الأشهر الحرم 1447هـ
مبارك العشوان 1
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}[التوبة 36]
وَجَاءَ بَيَانُ هَذِهِ الأشْهُرِ الأَرْبَعَةِ الحُرُمِ فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ)
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ العَظِيمَةِ الَّتَي جَاءَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهَا وَالتَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ مِنْهَا: [الظُّلْمُ]
فَالظُّلْمُ حَرَامٌ أَيًّا كَانَتْ صُورَتُهُ.
ظُلْمُ النَّفْسِ حَرَامٌ؛ ظُلْمُهَا بِتَرْكِ الوَاجِبَاتِ، وَظُلْمُهَا بِفِعْلِ المُحَرَّمَاتِ.
وَظُلْمُ العِبَادِ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ أَمْوَالِهِمْ أَوْ أَعْرَاضِهِمْ حَرَامٌ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ...) إلخ
الظُّلْمُ حَرَامٌ أَيًّا كَانَتْ صُورَتُهُ، حَرَامٌ أَيًّا كَانَ فَاعِلُهُ، حَرَامٌ أَيًّا كَانَ مَكَانُهُ أَوْ زَمَانُهُ.
الظُّلْمُ حَرَامٌ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ، حَرَامُ فِي غَيْرِهَا.
جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) قَالَ: فِي الشُّهُورِ كُلِّهَا.
وَعَنْ قَتَادَةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} قَالَ: [إِنَّ الظُّلْمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا، مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهَا، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيمًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ.
وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى صَفَايَا مِنْ خَلْقِهِ، اصْطَفَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا، وَمِنَ النَّاسِ رُسُلًا، وَاصْطَفَى مِنَ الْكَلَامِ ذِكْرَهُ، وَاصْطَفَى مِنَ الْأَرْضِ الْمَسَاجِدَ، وَاصْطَفَى مِنَ الشُّهُورِ رَمَضَانَ وَالأَشْهُرَ الحُرُمَ، وَاصْطَفَى مِنَ الْأَيَّامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاصْطَفَى مِنَ اللَّيَالِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَعَظِّموا مَا عَظَّمَ اللَّهُ، فَإِنَّمَا تُعَظَّمُ الْأُمُورُ بِمَا عَظَّمَهَا اللَّهُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْفَهْمِ وَأَهْلِ الْعَقْلِ] اهـ
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ تَوْفِيقِ اللهِ لِعَبْدِهِ، وَمِنْ عَلَامَاتِ تَقْوَى قَلْبِهِ: تَعْظِيمُهُ لِحُرُمَاتِ اللهِ، وَتَعْظِيمُهُ لِشَعَائِرِ اللهِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ}
وَقَالَ: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}
وَمِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا وَحُرُمَاتِهِ: لُزُومُ طَاعَتِهِ وَالكَفُّ وَالبُعْدُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ فِي هَذِهِ الأشْهُرِ وَفِي غَيْرِهَا.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيِ وَالذَّكَرِ الْحَكِيمِ وَأَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلُّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ للَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ - رَحِمَكُمُ اللهُ - حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
اتَّقُوا اللهَ جَلَّ وَعَلَا وَالْتَزِمُوا شَرْعَهُ.
عَظِّمُوا أَوَامِرَهُ تَعَالَى بِامْتِثَالِهَا، وَنَوَاهِيَهُ بِاجْتِنَابِهَا، وَحُدُودَهُ بِالبُعْدِ عَنْهَا وَعَدَمِ قُرْبِهَا.
تَزَوَّدُوا مِنَ الأعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ فَرَائِضِهَا وَنَوَافِلِهَا.
تَخَلَّصُوا مِنَ المُخَالَفَاتِ؛ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، مُحَرَّمَاتِهَا وَمَكْرُوهَاتِهَا.
مَا كَسَبْتُمْ مِنْ حَسَنَةٍ فَحَافِظُوا عَلَيْهَا؛ وَسَلُوا اللهَ تَعَالَى قَبُولَهَا.
وَمَا اكْتَسَبْتُمْ مِنْ سَيِّئَةٍ فَاسْتَغْفِرُوا مِنْهَا؛ وَاجْتَهِدُوا فِي مَحْوِهَا؛ وَسَلُوا اللهَ تَعَالَى غُفْرَانَهَا.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ أصْلِحْ أئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الحَرَمِينِ الشَّرِيفَينِ المَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الأَمِينَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، اللَّهُمَّ خُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا وَإِيَّاهُمَا لِهُدَاكَ، واجْعَلْ عَمَلَنَا فِي رِضَاكَ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا وَدِينَنَا وَبِلَادَنَا وَوُلَاةَ أَمْرِنَا وَعُلَمَاءَنَا؛ بِسُوءٍ فَرُدَّ كَيْدَهُ إِلَيهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ.
عِبَادَ اللهِ: اُذْكُرُوا اللهَ العَلِيَّ الْعَظِيْمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتجدون هذه الخطبة وغيرها على قناة التليجرام (احرص على ما ينفعك)
https://t.me/benefits11111/3246
المرفقات
1777590869_الأشهر الحرم1447.pdf
1777590886_الأشهر الحرم1447.docx