أنينُ الدُّعاء في رَمَضان
الشيخ محمد الوجيه
1447/09/17 - 2026/03/06 01:07AM
الخطب الأولى :
الحمد لله الذي فتح أبواب الجنان، وأغلق أبواب النيران، وجعل الدعاء حبل وصاله المتين. الحمد لله الذي لا يُرد قاصده، ولا يُخيب وافده، يغفر الذنوب وإن بلغت عنان السماء، ويجيب المنادين وإن بحّت الأصوات من البكاء نحمد الله الذي جاد بالفضل قبل السؤال، وفتح أبواب القبول للمقبلين في الغدو والآصال، أحمده سبحانه وهو المحمود على كل حال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل رمضان مضماراً للمتنافسين، وملاذاً للتائبين، ومحراباً للمنكسرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كان أجود الناس بالخير، وأشد الناس تضرعاً لربه في رمضان، فكان يحيي ليله بالقيام، ويبل تراب سجدته بدموع الوجل، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]،
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]،
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].
أما بعد يا عباد الله، فاتقوا الله حق التقوى، واعلموا أنكم اليوم على مشارف غنيمة لا تبارى، ونفحة لا تضاهى، فالحياة في جوهرها رحلة إلى الله، ورمضان هو محطة التزود الكبرى، حيث تتنزل الرحمات وتفيض العبرات، وإن أعظم سر في هذا الشهر الكريم هو "سر المناجاة"، ذاك الذي أشار إليه نبيكم ﷺ في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي: «إنَّ للهِ تبارك وتعالى عتقاءَ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، وإنَّ لكلِّ مسلمٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ دعوةً مستجابةً»، فتأملوا يا رعاكم الله، كيف جعل الله لكل صائم صكاً بالإجابة يومياً، وكأن السماء تنتظر أنات صدوركم لتفتح لها الأبواب،
وقد استنبط الإمام ابن القيم الجوزية في كتابه (الجواب الكافي) حقيقة مذهلة عن أثر هذا الدعاء، حين قال إن الدعاء من أقوى الأسباب في دفع البلاء، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، ثم قسم مقاماته مع البلاء إلى ثلاث: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه، أو يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء ولكن يخففه، أو يعتلجا ويصطرعا في السماء حتى يمنع كل منهما صاحبه، فما أعظم هذا السلاح الذي نغفل عنه في زحمة دنيانا!
وإن رمضان يا إخوة الإيمان هو "شهر الدعاء" بامتياز، فالله عز وجل حين ذكر الصيام في سورة البقرة، لم يتركنا حتى أدلف بين آيات الصيام قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، ليعلم كل منكسر وكل صاحب حاجة أن الطريق إلى الله ليس فيه حجّاب ولا أبواب مغلقة، بل هو قربٌ لا تدركه العقول، وتجليات لا توصف بالكلمات.
،وكان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- يفقهون هذا المعنى حق الفقه، فكانوا يفرون من الخلق إلى الخالق، ويجعلون من ليل رمضان وقتاً للنحيب والنشيج، ويُروى عن مطرف بن عبد الله أنه كان يقول: "تذاكرت ما جماع الخير؟ فإذا الخير كثير الصيام والصلاة، وإذا هو في يد الله، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله فيعطيك، فإذا جماع الخير الدعاء".
فالدعاء هو العبودية المحضة، وهو الاعتراف بالفقر الذاتي والاحتياج الأبدي، وكأن لسان حال العبد الصائم يقول:
أنا العبدُ الذي سطرتُ عليهِ .. صحائفُ لم يغادرها النقيرُ
أنا المذنبُ الذي أخطأتُ جَهلاً .. وأنتَ اللهُ غفارٌ غفورُ
فيا من ضاقت به السبل، ويا من أثقلته الديون، ويا من باعدت بينه وبين ربه المعاصي، دونك رمضان، ودونك سويعات السحر، حيث ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا كما في الحديث المتفق عليه: «يَنْزِلُ رَبُّنا تَبَارَكَ وتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ له؟».
فهل يعقل أن ينادي الملك ونحن نيام؟ وهل يعقل أن تفتح الخزائن ونحن عنها لاهون؟ إن الحزن الحقيقي هو أن يمر رمضان دون أن تسكب فيه دمعة ندَم، أو ترفع فيه كف ضراعة بصدق، فقد قال ﷺ: «رغِم أنفُ رجلٍ دخل عليه رمضانُ ثم انسلخ قبل أن يُغفر له»، وهذه دعوة مستجابة من جبريل وتأمين من النبي ﷺ، فالحذر الحذر من الغفلة، واليقظة اليقظة في أيام الرحمة.
واعلموا أن شرف المؤمن في قيامه بليل، وعزه في استغنائه عن الناس بافتقاره إلى الله، فاجعلوا من رحلتكم هذه، ومن صيامكم القادم، خلوةً لا تنقطع، وأنيناً لا يسكن حتى تُكتبوا من عتقائه من النار، فاللهم يا سامع الصوت، ويا سابق الفوت، اجعلنا ممن دعاك فأجبته، واستهداك فهديته، واعتصم بك فنصرته، واجعل شهرنا هذا شهر نصر وعز وإيمان.
اقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمد الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الوعد الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين.
عباد الله، فاتقوا الله واعلموا أنما هذه الدنيا أنفاسٌ معدودة، وآمالٌ ممدودة، والعاقل من جعل من زفرات حزنه في رمضان تراتيل أملٍ في رحمة الله، فقد كان نبيكم ﷺ إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة، وإذا دخل العشر الأواخر شد مئزره وأيقظ أهله وأحيا ليله، وما ذاك إلا لعلمه أن "الوقت كالسيف".
وأن رمضان سوقٌ تنصبُ ثم تنفض، فعليكُم عبادَ اللهِ بالدُّعاءِ، فما من بلاءٍ يطرق بابك، ولا همٍ يجثو على صدرك، إلا وللدعاء معه شأنٌ وأي شأن.
ويؤكد ابن القيم في مدارج السالكين أن "أقرب باب دخل منه العبد على الله هو باب الإفلاس"، فلا يرى لنفسه حالاً ولا مقاماً، بل يدخل دخول المسكين الكسير الذي قد انقطع رجاؤه من الخلق واتصل بالخالق، وهذا هو جوهر الافتقار في رمضان، أن تشعر بجوع الروح قبل جوع البدن، وبظمأ القلوب إلى عفو علام الغيوب، فإذ بصوتك يبحّ بـ "يا الله" في جوف الليل، وإذ بدمعك يسبق قولك، وهناك تفتح لك أبوابٌ ظننتها يوماً مستحيلة.
فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ما مِنْ مُسلمٍ يَدعو بدعوةٍ ليسَ فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رَحِمٍ؛ إلَّا أعطاهُ اللهُ بها إحدى ثَلاثٍ: إمَّا أنْ تُعجَّلَ لهُ دعوتُهُ، وإمَّا أنْ يَدَّخِرَها لهُ في الآخرةِ، وإمَّا أنْ يَصرِفَ عنهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَها»، قالوا: إذاً نُكثر؟ قال: «اللهُ أكثرُ»، فالله أكثر عطاءً، وأكثر جوداً، وأكثر استجابةً من سؤلك وتصورك، فاجعلوا من حزنكم على تقصيركم في جنب الله وقوداً للضراعة، فربّ ذنبٍ أورث ذلاً وانكساراً خيرٌ عند الله من طاعةٍ أورثت عِزاً واستكباراً.
فاستمطروا رحمات الله بالبكاء، واستفتحوا مغاليق الأمور بالرجاء، وكأنكم ترددون بلسان الافتقار:
أتيتُكَ مُخْبتاً والدمعُ يجري .. ونارُ الوجدِ في قلبي تلوحُ
أذوبُ حياءً من ذنبي وإني .. ببابِ العفوِ يا ربي طريحُ
فيا من يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية، اللهم بلغنا رمضان وقد رضيت عنا، واجعلنا فيه من الفائزين المستبشرين، واجعل دعاءنا مستجاباً، وسعينا مشكوراً، وذنبنا مغفوراً، اللهم احفظ بلادنا وأمننا، ووفق ولاة أمرنا لما فيه صلاح العباد والبلاد، ويسر للمعتمرين نُسكهم، وللمسافرين طريقهم، وأقم الصلاة.
المرفقات
1772748419_أنينُ الدُّعاء في رَمَضان.docx