أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة

د.عبدالحميد المحيمد
1447/08/13 - 2026/02/01 06:54AM

 

إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله  اللَّهم صلَّ على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللَّهم بارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد .

عباد اللّه ، أوصيكم ونفسي بتقوى اللّه.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)

أيها الأحبة في اللَّه، في هذه الأيام العظيمة، وفي هذه الأيام المباركة، وفي هذه الأيام التي تتنزّل فيها نفحات الرحمة وتتوالى فيها نفحات الخير، فإننا نستحضر ونتذكّر قول النبي صلى اللَّه عليه وسلم حين قال:

«أَلَا أَدُلُّكُم على أَفْضَلَ من درجةِ الصلاةِ والصيامِ والصدقةِ ؟ قالوا : بلى يا رسولَ اللهِ . قال : إصلاحُ ذاتِ البَيْنِ فإنَّ فسادَ ذاتِ البَيْنِ هي الحالِقَةُ . لا أقولُ : إنها تَحْلِقُ الشَّعْرَ ولكن تَحْلِقُ الدِّينَ».

وفي روايةٍ أخرى:«دبَّ إليكُم داءُ الأمَمِ قبلَكم الحسَدُ والبغضاءُ هيَ الحالِقَةُ…»

فنحن في هذه الايام بين يدي شهر رمضان فلابد لنا ان نقف وقفه في محاسبة النفس لابد لنا ان نتخلى عن الشحناء ان نتخلى عن البغضاء ان نطهر انفسنا من الحسد ومن الاحقاد فان اللَّه عز وجل يطلع على قلوبنا وان اللَّه سبحانه كما في الحديث الذي حسنه الألباني وابن حبان وغيرهما أن اللَّه سبحانه وتعالى ليطلع على جميع خلقه في ليلة النصف من شعبان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يطَّلِعُ اللهُ إلى جميعِ خلقِه ليلةَ النِّصفِ من شعبانَ، فيَغفِرُ لجميع خلْقِه إلا لمشركٍ، أو مُشاحِنٍ».

فأمّا المشرك فقد تدنَّس قلبُه بالشرك، وهو بعيدٌ عن التوحيد، وأمّا أهلُ الشحناءِ والبغضاء فتلَوَّثت قلوبُهم بالبغض لمن حولهم، فهؤلاء يُحرَمون من المغفرة في ليلة النصف من شعبان.

فإصلاحُ ذاتِ البَيْنِ أمرٌ عظيم، وأجرُه يفوق أجرَ الصلاةِ والصيامِ والصدقة، كما أخبر النبي صلى اللَّه عليه وسلم.

فلْيُراجِعْ كلُّ واحدٍ منّا نفسَه وحساباتِه: هل وصلتَ رحمَك؟ هل تجاوزتَ عن أرحامِك؟

فإنّ التعاملَ مع الأرحام غيرُ التعامل مع الذين لا تربطك بهم قرابة، فأمّا الأقاربُ فإنّك تتحمّل الأذى منهم، كما في الحديث:

«أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ لي قرابةً أصلُهم ويقطعونني، وأُحسِنُ إليهم ويُسيئون إليَّ، وأحلُمُ عنهم ويجهلون عليَّ. فقال النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم: لئنْ كان كما تقولُ لكأنَّما تُسِفُّهم المَلُّ ولا يزالُ معك مِن اللّهِ ظهيرٌ ما دُمْتَ على ذلك ». 

أنت عندما تُحسِنُ إلى ذويك وإلى أقاربك ولا تجد منهم الشكر، ولا تسمع منهم كلمة شكرٍ أو دعاء، فحقُّك لا يضيع عند اللَّه، وأجرُك لا يضيع؛ لأنك أصبحتَ واصلًا للرحم، وأمّا هم فقد قطعوا الرحم، وهم يبوؤون بإثم هذه القطيعة.

ورد في الأثر أنّه وقعت مشاحنةٌ أو خلافٌ يسيرٌ بين الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه وأخيه محمد بن علي بن أبي طالب، الذي يُنسب إلى أمّه الحنفيّة فيُقال: محمد بن الحنفيّة، وهو تابعيّ؛ ونقول: تابعيّ لأنه وُلد بعد وفاة النبي صلى اللَّه عليه وسلم، وأمّا الحسنُ فإنّه صحابيّ، بل هو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة.

فأرسل محمد بن الحنفيّة رسالةً إلى الحسن رضي اللَّه عنه، وقال فيها بعد أن حمد اللَّه وأثنى على اللَّه بما هو أهلٌ لذلك،: «أما بعد، فإن اللَّه تعالى فضَّلك عليّ، فأمك فاطمة بنت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم، وأمي امرأةٌ من بني حنيفة، وجدك لأمك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم، وصفوة خلقه، وجدي لأمي جعفر بن قيس. فإذا وصلك كتابي هذا، فتعالَ إليّ وصالحني، حتى يكون لك الفضل عليّ في كل شيء».

فلما كتب هذه الكلمات، قال: بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وخيرُهما الذي يبدأُ بالسلامِ»، وأنت خيرٌ مني، فلتكن البداية منك. فلما قرأ الحسن رضي الله عنه هذه الرسالة، قام من بيته وذهب إلى أخيه يسلم عليه.

وفي هذا دلالةٌ على سموّ الأخلاق بين الأخوين، وحفظ الأخوّة، وتقديم الإصلاح دون التوسع في الأمر.

ثمّ نُذكِّر أنَّ البادِرَ إلى الإصلاح هم الكبار، وإنّ المعترفَ بالخطأ إنسانٌ كبير، وإنّ المحسنَ إلى من أساء إليه إنسانٌ عظيمٌ، وأجرُه كبيرٌ عند اللَّه عز وجل.

ولكن لو تعامل كلُّ واحدٍ منا مع الآخرين بقدر ما يجدُهُ من أذى: فمن سبّك فرددتَ عليه بالمثل، ومن سبّ والدَيك فسببتَ والديه، ومن أساء إليك فرددتَ عليه، ومن أغلق بابَه فأغلقتَ بابَك، ومن كذب عليك فكذبت عليه كذلك؛ فإذن هذا التدابر الذي نهى عنه النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم، وهذا التصارم، وهذا الذي حدث معك: إنك تركتَ أخلاقك الطيبة ونزلتَ إلى أخلاقٍ استُدرجتَ إليها.

ونسأل اللَّه أن يعافينا، وأن يطهر قلوبنا، وأن يؤلف ذاتَ بيننا، وأن يصلح أحوالَنا.

أقول ما تسمعون، وأستغفر اللَّه.

 

الخطبة الثانية

 

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

ونحن نتكلم عن شهر شعبان ونذكر ليلة النصف من شعبان، فنؤكد على أمر هام: أن ليلة النصف من شعبان ليس لها خصوصية في صيامٍ أو قيامٍ، وما جاء في هذا الصدد فهو أحاديث ضعيفة؛ فهي ليلةٌ كباقي ليالي شعبان.فقط جاء في الحديث الحسن أن اللَّه يغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن.

وكذلك يجوز صيام ليلة النصف من شعبان على أنها يومٌ من أيام شعبان، وليس لخصوصيتها؛ فمن كان يصوم البيض فليصم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فلا بأس أن يصومها بهذه النية.

أسأل اللَّه أن يردَّنا إليه ردًا جميلًا، وأن يصلح أحوالنا، وأن يتوب علينا.

اللَّهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وعافِ مبتلانا ومبتلى المسلمين.

اللَّهم فرّج عن المسلمين في كل مكان، اللَّهم فرّج عن إخواننا في غزة وفي المخيّمات، وأنزِل عليهم لطفك يا رحمن يا رحيم.اللَّهم آمِن المسلمين في كل مكان، اللَّهم احفظ هذا البلد وبلاد المسلمين.

اللَّهم اسقِنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللَّهم اغثِ البلاد والعباد، سقيا رحمةٍ لا سقيا عذابٍ، تحيي بها الزرع وتدرّ بها الضرع، وتجعلها رحمةً لنا يا رحمن يا رحيم.اللَّهم اغثنا، اللَّهم اغثنا، اللَّهم اغثنا.

وصلى اللَّه على نبينا محمدٍ.

 

 

المرفقات

1769918074_أفضل_من_درجة_الصلاة_والصيام_والصدقة.pdf

المشاهدات 288 | التعليقات 0