أعمال القلوب(6) المراقبة
تركي بن علي الميمان
عنوان الخطبة :أعمال القلوب(6) المراقبة الخطبة الأولى: الحمدلله العظيم في قدره، العزيز في قهره، العالم بحال العبد في سره وجهره، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102] عباد الله: القلوب تفتقر إلى تعاهد وتربية وإصلاح، فالقلوب إذا استقامت وصلَحت، فإنها تستقيم أحوال الإنسان وتصلُح أعمالُه؛ ولا يخفى أنَّ جنْسَ الأعمال القلبيَّة أشرف من جنس أعمال الجوارح.[تهذيب أعمال القلوب (ص5)]
والمراقبة -عباد الله-عمل من أعمال القلب، هو بِذرها وأُسُّها الذي تتفرَّع منه، وترتكز عليه، متى أقامه العبد، صَلَح قلبه واستقام، ومتى سيَّبه، تكالبت عليه الأسقام.
والحديث عن مراقبة الله في عصرنا هذا مما تمسُّ الحاجة إليه؛ وذلك لما فُتح على الناس من وسائل الاتصالات الحديثة؛ الأمر الذي صيَّر الوصول إلى المعصية في غاية السهولة؛ فأصبحَ المرء يتمكَّن عبر تلك الوسائل المتنوِّعة أن يَطوفَ بين ألوان المنكرات وهو في داخل حجرته، لا يطَّلع عليه إلا الله تعالى، فإذا لم يكن له وازعٌ من تقوى الله ومراقبته، فإنَّ الشيطان سيقوده إلى الهَلَكة ولا بدَّ.
فالمراقبة هي: دوام علم العبد وتيقُّنِهِ باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه؛ والمراقبة هي ثمرة علمه بأنَّ الله رقيب.
وفي حديث جبريل عليهِ السلام؛ أنه سأل النبي صَلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [صحيح مسلم (8)]
فالله سبحانه مطَّلعٌ على أحوال خلقه، وعلمه محيط بما يصدر عنهم؛ كقولِهِ تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ}[آل عمران:5]، وقولِهِ:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}[الحديد:4]، أي: بعلمه وإحاطته. وقولِهِ:{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}[غافر:19]، وقولِهِ:{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق:18]؛ وهؤلاء الملائكة يكتبون كلَّ ما يتكلَّم به الناس من خير أو شر.
وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»[رواه البخاري (1423)واللفظ له، ومسلم(1031)]؛ وإذا تأملت هؤلاء السبعة، وجدت أن عامة أمرهم يرجع إلى مراقبة الله تعالى.
ومن أراد الطريق إلى تحقيق المراقبة-عباد الله-
فعليه أن يستحضر معاني الأسماء الحسنى التي تؤثر في هذا المقام، وأن يتعبَّد لربه تبارك وتعالى بمقتضى هذه الأسماء: كالرقيب والشهيد والحفيظ والعليم والخبير واللطيف والسميع والبصير والمهيمن.
فالرقيب في أسماء الله عز وجل: بمعنى الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء،
ولا يغفُلُ؛ فهو مُطَّلِعٌ على جميع الخلق، لا يعزب عنه قليل ولا كثير من ذلك؛ يَرى أحوالَهم، ويُحصي أعمالَهم، فهم مُطَّلِع على الضمائر والسرائر، يعلم ويرى، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
وما أحسن قول القائل:
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ ... خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيْبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفُلُ سَاعَةً ... وَلا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيْبُ
ومن طرق تحقيق المراقبة: تحقيق مرتبة الإحسان. وذكر الله تعالى.
ومنها: محاسبة النفس، وملاحظة الخواطر على كل حال؛ فالعبد بحاجة إلى محاسبة نفسه، وملاحظة خطراته في سره وعلانيته.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}[الأنعام:59]
بارك الله لي ولكم في القرآن...
الخطبة الثانية: الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ،ومن سار على نهجه واقتفى.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه،{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر:18]
عباد الله: أخبار وأحوال السلف لها وقع في النفوس للاقتداء بها.
فمن أخبار أهل المراقبة: قال عُروة بن الزُّبَيْرِ: "خَطَبْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ابْنَتَهُ وَنَحْنُ فِي الطَّوَافِ، فَسَكَتَ وَلَمْ يُجِبْنِي بِكَلِمَةٍ، فَقُلْتُ: لَوْ رَضِيَ لَأَجَابَنِي، وَاللهِ لَا أُرَاجِعُهُ فِيهَا بِكَلِمَةٍ أَبَدًا، فَقُدِّرَ لَهُ أَنْ صَدَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلِي، ثُمَّ قَدِمْتُ، فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَأَدَّيْتُ إِلَيْهِ مِنْ حَقِّهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ، فَأَتَيْتُهُ، وَرَحَّبَ بِي، وَقَالَ: مَتَى قَدِمْتَ؟ فَقُلْتُ: هَذَا حِين قُدُومِي، فَقَالَ: «أَكُنْتَ ذَكَرْتَ لِي سَوْدَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللهِ، وَنَحْنُ فِي الطَّوَافِ نَتَخَايَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ أَعْيُنِنَا، وَكُنْتَ قَادِرًا أَنْ تَلْقَانِي فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْطِنِ؟» فَقُلْتُ: كَانَ أَمْرًا قُدِرَ، قَالَ: «فَمَا رَأْيُكَ الْيَوْمَ؟» قُلْتُ: أَحْرَصُ مَا كُنْتُ عَلَيْهِ قَطُّ، فَدَعَا ابْنَيْهِ سَالِمًا وَعَبْدَاللهِ فَزَوَّجَنِي.[حلية الأولياء(1/309)]، فقد كانت مراقبة الله عز وجل مستولية على قلبه رَضي الله عنه؛ فما عاد ينطق بشيء من أمر الدنيا.
وللمراقبة ثمرات-عباد الله-: منها: التأدب مع الله تبارك وتعالى؛ فإذا كان العبد مراقباً لله، فإنه يتأدب معه في كل حركاته وسكناته؛ لأنه يُدرك أن الله يراه ويسمعه ويراقبه.
إنَّ وازع المراقبة لرب العالمين، يفعل في النفوس ما لا يفعله وازع القوة والسلطان، فإذا أَلِفَ العبدُ مراقبة ربه، واستحضر شهودَهُ واطَّلاعه عليه؛ فإنَّ المجتمع يأمن بوائقه، ويستريح كثيراً من شروره. فمراقبة الحق تعالى هي الموجبة لكل صلاح وخير.
=فلنتق الله تعالى-عباد الله-، ولنراقب الله تعالى في أسماعنا، وأبصارنا، وأعمالنا، وكسبنا في أموالنا، ولنراقب الله تعالى في تربيتنا لأولادنا، والعدل معهم، ولنراقب الله تعالى في إعطاء حقوق من تحت أيدينا من سائقين وخدم وعمال.{إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[الحجرات:18]. اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وصلوا وسلموا على نبيكم محمد
المرجع/كتاب[تهذيب أعمال القلوب: خالد السبت(ص195-213)]
المرفقات
1769667614_أعمال القلوب(6) المراقبة.docx
1769667634_أعمال القلوب(6) المراقبة.pdf
شبيب القحطاني
عضو نشطجزاك الله خيرا
تعديل التعليق