله�.pdf