استِغلالُ الفُرَصِ

أحمد بن عبدالله الحزيمي
1447/11/13 - 2026/04/30 18:17PM

 

استِغلالُ الفُرَصِ
الحَمْدُ للهِ، الحَمْدُ للهِ الَّذي يُنْعِمُ عَلَى عِبادِهِ بِقَبُولِ الطَّاعَاتِ، وَيُوالِي عَلَيْهِمْ فُرَصَ الخَيْرِ وَالبَرَكَاتِ؛ لِيَرْفَعَ لَهُمُ الدَّرَجاتِ، وَيَمْحُوَ عَنْهُمُ السَّيِّئاتِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَخْيارِ، وَصَحابَتِهِ الأَطْهارِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسانٍ ما تَعاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ.

أَمَّا بَعْدُ مَعاشِرَ المُؤْمِنِينَ: فَإِنَّ وَصِيَّةَ اللهِ تَعالى لِلأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ هِيَ تَقْواهُ سُبْحانَهُ جَلَّ فِي عُلاهُ؛ فَهِيَ العِزُّ وَالفَوْزُ وَالنَّجاةُ، ما خابَ مَنِ اسْتَمْسَكَ بِها، وَما أَفْلَحَ مَنْ تَرَكَها، قالَ تَعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 100].

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسابٍ»، قالوا: وَمَنْ هُمْ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: «هُمُ الَّذِينَ لا يَكْتَوُونَ، وَلا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، فَقامَ عُكَّاشَةُ فَقالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ»، ثُمَّ قامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قالَ: «سَبَقَكَ بِها عُكَّاشَةُ». (رواه مسلم).

عِبادَ اللهِ: الفُرَصُ وَالمِنَحُ، وَالفَوْزُ وَالفَلاحُ، عَطايا إِلَهِيَّةٌ، المُوَفَّقُ مَنْ يُبادِرُ إِلَيْها، وَيَجِدُّ وَيَجْتَهِدُ فِي اغْتِنامِها، وَلا يَدَعُها تَفُوتُ أَبَدًا، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَعْمُرُ وَطَنَهُ، وَيُعْلِي شَأْنَ أُمَّتِهِ.

وَالفُرْصَةُ يا عِبادَ اللهِ قَدْ تَكُونُ قُرْبَةً وَطاعَةً رَتَّبَ عَلَيْهَا المَوْلَى الكَرِيمُ أَجْرًا عَظِيمًا، أَوْ عَمَلًا خَيْرِيًّا يَتَعَدّى نَفْعُهُ إِلَى غَيْرِهِ، أَوْ مُشَارَكَةً فِي بِنَاءِ وَطَنٍ وَتَنْمِيَةٍ، وَقَدْ تَكُونُ مَنْصِبًا رَفِيعًا أَوْ جَاهًا كَرِيمًا يُسَخِّرُهُ صَاحِبُهُ لِنَفْعِ بِلادِهِ وَمُجْتَمَعِهِ.

وَصَاحِبُ الهِمَّةِ العَالِيَةِ مَنْ يَصْنَعُ لِنَفْسِهِ الفُرَصَ وَلا يَنْتَظِرُهَا تَطْرُقُ بَابَهُ، بَلْ يُبَادِرُ فِي تَحْصِيلِهَا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا أَوِ الآخِرَةِ.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: هَذَا الدِّينُ لا يُرَبِّي أَتْبَاعَهُ عَلَى الانتِظَارِ، بَلْ عَلَى المُبَادَرَةِ وَالمُسَابَقَةِ وَانْتِهَازِ الفُرَصِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، وَقَالَ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.

وَقَالَ ﷺ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ».

وَقَالَ ﷺ: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ نَدَمِي عَلَى يَوْمٍ غَرَبَتْ شَمْسُهُ، نَقَصَ فِيهِ أَجَلِي وَلَمْ يَزِدْ فِيهِ عَمَلِي».

مَعاشِرَ المُؤمِنِينَ: إِنَّ كُلَّ فُرْصَةٍ فِي الخَيْرِ غَنِيمَةٌ عَظِيمَةٌ، لا يُسْتَهَانُ بِهَا وَإِنْ صَغُرَتْ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ أَوْ قَلَّ قَدْرُهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَلا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ.

وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» قَالَ ﷺ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ».

وَكُلَّمَا صَدَقَ العَبْدُ فِي سَعْيِهِ، وَارْتَفَعَ عَنْ نَزَوَاتِهِ وَشَهَوَاتِهِ، كَانَ أَحْرَصَ عَلَى اغْتِنَامِ الفُرَصِ، وَأَسْبَقَ إِلَى الخَيْرَاتِ، فَيَرْتَقِي وَيَسْبِقُ وَيُنافِسُ غَيْرَهُ، قالَ تَعالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.

فَيا عَبْدَ اللهِ: اغْتَنِمِ الفُرْصَةَ قَبْلَ فَوَاتِهَا، وَتَذَكَّرْ أَنَّ الفُرَصَ نِعَمٌ، وَالنِّعَمَ إِذَا ذَهَبَتْ رُبَّمَا لا تَعُودُ، قالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: مَنْ فَوَّتَ فُرْصَةَ الطَّاعَةِ حُرِمَ نُورَهَا فِي قَلْبِهِ، وَبَرَكَتَهَا فِي عُمْرِهِ، وَأَثَرَهَا فِي عَمَلِهِ، وَقَدْ يُعَاقَبُ بِأَنْ يُصْرَفَ عَنْ مِثْلِهَا فَلا يُوَفَّقُ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ.

أَخِي المُبَارَكُ:
اغْتَنِمِ الحَيَاةَ؛ فَمَنْ مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَفَاتَ أَمَلُهُ، وَحَقَّ نَدَمُهُ.
وَاغْتَنِمِ الصِّحَّةَ؛ فَمَنْ مَرِضَ ضَعُفَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ العَمَلِ، وَتَمَنَّى لَوْ صَامَ وَصَلَّى.
وَاغْتَنِمِ الفَرَاغَ قَبْلَ أَنْ تُدَاهِمَكَ الشَّوَاغِلُ وَتَشْغَلَكَ صَوَارِفُ الأَيَّامِ.
وَاغْتَنِمِ الشَّبَابَ قَبْلَ أَنْ يَكْبُرَ سِنُّكَ، وَيَضْعُفَ جِسْمُكَ، وَتَعْجِزَ أَعْضَاؤُكَ.
وَاغْتَنِمِ الغِنَى قَبْلَ أَنْ تَفْقِدَ مَالَكَ أَوْ يَرْحَلَ عَنْكَ.

أيُّهَا الكِرَامُ:
المَوَاسِمُ الفَاضِلَةُ فُرَصٌ مُتَجَدِّدَةٌ، وَهِبَاتٌ عَظِيمَةٌ يَسْتَثْمِرُهَا العُقَلَاءُ؛ حَجٌّ يَغْسِلُ الذُّنُوبَ، وَعُمْرَةٌ تُكَفِّرُ الخَطَايَا وَالآثَامَ، وَرَمَضَانُ بِجَلالِ نَهَارِهِ وَنَفَحَاتِ لَيَالِيهِ.

حَتَّى أَهْلُ المُصِائب فُرْصَتُهُمْ ظَاهِرَةٌ، الفَوْزُ بِالصَّبْرِ، وَالرِّضَا بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ.

أَيُّهَا الفُضَلَاءُ:
المُسْلِمُ الفَطِنُ صَاحِبُ الهِمَّةِ العَالِيَةِ يُنَمِّي المُبَادَرَةَ الذَّاتِيَّةَ، فَيَصْنَعُ لِنَفْسِهِ فُرَصًا، وَيُوَلِّدُ أَعْمَالًا هَادِفَةً، لِكُسْبِ الأَجْرِ وَاسْتِثْمَارِ الوَقْتِ وَالحَيَاةِ، فَيَنْفَعُ ذَاتَهُ وَيُنَمِّي زَادَهُ، وَيَخْدِمُ وَطَنَهُ وَأُمَّتَهُ. وَالسَّعِيدُ مَنْ جَعَلَ كُلَّ مَوْسِمٍ مِنْ مَوَاسِمِ حَيَاتِهِ فُرْصَةً لِطَهَارَةِ نَفْسِهِ وَنَمَاءِ حَيَاتِهِ، فَيَأْخُذُ الزِّمَامَ، وَيُسَابِقُ الزَّمَنَ، وَيُبَادِرُ إِلَى المَعَالِي.

أَمَّا إِذَا غَابَتِ المُبَادَرَةُ، وَسَادَتْ رُوحُ الاتِّكَالِيَّةِ، فَاتَتْ عَلَى المُسْلِمِ فُرَصٌ ثَمِينَةٌ، وَمَكَاسِبُ عَظِيمَةٌ، وَتَعَطَّلَتْ طَاقَاتُهُ، وَانْطَفَأَ أَثَرُهُ فِي مَيَادِينِ الخَيْرِ.

وَهَذَا يَقْتَضِي -أُمَّةَ الإِسْلَامِ- أَنْ نَصُوغَ حَيَاتَنَا بِالتَّرْبِيَةِ الجَادَّةِ، وَاغْتِنَامِ الفُرَصِ لِنَرْقَى فِي الدُّنْيَا وَنَسْمُو بِالحَيَاةِ وَنَأْمَنَ فِي دَارِ القَرَارِ.

أَيُّهَا المُسْلِمُ: الفُرْصَةُ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْكَ الآنَ قَدْ لا تَتَكَرَّرُ، اللَّحْظَةُ الَّتِي تَعِيشُهَا قَدْ لا تَعُودُ، البَابُ المَفْتُوحُ الآنَ قَدْ يُغْلَقُ فَجْأَةً.

فَإِنْ لَمْ تُبَادِرِ الآنَ فَمَتَى؟ وَإِنْ لَمْ تَبْدَأِ اليَوْمَ فَمَتَى؟

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
لَيْسَتِ الفُرَصُ سَوَاءً، فَأَعْظَمُهَا قَدْرًا وَأَبْقَاهَا أَثَرًا مَا قَرَّبَكَ مِنْ رَبِّكَ وَرَفَعَ دَرَجَتَكَ فِي جَنَّتِهِ، فَاغْتَنِمُوا هَذِهِ الفُرَصَ، وَانْتَهِبُوهَا قَبْلَ فَوَاتِهَا، وَاقْتَنِصُوهَا قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُهَا، وَلَا تُفَرِّطُوا وَلَا تُسَوِّفُوا، فَإِنَّ الغَدَ الَّذِي تُعَلِّقُونَ عَلَيْهِ آمالَكُمْ قَدْ لَا يُكْتَبُ لَكُمْ بُلُوغُهُ، فَبَادِرُوا قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ العَمَلِ، فَمَا مَضَى مِنْ أَعْمَارِكُمْ قَدِ انْطَوَى، وَمَا بَقِيَ مِنْهَا لَيْسَ بِأَيْدِيكُمْ.

اللَّهُمَّ أَيْقِظْ قُلُوبَنَا مِنَ الغَفْلَةِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ المُبَادِرِينَ لَا مِنَ المُؤَجِّلِينَ، وَمِنَ السَّابِقِينَ لَا مِنَ المُتَأَخِّرِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.

                  

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَتَحَ لِعِبَادِهِ أَبْوَابَ الخَيْرَاتِ، وَجَعَلَ أَعْمَارَهُمْ مَيْدَانًا لِلتَّنَافُسِ فِي الطَّاعَاتِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، أَمَّا بَعْدُ:

بَادِرِ الفُرْصَةَ وَاحْذَرْ فَوْتَهَا *** فَبُلُوغُ العِزِّ فِي نَيْلِ الفُرَصِ
وَاغْتَنِمْ عُمْرَكَ إِذْ بَانَ الصِّبَا *** فَهْوَ إِنْ زَادَ مَعَ الشَّيْبِ نَقَصَ

التَّسْوِيفُ -عِبَادَ اللَّهِ- يُضَيِّعُ الفُرَصَ، فَتَتَزَاحَمُ الأَعْبَاءُ، وَتَتَأَخَّرُ الأَعْمَالُ، وَيَتَشَتَّتُ الفِكْرُ، فَلَا يُبْصِرُ الفُرَصَ وَلَا يُنْجِزُ العَمَلَ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: «مِنَ القُوَّةِ أَلَّا تُؤَخِّرَ عَمَلَ اليَوْمِ إِلَى الغَدِ».

وَالفُرَصُ يَقْتُلُهَا التَّرَدُّدُ، الَّذِي يُفَوِّتُ الفَوْزَ وَيُبْقِي المَرْءَ فِي مَكَانِهِ وَالرَّكْبُ يَسِيرُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].

وَلَا شَيْءَ يُضَيِّعُ الفُرَصَ مِثْلَ التَّرَدُّدِ، وَقَدِيمًا قِيلَ:

إِذَا كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فَكُنْ ذَا عَزِيمَةٍ *** فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأْيِ أَنْ تَتَرَدَّدَا

وَمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الغَفْلَةُ فَوَّتَ الفُرَصَ، وَأَضَاعَ النِّعَمَ، وَأَهْدَرَ الأَوْقَاتَ فِي اللَّهْوِ، وَاللَّهْثِ وَرَاءَ الدُّنْيَا وَمُتَعِهَا الزَّائِلَةِ، حَتَّى يُفَاجَأَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِيَوْمِ الحَسْرَةِ، وَتَظْهَرَ النَّدَامَةُ العُظْمَى حِينَ يَطْلُبُ أَهْلُ الشَّقَاءِ الرَّجْعَةَ وَالفُرْصَةَ مرةً أخرى، فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾، فَيَأْتِيهِمُ الجَوَابُ الَّذِي يُقْفِلُ بَابَ الأَمَلِ: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ فَوَاتِ الفُرَصِ وَضَيَاعِ الخَيْرَاتِ قِلَّةُ التَّوْفِيقِ وَالبَرَكَةِ، وَضَعْفُ التَّضَرُّعِ وَالِانْطِرَاحِ وَالِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى، وَالتَّقْصِيرُ فِي طَلَبِ عَوْنِهِ وَتَسْدِيدِهِ؛ فَمَتَى ضَعُفَ الِارْتِبَاطُ بِاللهِ، مَرَّتْ فُرَصُ الخَيْرِ أَمَامَ العَبْدِ دُونَ أَنْ يَظْفَرَ بِهَا أَوْ يَنْتَفِعَ مِنْهَا.

وَتَذَكَّرُوا صُورَةً مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي تَمُرُّ عَلَيْنَا كُلَّ سَنَةٍ: مَوْسِمَ رَمَضَانَ، العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْهُ، تَحَرِّي لَيْلَةِ القَدْرِ، عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ، يَوْمَ عَرَفَةَ، أَيَّامًا جَلِيلَةً وَمَوَاسِمَ عَظِيمَةً، ضَاعَتْ عَلَى الكَثِيرِ وَلَمْ يُدْرِكُوهَا حَقًّا، فَفَاتَتْ عَلَيْهِمُ الفُرَصُ وأفلتت!

أَيُّهَا الإِخْوَةُ:
نَحْنُ الآنَ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ فُرْصَةٍ عَظِيمَةٍ جِدًّا، العَمَلُ فِيهَا يَفُوقُ أَجْرَ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَلَا وَهِيَ أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ. فَهَلْ يَا تُرَى حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ بِهَا؟ وَهَلْ أَعْدَدْتَ لَهَا مِنَ الآنِ؟ وَهَلْ يَا تُرَى سَتَكُونُ فُرْصَتَكَ وَغَايَتَكَ وَأَمَلَكَ؟ نَرْجُو اللَّهَ ذَلِكَ.

أَلَا فَبَادِرُوا قَبْلَ أَنْ تُحْجَبُوا، وَسَابِقُوا قَبْلَ أَنْ تُسْبَقُوا، وَاغْتَنِمُوا أَعْمَارَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُطْوَى صَحَائِفُهَا؛ فَإِنَّمَا هِيَ أَيَّامٌ مَعْدُودَةٌ، وَأَنْفَاسٌ مَحْدُودَةٌ، وَسَاعَاتٌ إِنْ ذَهَبَتْ لَا تَعُودُ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِطَاعَتِكَ وَمَرْضَاتِكَ، وَاسْلُكْ بِنَا سَبِيلَ الصَّالِحِينَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ المُخْلِصِينَ، وَاكْتُبْنَا فِي وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ، وَأَدِمْ عَلَيْنا نعمة الْأَمْنَ وَالْإِيمَانَ، وَالِاسْتِقْرَارَ وَالِاطْمِئْنَانَ، اللهم احْفَظْ أَمْنَنَا وَإيْمَانَنَا وَجُنُودَنَا وَحُدُوْدَنَا، وَمُقَدَّسَاتِنا، اللَّهُمَّ أَهْلِكِ الظَّالِمِينَ بِالظَّالِمِينَ، وَاجْعَلْ دَائِرَةَ السُّوءِ عَلَيْهِمْ، وَخُذْهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، اللهم َفَرِّقْ جَمْعَهُمْ، وَشَتِّتْ شَمْلَهُمْ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُمْ تَدْمِيرًا عَلَيْهِمْ.

ونَجِّنَا مِنْ بَيْنِهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَاكْتُبْ لَنَا السَّلَامَةَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالآخِرَ، اللهم وَفِّقْ ولي أمرناِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ، لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاحْفَظْهُمْ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَانْصُرْ بِهِمْ دِينَكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا يَا رَبَّنَا وَلَوالِدِينَا وَأَصْلَحِ لَنَّا ذَرَّيَاتِنَا وَأَهَالِينَا، وَأَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

المرفقات

1777562226_استغلال الفرص ....docx

المشاهدات 639 | التعليقات 0