أهمية الحوار وآدابه في الإسلام

أمير محمد محمد المدري
1447/12/01 - 2026/05/18 17:28PM

  أهمية الحوار وآدابه في الإسلام

 

الحمد لله الذي أنشأ وبرا، وخلق الماء والثري، وأبدع كل شيء وذرا، لا يغيب عن بصره صغير النمل في الليل إذا سرى، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، خلق آدم فابتلاه ثم اجتباه فتاب عليه وهدى، وبعث نوحاً فصنع الفلك بأمر الله وجري، ونجي الخليل من النار فصار حرها برداً وسلاماً عليه، فاعتبروا بما جرى، أحمده على نعمه التي لا تزال تترى، وأصلي وأسلم على نبيه محمد المبعوث في أم القرى صلى الله عليه وعلى صاحبه في الغار أبي بكر بلا مرا، وعلى عمر الملهم في رأيه فهو بنور الله يرى، وعلى عثمان زوج ابنته ما كان حديثا يفترى، وعلى ابن عمه علي بحر العلوم وأسد الشري، وعلى بقية آله وأصحابه الذين انتشر فضلهم في الورى، وسلم تسليما.

 

أما بعد أيها الناس:

اتقوا الله تعالى وتبصروا في هذه الأيام والليالي فإنها مراحل تقطعونها إلى الدار الآخرة حتى تنتهوا إلى آخر سفركم وكل يوم يمر بكم فإنه يبعدكم من الدنيا ويقربكم من الآخرة فطوبى لعبد اغتنم فرصها بما يقرب إلى مولاه طوبى لعبد شغلها بالطاعات وتجنب العصيان.

 

أيها المسلمون:

إن الناس مذ خلقهم الله وهم متفاوتون مختلفون في الآراء والأهداف والأفكار وهذه سنة الله قال تعالى في سورة هود الآية 118:

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ

 

وهذا الاختلاف والتباين لا ينتهي إلا بالحوار الهادف غير المتعصب، بالحوار الهادف تزداد الأسرة تماسكاً، بالحوار الهادف يتفاهم الأصدقاء مع بعضهم البعض، بالحوار الهادف نحقق معاني الخير والبناء بعيداً عن الفوضى والاستبداد والأنانية.

 

أيها المسلمون:

لقد حفلت آيات القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بالنصوص الكثيرة التي ترشدنا إلى أهمية الحوار في حياة الناس، تأمل الحوار الذي دار بين الله والملائكة في قصة خلق الإنسان، وسؤال الملائكة لرب العالمين، قال تعالى في سورة البقرة الآية 30:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

 

عند ذلك استجابت الملائكة لأمر الله تعالى ولم يكن ذلك الحوار مع الملائكة فحسب، بل حتى مع شر خلق الله إبليس، قال الله تعالى في سورة الحجر الآية 31:

إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ

 

ولقد حاور الله تعالى إبليس مع عصيانه وتمرده، فسأله الله تعالى عن سبب عصيانه بأدب الرحمة الإلهية فقال سبحانه في سورة الحجر الآية 33:

قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ

 

درس عظيم، وتربية ربانية، ندرك من خلالها أهمية الحوار في حياتنا، ونتعلم من هذه الدروس الربانية، حسن الإصغاء للآخرين ولو كانوا غير محقين.

 

أيها المؤمنون: اقرأوا القرآن وتأملوه، لقد تحاور الله سبحانه وهو الخالق مع كثير من الأنبياء، وتحاور سيدنا نوح وهود وإبراهيم وشعيب وموسى عليهم السلام مع أقوامهم، وقص علينا القرآن الكريم محاوراتهم، وتحاور البشر فيما بينهم، فقد جاء في القرآن الكريم حوار جرى بين رجلين أنعم الله تعالى على أحدهما بجنتين، فاغتر بما عنده، وأنكر الإيمان والدار الآخرة، فكان صاحبه المؤمن يحاوره بأدب، وينصحه بلطف، قال تعالى في سورة الكهف الآية 37:

قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا

 

ويستمر الحوار إلى قوله تعالى في سورة الكهف الآية 42:

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا

 

لقد ندم الرجل على ما اقترف، وقال: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا، حين لن تنفع ليت، ولن تنفع ليت، في كل زمان ومكان من يتعامى عن الحوار والنصح الصادق.

 

نقول لمن يرفضون الحوار ما البديل للحوار عندكم ليس هناك بديل للحوار سوى السلاح والفرقة والفتنة.

 

عباد الله: إن الحوار يكون -أحيانًا- أقوى من الأسلحة العسكرية كلها؛ لأنه يعتمد على القناعات الداخلية الذاتية؛ بل ربما أفلح الحوار فيما لا تفلح فيه الحروب الطاحنة.

 

وفيما يلي حادثة تاريخية قديمة تدل على ذلك. تتعلق بطائفة من الخوارج، ومن المعروف في تاريخ الإسلام أن الخوارج من أكثر الناس ضراوة وقوة، وشجاعة وبسالة في الحروب، مما جعل الناس يرهبونهم.

حتى نساء الخوارج، كن يبدين من ضروب البسالة والشجاعة في الحروب ما تدهش له العقول له:

فلننظر كيف فعل بهم الحوار؟!

 

ذكر الباقلاني، والسكوني، والشاطبي، وغيرهم، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعث ابن عباس رضي الله عنهما إلى الخوارج المسمين بالحرورية، فذهب إليهم ابن عباس رضي الله عنهما، وعليه حلة جميلة، فلما أقبل، قالوا له: يا ابن عباس، ما الذي جاء بك؟ وما هذه الثياب التي عليك؟

- فقال: أما الثياب التي عليَّ، فما تنقمون مني؟ فوالله، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه حلة ليس أحد أحسن منه، ثم تلا عليهم قوله تعالى في سورة الأعراف الآية 32:

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

 

- قالوا: ما الذي جاء بك يا ابن عباس؟

- قال: جئتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وليس فيكم أنتم يا معشر الخوارج وأحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وجئتكم من عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: علي بن أبي طالب، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم، وأبلغهم عنكم، فأنا رسول -أي وسيط- بينكم وبينهم.

- قال بعضهم: لا تحاوروا ابن عباس، لا تخاصموه، فإن الله تعالى يقول عن قريش في سورة الزخرف الآية 58:

بَلْ قَالُوا بَلْ نَحْنُ لَسْنَا مُهْتَدِينَ

 

فلما خافوا من الهزيمة قالوا: اتركوا هذا، هذا جدل إنسان خصم! وقال بعضهم: بل نكلمه، ولننظر ماذا يقول؟

- قال ابن عباس رضي الله عنهما: فكلمني منهم اثنان أو ثلاثة، فقال لهم: ماذا تنقمون على علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟

- قالوا: ننقم عليه ثلاثة أمور.

- قال: هاتوا.

- قالوا: الأول: أن علي بن أبي طالب حكم الرجال في كتاب الله، يعني: بعث حكمًا منه، وحكمًا من معاوية رضي الله عنه، وقصة التحكيم معروفة ذكرها صاحب البداية والنهاية، وصاحب شذرات الذهب، (انظر: البداية والنهاية 7/276-285، وشذرات الذهب 1/46، 47) والله تعالى يقول في سورة الأنعام الآية 57:

قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ ۚ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ

 

- قال: هذه واحدة فما الثانية؟ قالوا: الثانية: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتل ولم يسبِ، -أي قاتلهم وما سبى نساءهم-، فلئن كانوا مسلمين فقتاله حرام، ولئن كانوا كفارًا فلماذا لم يسبهم؟

- قال: وهذه أخرى، فما الثالثة؟

- قالوا: الثالثة: أنه نزع نفسه من إمرة المؤمنين لمـَّا كتب الكتاب، فلم يكتب أمير المؤمنين؛ بل قال: علي بن أبي طالب.

- قال: أوقد فرغتم؟

- قالوا: نعم.

- قال: أما الأولى: فقولكم: حكم الرجال في كتاب الله تعالى، فإن الله تعالى يقول في محكم التنـزيل في سورة المائدة الآية 95:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ

 

فذكر الله تعالى حكم ذوي عدل فيما قتله الإنسان من الصيد، سألتكم الله تعالى! التحكيم في دماء المسلمين وأموالهم أعظم، أم التحكيم فيما قتله الإنسان من الصيد؟

- قالوا: لا؛ بل التحكيم في دماء المسلمين وأموالهم أعظم.

- قال: فإن الله تعالى يقول في كتابه في سورة النساء الآية 35:

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا

 

ناشدتكم الله تعالى! التحكيم في دماء المسلمين وأموالهم أهم، أو التحكيم في بضع امرأة؟

- قالوا: لا، التحكيم في دماء المسلمين وأموالهم.

- قال: انتهت الأولى؟

- قالوا: نعم، فالثانية؟

- قال: أما الثانية، فقولكم: قاتل ولم يسبِ، هل تسبون أمكم عائشة رضي الله عنها -لأنها كانت في الطرف الآخر-، وتستحلون منها ما يستحل الرجال من النساء، إن قلتم ذلك كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا كفرتم أيضاً؛ لأنها أم المؤمنين، فاستحيوا من ذلك وخجلوا.

- قالوا: فالثالثة؟

- قال: أما قولكم: خلع نفسه من إمارة المؤمنين، وإذا لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عقد كتاب الصلح مع أبي سفيان وسهيل بن عمرو في صلح الحديبية، قال: "اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله" قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب اسمك واسم أبيك، فمحا النبي صلى الله عليه وسلم الكتابة، وقال: "اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله.

 

فرجع منهم عن مذهب الخوارج ألفان، وبقيت بقيتهم، فقاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه (أخرج القصة عبد الرزاق في مصنفه 18678، وأحمد في المسند 3187).

 

فانظر كيف أثر الحوار الهادئ القوي العميق في مثل هذه الرؤوس اليابسة الناشفة، حتى رجع منهم ألفان إلى مذهب أهل السنة والجماعة في مجلس وأحد لم يستغرق ربع ساعة.

 

أيها المسلمون:

ليكن هدفنا من الحوار، هو توضيح الحق، وتبيين الصواب، وهداية التائه، بعيدا عن حظوظ النفس والثوران لها.

 

عباد الله:

إن الحوار هام في حياتنا، الحوار أخذ وعطاء، وقول وإصغاء، وتفاهم وتراحم، فعلينا أن نتعلم ذلك، ونعلمه أبناءنا وبناتنا، ونمارسه بآدابه وأخلاقه في العلاقات بيننا جميعاً، فليكن الحوار الهادف بين الأزواج والزوجات، قال تعالى في سورة المجادلة الآية 1:

قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ

 

وبين الآباء والأبناء فقد حاور إبراهيم أباه ولقمان ابنه، وبين المعلمين والطلاب فقد تحاور الخضر مع موسى عليهما السلام، وبين المسئولين والمواطنين فقد تحاور صفوة الخلق صلى الله عليه وسلم مع أصحابه.

 

إن الذي علمنا أصول وأدب الحوار هو نبينا المختار، فهذه أصولنا نحن وهذه مبادئنا نحن.

أصول الحوار في الإسلام ليست شرقية ولا غربية إنما هي أصول محمدية نبوية تنبني على العدل والأدب والحكمة، وصحة القصد وحسن النية، واحترام الآخر وعدم إساءة الظن بالآخر، وعدم اتهام الآخر.

 

أصول يبينها لنا ديننا العظيم ونبينا الكريم صلى الله عليه وسلم:

إن أول أدب من الآداب الذي ينبغي أن يتحلى بها المتحاورون أن يتحلى الجميع بحسن النية وصحة القصد وطهارة السريرة والطوية.

ما الهدف من هذه الحوارات؟

هل إثارة الفتنة؟ إثارة البلبلة؟ وضياع الوقت والجهد والمال ان الهدف من الحوار عند الصادقين أن يقدموا مصلحة الدين ثم مصلحة الوطن وأن نقدم الأولى فالأولى. لابد من فقه للأولويات.

 

ثم من أعظم آداب الحوار الإقناع، أقنعني وأنا أقنعك، ليس بالصوت العالي وليس بالصوت المرتفع، ولا بالضجيج، ولا بالصراخ ولا بالعويل ولا بالسباب ولا بالشتائم، ولا باتهام النيات، والنيل من الكلمات، وإنما بالحجة، بالبرهان، بالكلمة المقنعة.

 

انظروا إلى حوار إبراهيم مع أبيه آزر، قال تعالى في سورة مريم الآية 41:

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا

 

اسمعوا إلى الإقناع والحجة في سورة مريم الآيات 42-44:

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا

 

انظروا إلى الحجة، انظروا إلى الإقناع والدليل والبرهان، فرد الصوت المرتفع رد الاستعلاء في سورة مريم الآية 46:

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا

 

هذا هو منطق البطش، والظلم، والإرهاب الفكري، والطغيان والاستبداد. فماذا كان الرد؟

في سورة مريم الآية 47:

قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا

 

وانظروا إلى الثمرة الأخرى، ثمرة بر إبراهيم بوالده؛ أن رزقه الله ابن باراً به حين قال إبراهيم بعد ذلك بعد ما تجاوز الثمانين من عمره حين خاطب ولده إسماعيل في سورة الصافات الآية 102:

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ

 

انظروا إلى الإقناع: قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ لم يفرض عليه ولم يتهدده ولم يتوعده.

فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ

 

أيها المسلمون:

اعلموا أنه ما من أمة حكمت بشرع الله وأخذت بمبدأ الحوار الهادف، إلا وكانت من أعظم الأمم، استمعوا إلى هذا الموقف العظيم من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحاور ذلك الشاب كما جاء في حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن فتىً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، فأقبل القوم فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ادنه» – أي اقترب منى –، فدنا منه قريباً، - وتأمل هنا كيف أدناه النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون الحوار والحديث بينهما فقط، فيكون أبلغ في تحقيق النتائج - قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم».

قال: «أفتحبه لابنتك؟» قال: "لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك" قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». قال: أفتحبه لأختك؟ قال: "لا والله، جعلني الله فداءك" قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم».

قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: "لا والله، جعلني الله فداءك" قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم». قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: "لا والله، جعلني الله فداءك" قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم».

قال – راوي الحديث – فوضع يده عليه، وقال: «اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحصن فرجه» فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.

 

عباد الله:

ما أحوجنا إلى الحوار في حياتنا بدل لغة التهديد والوعيد، ما أحوجنا إلى الكلمة الطيبة والنبرة الهادئة.

ومن الناس من يفهم الحوار على أنه إملاء الرأي وفرضه بالقوة، ولا يريد أن يسمع إلا صوت نفسه، وقد ذكر القرآن مثالا لنوعية الحوار المثمر في مقابل فرض الرأي:

فرعون ما تحاور مع أحد من قومه بل قال لهم في سورة غافر الآية 29:

وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ

 

فكانت النتيجة أن هلك هو وجنوده، أما بلقيس فإنها تشاورت مع قومها وقالت في سورة النمل الآية 32:

قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ

 

فنجاها الله وقومها من الهلاك وأسلمت بعد مع سليمان لله رب العالمين.

 

من أسباب نجاح أي حوار: الابتعاد عن الجدال بالباطل لأنه يستخدم لقلب الحقيقة من غير دليل ولا حجة ولا برهان، قال تعالى في سورة الحج الآية 8:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ

 

فالحوار الهادف ينجح بالحكمة وسبل الإقناع.

والحوار بالتي هي أحسن يستلزم احترام الآخر، والصبر عليه وعدم مقاطعته أثناء حديثه أو تسفيه رأيه، كما يستلزم حسن الظن به والحرص على عدم تحويل الحوار إلى جدل وخصام،

روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم».

 

إن الحوار الإيجابي هو السبيل الآمن لعبور المشكلات الكثيرة التي تواجه المجتمعات والأمم في ميادين كثيرة.

 

أيها المسلمون: الاستماع الواعي في الحوار ثم قبول النافع المفيد من أحسن القول، عملاً بقول الحق سبحانه في سورة الزمر الآية 18:

الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه وعلى آله وأصحابه وجميع إخوانه.

 

وبعد عباد الله:

هناك عوامل تحول دون تواصل الناس ومد جسور الحوار بينهم فهي:

 

أولاً: التعصب للآراء والمذاهب والأفكار والأشخاص: والتعصب ظاهرة قديمة، موجودة في مختلف المجتمعات البشرية، وفي مختلف مستوياتها، وهي ظاهرة تمثل انحرافًا مرضيًّا، حينما لا تكون ذات مضمون أخلاقي، كالانتصار للحق أو لدعاته. والتعصب ينشأ عن اعتقاد باطل بأن المرء يحتكر الحق لنفسه. والمتعصب لا يفكر فيما يتعصب له، بل يقبله كما هو فحسب، لذا فلا يمكن لمتعصب أن يتواصل إلا مع من يردد نفس مقولاته.

 

ثانياً: المراء المذموم واللجاجة في الجدل، ومحاولة الانتصار للنفس ولو على ذبح الحقيقة: والجدل خلق مذموم، ينبغي للإنسان أن يتنزه عنه، وإذا اضطر إليه فيجب أن يكون بالتي هي أحسن كما في سورة النحل الآية 125:

ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ

 

ومعنى ذلك أن يتجنب الإنسان الجدال العقيم والفاحش والبذيء، وإذا أراد أن يجادل فلا بد أن يجادل بالحسنى، وإذا وجد أن النقاش يقود إلى طريق مسدود، فينبغي أن يتوقف عنه لأنه يصير عند ذلك عبثًا لا خير فيه، فكما قال صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً» (رواه أبو داود بسند حسن)، «فما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» (رواه الترمذي وصححه). وترك الجدل يتبعه أمران:

أولهما: أن نعترف بأخطائنا إن كنا مخطئين، والاعتراف بالخطأ فضيلة.

ثانيهما: أن نحترم آراء الآخرين.

 

ثالثاً: التسرع في إصدار الأحكام: إذ إن التسرع في إصدار الأحكام دون روية، مع عدم وضوح الرؤية، يوقع في أغاليط وأخطاء.

ولقد انتقد القرآن بشدة لاذعة الذين يقفزون عند السماع الأولي للمشكلة إلى إصدار الأحكام وإشاعتها، دون السماح لها بالمرور بمنطقة السماح الداخلي، والتفاعل مع القدرات العقلية، وتبادل التحليل والاستنتاج. ويصف القرآن هذا الأسلوب المتسرع بأنه تلقٍ للمعلومات الأولية باللسان، دون الصبر عليها حتى تمر بالأذن، وتصل إلى منطقة الوعي، في سورة النور الآية 15:

إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ

 

ويتهدد القرآن الفاعلين لذلك بالعقوبة الإلهية، لما يترتب على هذا الأسلوب في الحكم من أخطاء، في سورة النور الآية 17:

يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

 

هذا وصلوا - رحمكم الله - على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك فقال في كتابه الكريم:

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

 

اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

المشاهدات 71 | التعليقات 0