اجعلْه جملاّ

د. سلطان بن حباب الجعيد
1447/10/28 - 2026/04/16 13:58PM

                               

 

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ المالَ والبَنِينَ زِينَةً، وجَعَلَ مِن صَلاحِهِم ودُعائِهِم لِلمَرْءِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَالخَزِينَةِ، يَنْتَفِعُ بِها بَعْدَ أَنْ أَضْحَى لِما كَسَبَتْ يَداهُ رَهِينَةً.

والصَّلاةُ والسَّلامُ على ساكِنِ المَدِينَةِ، ذِي الخِصالِ الجَمِيلَةِ، والخِلالِ الحَمِيدَةِ، والطَّرِيقَةِ المُسْتَقِيمَةِ، الَّتِي مَنْ تَنَكَّبَها مُنِيَ بِنَفْسٍ بَائسةٍ  حَزِينَةٍ.

 

أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ، وَرَبُّوا أَوْلادَكُمْ على تَقْواهُ، حتّى تَتَّقُوا بِذلِكَ وإيّاهُمْ عَذابَ اللَّهِ.

قالَ تَعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا قوا أَنفُسَكُم وَأَهليكُم نارًا وَقودُهَا النّاسُ وَالحِجارَةُ، عَلَيها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ، لا يَعصونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُم وَيَفعَلونَ ما يُؤمَرونَ﴾ [التحريم: ٦].

 

وبَعْدُ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ: في زَمَنٍ كَهذَا الزَّمَنِ، يَجِبُ التَّذْكِيرُ والحَديثُ عَنْ واجِبٍ مِن أَوْجَبِ الواجباتِ وآكَدِها، وَهُوَ تَرْبِيَةُ الأَوْلادِ وتَنْشِئَتُهُمْ نَشْأَةً صالِحَةً.

 

قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّكُمْ راعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ راعٍ عَلَيْهِم، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ راعٍ على أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالمَرْأَةُ راعِيَةٌ على بَيْتِ بَعْلِها وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ راعٍ على بَيْتِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ؛ أَلا فَكُلُّكُمْ راعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». [البخاري ومسلم].

 

هذَا الواجبُ الَّذِي عَواقِبُ التَّفْرِيطِ فيهِ خَطِيرَةٌ، وَنَتائِجُهُ كارِثِيَّةٌ، سَواءٌ في الدُّنْيا أَوِ الآخِرَةِ. أَمَّا في الدُّنْيا فَبِتَنَكُّبِهِمُ الصِّراطَ، وانْحِرافِهِمْ إلى دُرُوبِ الغَوايَةِ الفِكْرِيَّةِ والسُّلُوكِيَّةِ. وَأَمَّا في الآخِرَةِ فَبِأَنْ يُدْرِكَهُمْ عَذابُ اللَّهِ وَمَقْتُهُ، إِنْ لَمْ يَتَدارَكْهُمْ بِرَحْمَتِهِ.

قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الخاسِرينَ الَّذينَ خَسِروا أَنفُسَهُمْ وَأَهليهِم يَومَ القِيامَةِ، أَلا ذلِكَ هُوَ الخُسرانُ المُبينُ﴾ [الزمر: ١٥].

 

والحَديثُ عَنِ التَّرْبِيَةِ ذُو شُجُونٍ، وَجَوانِبُ كَثِيرَةٌ، تَسْتَدْعِي الحَديثَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.

 

والجانِبُ الَّذِي أَرْغَبُ في تَناوُلِهِ، سَأُصَدِّرُهُ بِقَوْلٍ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَقَدْ سُئِلَ: «كَيْفَ تَرى ضالَّةَ الغَنَمِ؟» فَقالَ: «خُذْها، فَإِنَّما هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ». ثُمَّ سُئِلَ: «كَيْفَ تَرى في ضالَّةِ الإِبِلِ؟» فَقالَ: «دَعْها؛ فَإِنَّ مَعَها حِذاءَها وَسِقاءَها، تَرِدُ الماءَ، وَتَأكُلُ الشَّجَرَ حتّى يَجِدَها رَبُّها». [البخاري ومسلم].

 

ومَعْنَى هذَا الكَلامِ أَنَّ الغَنَمَ ضَعِيفَةٌ، لا تَسْتَطِيعُ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِها، فَإِنْ لَمْ يَأخُذْها مَنْ وَجَدَها فَيَحْفَظَها حتّى يَأْتِيَ صاحِبُها؛ أَكَلَها الذِّئْبُ، بِخِلافِ الإِبِلِ القَوِيَّةِ، الَّتِي مَعَها ما يَقِيها شَرَّ العَوَادِي.

 

وقد يَسْأَلُ سائِلٌ: ما عَلاقَةُ الحَديثِ النَّبَوِيِّ هذَا بِالتَّرْبِيَةِ؟ فَأَقُولُ: مِنَ المُمْكِنِ أَنْ نَسْتَدْعِيَ هذَا الحَديثَ وَنَتَذَكَّرَهُ في عالَمِ التَّرْبِيَةِ؛ فَإِذا تُرِكَ الأَوْلادُ بِلا تَنْشِئَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، تَبْنِي عُقُولَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ، وَتَغْرِسُ فيهِمُ الإِيمانَ وَمُراقَبَةَ اللَّهِ في السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَتُعَزِّزُ فيهِمُ التَّفْكِيرَ السَّلِيمَ وَالمَنْطِقِيَّ، الَّذِي يُمَكِّنُهم من الاسْتِقْلالَ الفِكْرِيَّ، وَتَرْكَ الإِمَّعِيَّةِ وَالتَّبَعِيَّةِ، فَيَعْرِفُوا الحَقَّ بِدَلائِلِهِ فَيَتَّبِعُوهُ، وَلا يَخْفَى عَلَيْهِمُ الباطِلُ مَهْما تَزَخْرَفَ فَيَجْتَنِبُوهُ؛ كانُوا بِذلِكَ كَضالَّةِ الغَنَمِ الضَّعِيفَةِ، عُرْضَةً لِأَيِّ مُعْتَدٍ، فَتَفْتَرِسُ الشُّبُهاتُ عُقُولَهُمْ، وَالشَّهَواتُ قُلُوبَهُمْ، يَذْهَبُونَ مَعَ كُلِّ دِعايَةٍ ذاتَ اليَمِينِ وَأُخْرَى ذاتَ الشِّمالِ، يَتَبَنَّوْنَ الفِكْرَةَ وَنَقِيضَها، اليَوْمَ على سُلُوكٍ وَمَوْقِفٍ، وَغَدًا على نَقِيضِهِ، كُلُّ ذلِكَ بِحَسَبِ العَوَادِي الَّتِي تُوَجِّهُهُمْ، وَلا يَمْلِكُونَ الإِرادَةَ لِدَفْعِ كُلِّ ذلِكَ.

 

ولِسانُ حالِهِمْ ما قالَهُ عِمْرانُ بنُ حِطّانَ:

             يَوْمًا يَمانٍ إِذا لاقَيْتُ ذا يَمَنٍ

                              وَإِنْ لَقِيتُ مَعَدِّيًّا فَعَدْنانِي

 

وإمّا العَكْسُ، فَيَكُونُونَ بِذلِكَ كَضالَّةِ الإِبِلِ، الَّتِي مَعَها ما تَمْتَنِعُ بِهِ عَنِ العَوَادِي، فَهُمْ في مَأْمَنٍ مِنَ الشُّبُهاتِ؛ لَدَيْهِمْ مِنَ القُدْرَةِ على التَّفْكِيرِ ما يَعْرِفُونَ بِهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، وَكَذلِكَ في مَأْمَنٍ مِنَ الشَّهَواتِ؛ لَدَيْهِمْ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ وَمُراقَبَتِهِ ما يَحْجُزُهُمْ عَنْ ذلِكَ.

 

وَيَتَأَكَّدُ ذلِكَ -مَعْشَرَ الإِخْوَةِ- في الأَزْمِنَةِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا الشَّرُّ وَيَتَزَخْرَفُ، وَلا يَجِدُ الحَقُّ ناصِرًا، بَلْ رُبَّما شُوِّهَ وَحُورِبَ.

 

في مِثْلِ هذِهِ الأَزْمِنَةِ، إِنْ لَمْ نَجْعَلْ مِمَّنْ هُمْ تَحْتَ أَيْدِينَا جِمالًا قَوِيَّةً، ذاتَ أَنَفَةٍ، تَرِدُ الحَقَّ وَتَجْتَنِبُ الباطِلَ، وَتَمْتَنِعُ مِنَ الذِّئابِ وَالكِلابِ الضَّالَّةِ وَالمُضِلَّةِ، وَإِلَّا فَاعْلَمْ أَنَّكَ خَسِرْتَهُمْ، وَأَصْبَحُوا فَرِيسَةً سَهْلَةً ضَعِيفَةً أَمامَ طُوفانِ الفِتَنِ الجارِفَةِ، وَالدِّعايَةِ المُضِلَّةِ، وَسَيُفاجِئُكَ حَمْلُكَ الوَدِيعُ يَوْمًا -وَلَدًا كانَ أَوْ بِنْتًا- بِأَفْكارٍ تَتَناقَضُ مَعَ كُلِّ الثَّوابِتِ الدِّينِيَّةِ وَالأَخْلاقِيَّةِ وَالعَقْلِيَّةِ وَالفِطْرِيَّةِ.

 

أَقُولُ ما تَسْمَعُونَ…

 

الثَّانِيَةُ:

وبَعْدُ: ما مَرَّ -أَيُّهَا الإِخْوَةُ- هُوَ التَّرْبِيَةُ القائِمَةُ على بِنَاءِ النَّفْسِ بِنَاءً صَحِيحًا؛ لِيَفْتَرِقَ هذَا الأُسْلُوبُ عَنِ التَّرْبِيَةِ القائِمَةِ على التَّلْقِينِ، بِأَنْ هذَا صَوابٌ وَهذَا خَطَأٌ.

 

بَلِ الواجِبُ أَنْ يَعْرِفُوا لِماذا هُوَ صَوابٌ، وَلِماذا هُوَ خَطَأٌ؟!

 

وَهُوَ أُسْلُوبٌ تَرْبَوِيٌّ شاقٌّ، يَحْتاجُ إِلى الكَثِيرِ مِنَ القُرْبِ مِنْ أَبْنائِنا، وَالكَثِيرِ مِنَ التَّحَدُّثِ مَعَهُمْ، وَالكَثِيرِ مِنِ ابْتِكارِ الوَسائِلِ وَالأَسالِيبِ الَّتِي تُمَكِّنُنا مِنْ غَرْسِ القِيَمِ في نُفُوسِهِمْ وَتَرْسِيخِها، وَالكَثِيرِ مِنَ الأَمْوالِ في سَبِيلِ صَقْلِ مَواهِبِهِمْ وَقُدُراتِهِمْ، وَقَبْلَ كُلِّ ذلِكَ تَمَثُّلُ كُلِّ هذَا قُدْوَةً عَمَلِيَّةً مِنْ قِبَلِ الوالِدَيْنِ.

 

وَيحتاجُ أيضاّ إلى تركِ الاِقْتِصارِ على التَّرْبِيَةِ القائِمَةِ على تَلْبِيَةِ الطَّلَباتِ، وَتَلْبِيَةِ الحاجاتِ؛ فَإِنَّ ذلِكَ يَبْنِي جَسَدًا لا إِنْسانًا صالِحًا.

 

كَمْ هُوَ مُؤْسِفٌ أَنْ نُفْلِحَ في بِنَاءِ الدُّورِ وَالقُصُورِ وَالثَّرَواتِ، ثُمَّ نُخْفِقَ في بِنَاءِ الإِنْسانِ الَّذِي تَحْتَ أَيْدِينَا؟!

 

           يَبْنِي الرِّجالُ وَغَيْرُهُ يَبْنِي القُرَى

                              شَتَّانَ بَيْنَ قُرًى وَبَيْنَ رِجالٍ

 

فَاتَّقُوا اللَّهَ في أَبْنائِكُمْ وَبَناتِكُمْ، فَإِنَّ المَسْؤُولِيَّةَ كَبِيرَةٌ، وَالخَطَرُ مُحْدِقٌ.

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَبْناءَنا، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَاكْلَأْهُمْ بِرِعايَتِكَ، وَقِهِمْ شَرَّ شَياطِينِ الإِنْسِ وَالجِنِّ

 

وَاجْعَلْ لَنا -يا اللَّهُ- مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ

 

المرفقات

1776337075_اجعله جملا ( وورد).docx

1776337075_اجعله جملاّ ( pdf).pdf

المشاهدات 402 | التعليقات 0