اسم الله القادر القدير المقتدر
عبدالرحمن سليمان المصري
اسم الله القادر القدير المقتدر
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خضع كل شيء لعظمته ، وذلّ كل مخلوق لقدرته ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد :
أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فهي وصية الله للأولين والآخرين ، قال تعالى: ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ﴾ .
عباد الله: العلم بالله أصل الإيمان وأساسه ، ومعرفة أسماء الله وصفاته ؛ من مقامات الدين العظيمة ، ومنازله العالية الرفيعة ، وكلما ازداد العبد معرفة بها ازداد إيمانه ، وقوي يقينه ، وأطيب ما في الدنيا معرفة الله سبحانه ومحبته ، وقد أمرنا الله تعالى أن نتوسل إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله ، قال تعالى :﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ الأعراف:١٨٠ .
ومن أسماء الله تعالى ؛ اسم الله (القادر والقدير والمقتدر) ، قال تعالى: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ الأنعام ، وقال: ﴿ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ﴾الملك ، وقال:﴿ وكان الله على كل شيء مقتدرا ﴾ الكهف .
فالله سبحانه ذو القدرة المطلقة ، والقوة التامة الكاملة ، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، ولا يفوته مطلوب ، الفعال لما يريد ، لا يعتريه عجز ولا ينتابه فتور ، وإذا أراد شيئا قال له كن فيكون ، والقدير صيغة مبالغة للقدرة ، والمقتدر أبلغ منها .
عباد الله : ومن مظاهر قدرته عز وجل ؛ تقديره المقادير ، قبل الخلق والتصوير ، ﴿ فقدرنا فنعم القادرون ﴾المرسلات ، فبقدرته أوجد الموجودات ودبرها وأحكمها ، وبقدرته يحيي ويميت ، ويبعث العباد ليوم المعاد ، قال صلى الله عليه وسلم :"كتب الله مقادير الخلائق ، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وعرشه على الماء " رواه مسلم.
ومن مظاهر قدرته جل وعلا ؛ خلق المخلوقات وتدبيرها ، صغيرها وكبيرها , على تنوع صورها وألوانها ، خلق السماوات من غير خلل ولا نقص ، ورفعها من غير عمد ترونها ، وأمسكها وحفظها من السقوط والزوال ،
وما فيها من النجوم والأفلاك التي لا تحصى ، وكلها قائمة في نظامها ، دون نقص أو خلل ، ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ﴾ يس:33.
عباد الله: ومن مظاهر قدرته عز وجل ؛ خلق الأرض ، وما ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوان ، والجبال والأنهار والبحار، وفيها من المخلوقات والعجائب ما يبهر العقول ﴿ وفي الأرض آيات للموقنين ﴾الذاريات.
ومن مظاهر قدرته سبحانه أنه يحيي ويميت ، ويبعث العباد ليوم المعاد ، قال تعالى: ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ﴾ الروم: 27 ، بل إن بعثهم بعد موتهم، مثل نفس واحدة ، ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير ﴾لقمان: 28 .
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل كان يسرف على نفسه ، فلما حضره الموت ، قال لبنيه ، إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح ، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا ، فلما مات فعل به ذلك ، فأمر الله الأرض ، فقال اجمعي ما فيك منه ففعلت ، فإذا هو قائم ، فقال ما حملك على ما صنعت ، قال يا رب خشيتك-أو قال مخافتك يا رب - فغفر له " رواه البخاري .
عباد الله : ومن مظاهر قدرته جل وعلا ؛ أنه النافع الضار، المعطي المانع ، الذي إذا مس أحدا بضر ، كفقر ومرض ونحوها فهو الكاشف له ، والأمة لو اجتمعت على أن ينفعوا أحدا بشيء ؛ لم ينفعوه إلا بما كتبه الله له ، ولو اجتمعوا على أن يضروا أحدا بشيء ؛ لم يضروه إلا بما كتبه الله عليه ،﴿ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ﴾ الأنعام:17.
ومن مظاهر قدرته عز وجل ؛ ما أخبر عن عظيم قدرته في يوم القيامة ، أنه سبحانه يقبض الأرض ، ويطوي السماوات بيمينه، قال تعالى:﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾الزمر:67.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد :
عباد الله : إن آثار قدرة الله جل وعلا في هذا الكون ، لا تعد ولا تحصى، وهي أكبر من أن تحيط بها عبارة، أو يشار إليها بإشارة ، فأينما وقع النظر على شيء في الآفاق أو في الأنفس ؛ رأيت كمال قدرته سبحانه .
وإن للإيمان بقدرة الله جل وعلا ، آثارا عظيمة تعود على العبد في الدنيا والآخرة ، فهي تقوي في العبد الاستعانة بالله ، وحسن التوكل عليه، وتمام الالتجاء إليه، والرضا بالقضاء والقدر ، ودوام سؤال العبد ربه ، والإكثار من دعائه ؛ لأن الأمور كلها بيده .
وكان صلى الله عليه وسلم يثني على الله تعالى ، بالوحدانية والقدرة ، في دبر كل صلاة مكتوبة بقوله :" لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير " رواه البخاري .
وجعل في هذا الذكر أجرا عظيما ، لمن قاله في الصباح والمساء ، فمن قاله مرة واحدة ؛ كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وكتب له عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي، وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح" رواه أبو داود وصححه الألباني .
ومن قالها عشر مرار، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل .
ومن قالها في يوم مائة مرة ، كانت له عدل عشر رقاب ، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة ، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به ، إلا أحد عمل أكثر من ذلك" رواه البخاري.
عباد الله : وقد علّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته من احتار منهم في أمره ، أن يستخير الله عز وجل ، ويسأله بقدرته وعلمه أن يختار له الأحسن ، فقال:" اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب .." رواه البخاري.
عباد الله : واسم الله القدير يستشفى به من الأمراض والأوجاع ، فقد شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يجد وجعا في جسده منذ أسلم ، فقال له صلى الله عليه وسلم : "ضع يدك على الذي تألم من جسدك ، وقل باسم الله ثلاثا ، وقل سبع مرات، أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " رواه مسلم.
عباد الله :إن من قوي إيمانه بالله تعالى، قوي يقينه بقدرة الله وقوته ، فلا يعظم ولا يخاف إلا الله تعالى ، وإن اسم الله القدير يملأ النفس ثقة وأمانا وطمأنينة به ، والمؤمن يأخذ بالأسباب المشروعة ، ثم يتبرأ من حوله وقوته، ويسأل الله الإعانة في أموره كلها ؛ فقدرته سبحانه نافذة ، وسلطانه قاهر، وأمره غالب ، قال تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير * تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ﴾آل عمران:26-27.
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال تعالى: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ .
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
المرفقات
1774563965_اسم الله القادر القدير المقتدر خطبة2.docx
1774563965_اسم الله القادر القدير المقتدر خطبة2.pdf