أنتَ من تصنعُ خيبةَ أملك!

د. سلطان بن حباب الجعيد
1447/07/12 - 2026/01/01 15:26PM

                                أنتَ مَن تَصنَعُ خَيْبَةَ أَمَلِكَ!

 

  الحمدُ للهِ الَّذي أَمَرَنا أن نُخلِصَ لهُ نُفوسَنا، ويَعظُمَ فيهِ رَجاؤُنا، ويَبلُغَ فيهِ مُنتَهى حُبِّنا. والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَن لم يَعْظُمِ اللهُ في قلبِ أحدٍ من خلقِهِ، مثلَ ما عَظُمَ في قلبِهِ؛ فانقطعَ رَجاؤُهُ وخَوفُهُ بكلِّ أحدٍ، إلّا بالصَّمدِ الأَحدِ.

 

أيُّها النَّاسُ، اتَّقوا اللهَ؛ فإنَّ مَنِ اتَّقى اللهَ كانَ من الأبرارِ، الَّذينَ وَعَدَهُمُ اللهُ الجَنَّةَ، الَّتي تَجري مِن تحتِها الأنهارُ. قال تعالى: ﴿لٰكِنِ الَّذينَ اتَّقَوا رَبَّهُم لَهُم جَنّاتٌ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها نُزُلًا مِن عِندِ اللَّهِ وَما عِندَ اللَّهِ خَيرٌ لِلأَبرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨].

 

وبعدُ:

أيُّها الإخوةُ الكرامُ، إنَّنا مُكَلَّفونَ بأن نُراقِبَ كلَّ ما مِن شأنِهِ أن يُهَدِّدَ سعادةَ نُفوسِنا وطمأنينتَها؛ فإنَّ ذلك من العملِ الحَصيفِ، والأسبابِ المشروعةِ، الَّتي تُساهِمُ في تحسينِ وجودِنا في الحياةِ مُدَّةَ بقائِنا فيها. فما العيشُ بلا سعادةٍ وطمأنينةٍ؟!

 

وأسبابُ الأسى والحُزنِ كثيرةٌ، وجديرةٌ بالحديثِ بينَ الفينةِ والأخرى، حتّى نُجَلِّيَها لِمَن أرادَ أن يتَّقيَها.

 

ومِن المعلومِ أنَّ مِن أعظمِ الأسبابِ علاقتَنا بالنَّاسِ؛ فلا تزالُ هذه العلاقاتُ تَقذِفُنا بألوانٍ ممّا يَخدِشُ المشاعرَ، ويُعكِّرُ الصَّفوَ، ويَجلِبُ الأكدارَ والأحزانَ.

 

وهذا واقعٌ لا تُخطِئُ العينُ أن تراهُ، ولا الأُذُنُ أن تسمعَهُ؛ فما أكثرَ شكوى النَّاسِ من النَّاسِ!

 

ولسانُ حالِهم ما قالَهُ الشافعيُّ:

 

النَّاسُ داءٌ وداءُ النَّاسِ قُربُهُمُ

وفي اعتزالِهِمُ قَطعُ المودَّاتِ

 

وليس فيما سيأتي من القولِ، دعوةٌ إلى تركِ النَّاسِ ومُجافاتهم، بل هي دعوةٌ لمُجافاةِ الأسبابِ الَّتي تجعلُ من العلاقاتِ بالنَّاسِ وبالًا على صاحبِها.

 

فشبكةُ العلاقاتِ الَّتي تُحيطُ بك سلاحٌ ذو حدَّين؛ فإمّا أن تُديرَها بعقلٍ وحكمةٍ؛ فتكونَ سببًا في سعادتِك، وإلّا جَرَّت عليك أنواعًا من الأسى والحُزنِ.

 

وممّا يُجافي العقلَ والحكمةَ، في إدارةِ هذه العلاقاتِ، المبالغةُ في رجاءِ النَّاسِ وانتظارِ الجميلِ منهم؛ مِن تقديرٍ، وحبٍّ، واهتمامٍ، واحترامٍ، وثناءٍ، وحُسنِ معاشرةٍ، وشُكرٍ على المعروفِ، وما إلى ذلك؛ لأنَّ كلَّ ذلك ربّما ارتدَّ عليك خيبةَ أملٍ، والَّتي ستكونُ بحجمِ رجائِك؛ فكلَّما عَظُمَ رجاؤُك فيهم عَظُمَت خيبةُ أملِك.

 

فإذا كنتَ تريدُ الاحتراسَ من خيباتِ الأملِ، فاقطعِ الرَّجاءَ بالنَّاسِ، أو على الأقلِّ لا تنتظرْ منهم الكثيرَ، وإلّا فإنَّك لا تزالُ تُساهِمُ في صناعةِ خيبةِ أملِك بنفسِك مرَّةً بعد أُخرى.

 

أيُّها الأخُ المباركُ، قطعُ الرَّجاءِ بالنَّاسِ، يُغلِقُ البابَ بينك وبين ما يأتيك من هذه العلاقاتِ من صُنوفِ الأذى والأسى؛ لأنَّك لم تكنْ تنتظرُ شيئًا لتحزنَ على فواتِهِ.

 

وإذا كان هذا صنيعُك وظنُّك بالنَّاسِ، فقد أنزلتَهم منزلتَهم الَّتي يستحقّونَ؛ فمَن هم حتّى تجعلَ قيمتَك وتقديرَك متوقِّفَينِ عليهم؟!

 

ومَن هم حتّى تظنَّ أنَّهم غيرُ ما جُبِلوا عليه من الطَّمعِ والشُّحِّ ونُكرانِ الجميلِ؟!

 

فتنتظرُ منهم ما لم يُعامِلوا به خالقَهم، الَّذي قابَلوا إنعامَهُ وإيجادَهُ لهم بالكفرِ والجحودِ في غالبِ أحوالِهم؛ فكيف بغيرِهِ؟!

 

فاحرِصْ ألّا تكونَ في علاقتِك مع النَّاسِ عاطفيًّا، تتبعُهم نفسَك؛ فهذا من شأنِهِ أن يُضعِفَك، ويجعلَك كثيرَ تقلُّبِ المزاجِ، كثيرَ التذمُّرِ، بقدرِ تقلُّبِ طبائعِ النَّاسِ وتعاملِهم معك.

 

وكُن عقلانيًّا في تعامُلِك، عزيزَ النَّفسِ، زاهدًا فيما عندَهم، غيرَ راجٍ شيئًا من ورائِهم؛ فهذا من شأنِهِ أن يجعلَك قويًّا، قد حُطَّت نفسُك بسِياجٍ سميكٍ من أن تُصيبَك خيباتُ الأملِ.

 

ثمَّ اجعلْ من الألمِ الَّذي ذُقتَهُ منهم، موعظةً لك من أن تصنعَ مثلَ صنيعِهم معهم. فما أجملَ أن يكونَ المرءُ مُنصِفًا من نفسِهِ، يُعامِلُ النَّاسَ بمثلِ ما يُحبُّ أن يُعامِلوه به.

 

فلا تَجرَحْ أحدًا، ولا تُخيِّبْ ظنَّهُ وأملَهُ فيك، ولا تكنْ سببًا في اهتزازِ ثقتِهِ بنفسِهِ، بكلمةٍ غيرِ محسوبةٍ، أو نظرةٍ غيرِ محبوبةٍ. وكُن ودودًا، بشوشًا، باذلًا للخيرِ والمعروفِ، عند حُسنِ ظنِّ النَّاسِ بك وأكثر.

 

فإذا كنتَ على هذا النَّحوِ، بأن قطعتَ الرَّجاءَ بهم، ووصلتَ الخيرَ لهم، فقد تسنَّمتَ أعلى المراتبِ في حُسنِ التَّعامُلِ والخُلُقِ، والكِياسةِ والفِطنةِ الاجتماعيَّةِ، وحصَّنتَ نفسَك من أن تكونَ العلاقاتُ بالنَّاسِ مصدرًا للأذى والإياسِ، وأفلحتَ أن تعيشَ معهم لا بهم، ونأيتَ بنفسِك عن أسبابِ الكدرِ والحُزنِ.

 

ولو أردتَ أن أختصرَ لك كلَّ ما مرَّ من المعاني في عبارةٍ، فلن أجدَ أبلغَ ممّا سطَّرهُ علماءُ السُّلوكِ، المعنيّونَ بالأخلاقِ وتهذيبِ النُّفوسِ، وسكّوهُ كالقاعدةِ الجليلةِ والحكمةِ العليَّةِ، وهي قولُهم: «عِشْ مع الخالقِ بلا خَلْقٍ، ومع الخَلْقِ بلا نفسٍ».

 

أقولُ قولي هذا…

 

الثانيةُ:

وبعدُ:

أيُّها الأخُ الكريمُ، وإذا أردتَ ألّا تكتفيَ بغلقِ هذا البابِ بينك وبين الأحزانِ، وتريدُ أن تفتحَ بابًا آخرَ للسعادةِ في تعامُلِك مع النَّاسِ، فاجعلْ رجاءَك باللهِ في تعامُلِك معهم؛ فتحسِنَ إليهم ليُحسِنَ اللهُ إليك، فتجعلَ من البشرِ ومعاملتِهم جسرًا لرضى اللهِ عنك. وكيف لا تكونُ بذلك سعيدًا وقد عملتَ بعملِ أهلِ الجنَّةِ، الَّذين قالوا: ﴿إِنَّما نُطعِمُكُم لِوَجهِ اللَّهِ لا نُريدُ مِنكُم جَزاءً وَلا شُكورًا﴾ [الإنسان: ٩].

 

ومن جعلَ ظنَّهُ ورجاءَهُ باللهِ لم يَخِبْ له ظنٌّ؛ فكلُّ رجاءٍ قد يَخيبُ إلّا الظنَّ باللهِ؛ فإنَّه عند حُسنِ ظنِّ عبدِهِ به، كما قالَ عن نفسِهِ.

 

فيمِّمْ وجهَك بعملِك شطرَ مَن لا تخيبُ فيه الظنونُ، ويجدُ العبدُ عندَهُ الجزاءَ والشُّكرَ على ما قدَّمَ أوفرَ ما يكونُ، وإلّا كثرتْ خيباتُ أملِك، وكان تعامُلُك مع النَّاسِ وبالًا عليك.

 

وإن لم تفعلْ فلا تَلُمْ إلّا نفسَك، كما فعلَ المتنبّي عندما ظنَّ بسيفِ الدولةِ الظنونَ، فكثرَ مدحُهُ له رجاءَ ما عندَهُ، فخابَ ظنُّهُ، فوصفَ حالَهُ بأبلغِ ما يكونُ، فقال:

 

أبِعَينِ مُفتقِرٍ إليكَ نظرتَني

فأهنتَني وقذفتَني من حالِقِ

 

لستَ الملومَ أنا الملومُ لأنَّني

أنزلتُ آمالي بغيرِ الخالقِ

 

اللهمَّ لا تُعلِّقْ نُفوسَنا إلّا بك، ولا تجعلْ رجاءَنا إلّا فيك، ولا تجعلْ سيرَنا إلّا إليك..

 

المرفقات

1767282694_أنت من تصنع خيبة أملك ( وورد).docx

1767282694_أنت من تصنع خيبة أملك- ( PDF).pdf

المشاهدات 475 | التعليقات 0