إذا غاب العدل وقع الظلم .. ١٨ / ٨/ ١٤٤٧هـ

د عبدالعزيز التويجري
1447/08/17 - 2026/02/05 18:19PM

الخطبة الأولى: إذا غاب العدل وقع الظلم..         18/ 8/1447هـ

الحمدلله الولي الحميد يفعل مايشاء ويحكم مايريد ،وأشهد أن لا إله إلا الله ذو العرش المجيد وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه ومن تبعهم بإحسان على يوم الدين أما بعد

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}

لما رُميت الصديقةُ في الإفكِ وتأخرَ الوحيُ، وضاق الامرُعلى رسول الله r، قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فكَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَسْأَلُ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: «يَا زَيْنَبُ مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، والله مَا عَلِمْتُ على عائشة إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ r، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالوَرَعِ .

    بعضُ المعادنِ قد غلت أثمانُها  **  ما خالصُ الإبريزِكالفخارِ

    بين الخلائقِ في الخلالِ تفاوتٌ **  والشهدُ لا ينقاسُبالجمارِ

فمن تقول من النساءِ لمن تساميها في المنزلةِ عند زوجِهاأو من قريناتها (أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، مَا أعلم عن فلانة إِلَّا خَيْرًا "

من يحتمي بالورعِ لا يقع في ظلم التشفي والتنقص ليرتفع منزلة أو يحضى بجاهٍ  ، فينصف في كلامه ورأيه ،فلا يقول عن قرينهِ في العملِ او المنصبِ "أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، مَا أعلم عن فلانٍ  إِلَّا خَيْرًا "

يقع الظلم بين الزوجين إذا ظهرت الانانية، واحضرت الأنفس الشح ، ونُسي الحق وقع للإضرار وجرى الافتراء ..{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا}.

الظلم لا يقع إلا إذا غاب العدل في النفوس ، فمن لم ينصفك في كلامه لا ينصفك في مالك ..

    لن يدرك المجد أقوام ذوو كرم ... حتّى يذلّوا وإن عزوّا لأقوام

العدل من النفس والرحمة للناس عزٌّ وشهامه ، ورفعة وكرامه .. والظلم والبغي ذلٌ ومهانه ، وفي الآخرة نار وخساره ، ولو رآه الناس دهاءٌ شجاعة..

     فكم قد راينا ظالماً متكــــــبراً    ...    يرى النجم تيهاً تحت ظل ركابه

     فلما تمارى واستطال بجـــــــوره   ...   اناخت صروف الحادثات ببابه

    فلا فضة تحميه عند انفضاضه   ...   ولا ذهب يثنيه عند ذهابـــــــه

وصدق الله {وَمَا للظالمين من أنصارٍ} {وَمَا للظالمين من نصيرٍ}

لا يتجاسر عبد على الظلم والبغي إلا من اتنزعت من قلبهالرحمة ومن يده الإحسان.. فلا يرحم من يظلم ، ولا يحسن من يبغي ويتجبر..

 فكيف يرحم ويحسن من تضخمت أمواله من الاحتيال على من دونه في الحجة والبرهان، والقوة والسلطان، ورأى ذلك دهاء وذكاء {وَقد خَابَ من حمل ظلما}، خاب سعيه {وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين} وخاب مصيره{وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي منقلبٍ يَنْقَلِبُون}

لا تُنـجي كثرةُ السجدات والركعات ، والطواف بالبيت والوقوف بعرفات ، من كان لأموال العباد آكلاً ، ولحقوقهم جاحداً ولظلمه متأولاً بتنميته إن كان وراثاً أو قاصراً.. قال عليه الصلاة والسلام «يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا»أخرجه البخاري

{ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي بغي أشدُ على قريب من صغار أو نساء أن يؤكل مالهم ،     أو يُحرم حقهم بسبب وكيلٍ جائر ووصي جشع ..

يُظلم الناسُ بتأخير معاملاتهم، أوتعقيد إجراءاتهم ومصالحهم ، أو استيفاء ماعليهم وبخس مالهم{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}.

أتدرون ما الظلم الخفي ، الظلم المستتر من يحامي ويدافع ويرافع من يعلمُ أنه لا حق للمطالِب في هذا المال أو القضية شيئاً ، وإنما دفعه للمرافعة ما يعطى من مال أو نسبة إذا كسبها.. في صحيح الإمام البخاري قالت أمُ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: سمعت النبيَ g يقول: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلاَ يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»

لا يغتر من وجد من ظلمه واحتياله وتأويله سعة في المال وانبساطا في الحياة فإن هذا متاع قليل ، وفي الآخرة عذاب شديد {فويلٌ للَّذين ظلمُوا من عَذَاب يومٍ أليمٍ}.و«مَنْظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» متفق عليه .

وما من يدٍ إلاّ يد الله فوقها ... وما ظالمٌ إلاّ سيبلى بظالم

 

أستغفر الله لي ولكم وللمسلمين والمسلمات فاستغفروه إنه إن ربي رحيم ودود

 

الخطبة الثانية .. الحمد لله وكفى وسمع الله لمن دعىوصلى الله وسلم على الرسول المجتبى وعلى أله وصحبه ومن اقتفى وسلم تسليما كثيرا  

وأعظم الظلم واشنعه أن تظلم في حق الله وما تفرد الله به،فتجعل لله شريكاً في خلقه أو تدبيره أو عبادته {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.

والتفريط في حق الله ظلمٌ للنفس {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}

والرحمة منجات من الظلم وموجبة للجنة .. فمن رحم نفسه قادها للطاعات وكفها عن المعاصي والموبقات ..

وشهر رمضان قرب إهلاله وتلالأت أنواره .. فمن أراد النجاتوالمغفرة والرحمة فليتحلل من مظالمه ويرد الحقق إلى أهلها.. لعل الرحمة تصيبه، والمغفرة تغمره، والملائكة تحفه .. «فإِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» أخرجه مسلم ..

اللهم بلغنا رمضان على احسن حال واعنا فيه على الصيام والقيام وتلاوة القرآن..

اللهم خلصنا من مظالم العباد وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ..

اللهم آمنا في دورنا واوطاننا ومن اراد بهذه البلاد وأهلها ونسائها سوء فأشغله

اللهم اصلح ولاة أمورنا واجعلهم نصرة لهذا الدين حربا على المفسدين ..

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد..

 

5

 

المرفقات

1770304749_‎⁨إذا غاب العدل وقع الظلم⁩.docx

1770304749_‎⁨إذا غاب العدل وقع الظلم⁩.pdf

المشاهدات 326 | التعليقات 0