الأخلاق المذمومة(18) إفشاء السر
الشيخ تركي بن علي الميمان
عنوان الخطبة :الأخلاق المذمومة(18) إفشاء السر
الخطبة الأولى:
الحمدلله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ
نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر:18]
عباد الله: قَالَ أَنَس: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَةٍ، قَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ، قَالَتْ: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا.[رواه مسلم(2482)]
فهذه القصة دلالة على حفظ السرِّ، وحسن تربية الصحابة على الأمانة.
فالسِّرُّ: هو ما يُسِرُّه المرءُ في نفسِه من الأمورِ التي عَزَم عليها.
وإفشاءُ السِّرِّ: هو تعمُّدُ الإفضاءِ بسِرٍّ من شخصٍ اؤتُمِنَ عليه، في غيرِ الأحوالِ التي توجِبُ فيها الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ الإفضاءَ، أو تُجيزُه.
وقد ورد الذمُّ-عباد الله- في إفشاء السرِّ والنهي عنه:
فعن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا»[رواه مسلم(1437)]
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ إِفْشَاءِ الرَّجُلِ مَا يَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ مِنْ أُمُورِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَوَصْفِ تَفَاصِيلِ ذَلِكَ، وَمَا يَجْرِي مِنَ الْمَرْأَةِ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَنَحْوِهِ.[شرح النووي على مسلم (10/ 8)]
ولإفشاء السرِّ صور ومظاهر-عباد الله-:
فمنها: (1)إفشاء أسرار المسلمين:
لقد نهى الشَّارِعُ الكريمُ عن إفشاءِ أسرارِ المُسلِمين وأمَر بسَتْرِها وكِتمانِها؛ لِما في ذلك مِن حِفظٍ لأعراضِهم؛ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[النور:19]، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»[رواه البخاري(2442) ومسلم(2580)]
ومن صور إفشاء السرِّ ومظاهره: (2)إفشاء أسرار الدولة:
إذا كان إفشاءُ أسرارِ الأفرادِ مذمومًا، فإفشاءُ أسرارِ الدَّولةِ أشَدُّ ذَمًّا، وأعظَمُ جُرمًا، ويترتَّبُ عليه من المفاسِدِ الشَّيء الكثير الذي يُزعزِعُ أمنَ البلَدِ واستِقرارَها، ويُمكِّنُ أعداءَها منها.
ومن صور إفشاء السرِّ ومظاهره: (3)إفشاء الأسرار الزوجية:
لقد جعَل اللهُ سُبحانَه لكُلٍّ من الزَّوجَينِ حقوقًا وواجباتٍ، ومن هذه الحُقوقِ حِفظُ الأسرارِ الزَّوجيَّةِ؛ فكُلٌّ من الزَّوجَينِ أمينٌ على أسرارِ الآخَرِ، يجِبُ عليه حِفظُها وعدَمُ إفشائِها، ومن أعظَمِ هذه الأسرارِ وأشَدِّها أسرارُ الجِماعِ وما يجري بَينَ الزَّوجَينِ في الفِراشِ.
فيُكْرَهُ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ التَّحَدُّثُ بِمَا صَارَ بَيْنَهُمَا وَلَوْ لِضَرَّتِهَا.. لِأَنَّهُ مِنْ السِّرِّ، وَإِفْشَاءُ السِّرِّ حَرَامٌ. [غذاء الألباب (1/ 118)]
وكذلك فكُلٌّ من الزَّوجَينِ مُطالَبٌ بحِفظِ باقي الأسرارِ الأخرى التي تقَعُ في الحياةِ الزَّوجيَّةِ، بل حتَّى بَعدَ الفِراقِ بطَلاقٍ أو غيرِه، لا ينبغي له إفشاءُ ما كان بَينَه وبَينَ زَوجِه من أسرارٍ خاصَّةٍ لا ينبغي إطلاعُ الغيرِ عليها.
ويُروى عن بعض الصالحين أنه أراد طلاق امرأة؛ فقيل له: ما الذي يريبك فيها؟ فقال: العاقل لا يهتك ستر امرأته. فلما طلقها قيل له: لم طلقتها؟ فقال: مالي ولامرأة غيري. [إحياء علوم الدين (2/ 56)]
ومن صور إفشاء السرِّ: (4)إفشاءُ وإعلانُ الذُّنوبِ التي يَرتَكِبُها:
فعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلاَنُ، عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ»[رواه البخاري (6069)واللفظ له، ومسلم(2990)]
ومن صور إفشاء السرِّ: (5)إفشاءُ الغاسِلِ حالَ المَيِّتِ:
كأن يرى الغاسِلُ من بَدَنِ الميِّتِ سوادًا، أو تغَيُّرَ رائحةٍ، أو انقِلابَ صُورةٍ؛ حَرُمَ ذِكْرُه؛ لأنَّه غِيبةٌ لِمَن لا يتأتَّى الاستحلالُ منه، بخلافِ ما لو رأى الغاسِلُ مِن بدَنِ الميِّتِ خَيرًا، كاستِنارةِ وَجهِه، وطِيبِ رائحتِه، ذكَرَه نَدبًا؛ ليكونَ أدعى لكثرةِ المُصَلِّين عليه، والدُّعاءِ له.
ومن صوره: (6)إفشاءُ بَعضِ المحامينَ أسرارَ بَعضِ عُمَلائِهم، فيُفشي المحامي سِرَّهم أو يبيعُه للخُصومِ، وهذا فيه خيانةٌ للأمانةِ، وإضرارٌ بالآخَرينَ.
ومن صوره: (7)إفشاءُ الأصحابِ الأسرارَ التي استأمَن بعضُهم بعضًا عليها، وهذا شائعٌ بَينَ الشَّبابِ الذين يتندَّرون على أصحابِهم، ويَجعَلون إفشاءَ أسرارِهم مَدعاةً للضَّحِكِ والاستهزاءِ فيما بَينَهم.
ومنها: (8)إفشاءُ الأسرارِ الماليَّةِ لعُمَلاءِ المُؤَسَّساتِ الماليَّةِ، مِثلُ البُنوكِ وغَيرِها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[الأنفال:27] بارك الله لي ولكم في القرآن...
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}[البقرة:281]
عباد الله: للوقوع في إفشاء السِّرِّ أسباب، منها: رغبةُ الإنسانِ في الافتِخارِ بإظهارِ العِلمِ بما لا يَعلَمُه غَيرُه. ومنها: النِّكايةُ أو التَّشهيرُ خاصَّةً عِندَ حُصولِ العَداوةِ بَينَ الأصدقاءِ أو وُقوعِ الطَّلاقِ بَينَ الزَّوجَينِ. ومنها: الرَّغبةُ في الاستفادةِ الماديَّةِ والمعنويَّةِ من إذاعةِ الأسرارِ. وإفشاءُ الأسرارِ من آفاتِ اللِّسانِ التي تحدُثُ بسَبَبِ إطلاقِ العِنانِ له. ومنها: ضَعفُ الوازِعِ الدِّينيِّ. وعدَمُ التَّحَلِّي بمكارِمِ الأخلاقِ والتَّلبُّسُ بمساوئِها. وإذاعةُ السِّرِّ من قِلَّةِ الصَّبرِ وضِيقِ الصَّدرِ، وتُوصَفُ به ضَعَفةُ الرِّجالِ والصِّبيانُ والنِّساءُ.
ولإفشاءِ السِّرِّ آثار-عباد الله-:
فإفشاء السِّرِّ خيانة للأمانة ونقض للعهد. وإفشاء السِّرِّ دليل على لؤم الطّبع وفساد المروءة. وإفشاء السِّرِّ دليل على قلّة الصّبر وضيق الصّدر. وإفشاء السِّرِّ- خاصّة عند الغضب- يعقب النّدم والحسرة في نفس صاحبه. وإفشاء الأسرار إخلال بالمروءة وإفساد للصّداقة، ومدعاة للتّنافر. وإفشاء الرّجل سرّ امرأته، وإفشاء المرأة سرّ زوجها؛ يجعل كلّاً منهما بمثابة الشّيطان، ويُخِلُّ بفضيلة الحياء. وإفشاء السِّرِّ من فضول الكلام الذي يُعاب عليه صاحبه. وإفشاء السِّرِّ يُفقد الثّقة بين الإخوان. وفي إذاعة السِّرِّ ما يجلب العار والفضيحة للمفشي عندما يعرف بذلك من استودعه هذا السّرّ. [نضرة النعيم (9/ 3957)]
ويا صاحب السِّرِّ: إليك هذه الوصايا:
لا تُحَدِّثْ بكُلِّ ما سَمِعتَ: فعن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: «بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»[مسلم(5)]
وسَتْرُ المُسلِمِ فَضيلةٌ: قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا، إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[رواه مسلم(2590)]
والأسرارُ أماناتٌ؛ فلا تَخُنْ من ائتَمَنك.
ولا تكُنْ أسيرَ سِرِّك.
واحذَرْ كَثرةَ المُستَودَعين؛ قال الماوَرديُّ: وَلْيَحْذَرْ كَثْرَةَ الْمُسْتَوْدَعِينَ لِسِرِّهِ، فَإِنَّ كَثْرَتَهُمْ سَبَبُ الْإِذَاعَةِ، وَطَرِيقٌ إلَى الْإِشَاعَةِ.[أدب الدنيا والدين (ص: 308)]
[موسوعة الأخلاق-الدرر السنية(3/71-95)]
فلنتق الله تعالى-عباد الله-، ولنحفظ ألسنتنا من كشف أسرار الغير، فهي أمانة؛ فحفظ الأسرار من علامات المروءة، وحفظ الأسرار فيها درء مفسدة الحقد والحسد، وحفظ الأسرار تُقَوِّي الصلة بين الإخوة، وتُقَوِّي الثقة بين الزوجين.
وصلوا وسلموا على نبيكم محمد
المرفقات
1776335721_الأخلاق المذمومة(18) إفشاء السر.docx
1776335738_الأخلاق المذمومة(18) إفشاء السر.pdf
شبيب القحطاني
عضو نشطجزاك الله خيرا
تعديل التعليق