ابوذر الداعية الزاهد
د عبدالعزيز التويجري
الخطبة الأولى : أبوذر t الداعية الزاهد 10 /8 / 1447هـ
الحمدلله الذي كان بعباده خبيرا بصيرا ، وتبار الذي جعل في السماء بروجا وجعل سراجا وقمرا منيرا ، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هاديا ومبشرا ونذيرا ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .. أما بعد
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}
لغبـارُ أقدام الصحابة في الـردى .. أغلى وأعلى من جبـين الأبعــدِ
من غيرهم شـهد المشاهد كلهــا .. بـل من يشابهـهم بحُـسن تعبـدِ
أبو ذر وما أبو ذر .. صاحب المكرمات والفضائل ، إمامٌ العلمِورائدٌ الزهد ، الصادع بالحق الصادق بالقول .. أمّاراًبالمعروف ناهياً عن المنكر ، لا يخاف في الله لومة لائم..
ما قال كلمة ليربح ودًّا ، ولا سكت عن باطلٍ ليحفظ مقاماً .. ضُرب في ذات الله حتى سال منه الدم فأصبح كأنه نصب أحمر..
ترجم له الإمام الذهبي في السير فمجّده وأعلى من شأنه ،وذكر أنه خامس خمسة في الإسلام .
ما أن سمع أبوذرٍ بالإسلام حتى امتطى راحلته ، وقطع الفيافي والقفار يبحث عن الحق ، ذكر ذلك البخاري في صحيحه في قصةٍ طويلةٍ عجيبةٍ فريدة .. تنبؤك كيف تهون الدنيا عند العظماء، وكيف ترخص مُهج الأكابر أمام الحق.
قَالَ أبو ذر رضي الله عنه فلما سمعت بالإسلام قدمت مكة فلَبِثْتُ ثَلَاثِينَ لَيْلَة، مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ فَقَالَ: كَأَنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ؟، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَى المَسْجِدِ، فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ، فَقَالَ: أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ بَعْدُ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: انْطَلِقْ مَعِي، فَقَالَ مَا أَمْرُكَ، قُلْتُ لَهُ: بَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ هَا هُنَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَقَالَ علي: أَمَا إِنَّكَ قَدْ رَشَدْتَ، هَذَا وَجْهِي إِلَيْهِ فَاتَّبِعْنِي، فَمَضَى وَمَضَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ عَلَى النَّبِيِّ r، فَقُلْتُ لَهُ: اعْرِضْ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ، فَعَرَضَهُ فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي، فَقَالَ لِي: «يَا أَبَا ذَرٍّ، اكْتُمْ هَذَا الأَمْرَ، وَارْجِعْ إِلَى بَلَدِكَ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ» فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَجَاءَ إِلَى المَسْجِدِ وَقُرَيْشٌ فِيهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلٍّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ، حَتَّى خَرَرْتُمَغْشِيًّا عَلَيَّ، قَالَ: فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ،فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ إِسْلاَمِ أَبِي ذَرٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ " أخرجه البخاري
ولما تحمل أبو ذر حمالة الإسلام مضى إلى قومه يدعوهمللإسلام، ولما قدم النبي r المدينة أتى أبو ذر بقبيلة غفار يقودها وقد دخلوا في دين الله...{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}
هذا هو الفتح للإنسان ، هذا هو المشروع العظيم أن تحمل الهداية لغيرك، أن لاتكن أنانياً، وأن يبلغ دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، أن تسعى لإنقاذ الناس من الضلالة بلغوا عني ولو آية .. أن ترشد الناس للحق أن تبذل النصيحة لكل مسلم ..
أن تغار لدين الله .. أن تأمر بالمعروف وتنهى عن منكر بلسانك أو قلمك أو جاهك.. هذا وربي ثمرات الصدق مع الله..
يأتي أبو ذرٍ يوم القيامه وفي ميزان حسناته قبيلة غفار ..أرأيتم عطاءً للإسلام كهذا العطاء{لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم} فكيف لو هدى الله على يديك فئآم من الناس.
هذي المكارم والعلياء تفتخرُ ... بيومِ مأثرة ساعاتهُ غررُ
ومن الناس من يتحمل أوزار الأمة ببدعة نشرها أو بمنكر اشاعة ، أو بباطلٍ نشره.
بالتضحية والبذل نال أبو ذر حضوة عند المصطفى r
قال الدرداءt :كان رسول الله r يَبْتَدِئُ أَبَا ذَرٍّ إِذَا حَضَرَ، وَيَتَفَقَّدُهُ إِذَا غَابَ.
تلك منزلة لأهل الفضل والمكرمات تفتقد مجالسهم ، وتحيىالأرض بهم.
وقيمة الإنسان بما يحمل .. سُئل عليٌ عن أبي ذر؛ فقال: وَعَى عِلْماً عَجِزَ عَنْهُ، وَكَانَ شَحِيْحاً عَلَى دِيْنِهِ. ( أي أنه يخاف على دينه أن يحصيبه شيء )
وفي صحيح مسلم قال الأحنف فقلت لأبي ذر: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟ قَالَ: خُذْهُ فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً، فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ.
وفي المسند الإمام أحمد : قال أبو ذر: بَايَعَنِي رسول الله rوَوَاثَقَنِي أَنْ لاَ أَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ .
قال الإمام الأوزاعي: حدثني أبو كثير، عن أبيه، قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجل، فوقف عليه، فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا..
فرفع رأسه، ثم قال: أرقيب أنت علي! لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار بيده إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله r قبل أن تجيزوا علي، لأنفذتها .
قال علي t: لم يبق أحد لا يبالي في الله لومة لائم، غيرُ أبي ذر.
كان أبو ذر يهب لنصرة الإسلام ولو مشيا على قدميه .
قال أهل السير" لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللهِ r إِلَى تَبُوكَ جَعَلَ لَا يَزَالُ يَتَخَلَّفُ الرَّجُلُ، فَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ تَخَلَّفَ فُلَانٌ، فَيَقُولُ: «دَعُوهُ، إِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللهُ تَعَالَى بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ» حَتَّى قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ، وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ، فَقَالَ: « إِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللهُ بِكُمْ» فَيَلْزَمُ أَبُو ذَرٍّ بَعِيرَهُ فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ، أَخَذَ مَتَاعَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَتْبَعُ رَسُولَ اللهِ r مَاشِيًا، فنَظَرَ نَاظِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r: «كُنْ أَبَا ذَرٍّ» ، فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ الْقَوْمُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ وَاللهِ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r: «يَرْحَمُ اللهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ»
فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِنْ ضَرْبِهِ، وَسُيِّرَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى امْرَأَتَهُ وَغُلَامَهُ: إِذَا مُتُّ فَاغْسِلَانِي وَكَفِّنَانِي ثُمَّ احْمِلَانِي فَضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّونَ بِكُمْ فَقُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ. فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا بِهِ كَذَلِكَ فَاطَّلَعَ رَكْبٌ فَمَا أُعْلِمُوا بِهِ حَتَّى كَادَتْ رَكَائِبُهُمْ تُوطَأُ سَرِيرَهُ، فَإِذَا ابْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: جِنَازَةُ أَبِي ذَرٍّ، فَاسْتَهَلَّ ابْنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ r: «يَرْحَمُ اللهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ» فَنَزَلَ فَوَلِيَهُ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَجَنَّهُ . أخرجه البيهقي وغيره.
قال الذهبي: وخلف أبا ذر بنتا له، فضمها عثمان إلى عياله. رضي الله عنهم وأرضاهم وسلام على أبي ذر يوم أسلم ولم ينافق ، ويوم قال ولم يجامل ، ويوم مات فترك علماً وأثرا...
أستغفر الله لي ولكم وللمسلمين والمسلمات فاستغفروه إن ربي رحيم ودود.
الخطبة الثانية :الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين أما بعد
اعمل لدينك ولو بالقليل فلا قليل مع الإخلاص ، ولا بركة ولا قبول بالمرآة وحب الظهور .. كل من تحمل الإسلام فعليه تبليغه ونشره.. تعليم وتوجيه ، دعوة ونصيحة، في الطريق والمدرسة وفي المسجد والعمل.. تَحَمّل ضمام بن ثعلبة من النبي g خمس أحكام تحْمِلُ مباني الإسلام العظام .. فقال «آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي" فأصبح داعية وموجه ومربي .. فخرج وهو يردد : والله لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ : «لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ»
فكم تحملنا وعلمنا وتعلمنا وعلمنا من احكام الإسلام ،فالحملُ كبير والواجب عظيم ..
يعلمنا أبوذر بسيرته أن المرء بقدر ما يحمل بقدر ما يرتفع اسمه ويبقى ذكره ، وأن من يبحث عن إشهار اعماله أو تزكيات لأفعاله ومنجزاته فإنما حضّه منها معرفة الناس بها واطلاعهم عليها..فما يبقى إلا ما كان خالصاً لله ولا ينتفع الناس إلا بما اريد به وجه الله..
يجب أن يُعلم أن ما يصنعه الإعلام الساقط من محتوى هابط، وإبراز لقدواتٍ واعلام في الفنِ والرياضة ، إنما هم مجرد رقم بشري لا قيمة لهم في عالم المعارف والمنجزات.. وما حضهم من الإنتاج والمخرجات، إلا أصوات تنهق ، وقفزات وركلات..
ومن أراد الأعلام والقدوات فهي من خلد التاريخ اسمهم ،وسطرت المحابر منجزاتهم ورددت الأجيال الدعاء لهم ، وانارت البشرية بنفعهم وعطائهم .
أَولَئِكَ آبَائِي فَجِئنِي بِمِثْلِهمْ ... إِذَا جَمَعتنا يَا جَريرُ المجَامعُ
اللهم اهد قلوبنا واصلح اعمالنا واخلص نياتنا واحفظنا وازواجنا وذريتنا من مضلات الفتن
اللهم آمنا في دورنا وأصلح ولاة أمورنا r..
1
المرفقات
1769698226_أبوذر الداعية الزاهد.docx
1769698227_أبوذر الداعية الزاهد.pdf