الأعمال الصالحة طوق النجاة
د.عبدالحميد المحيمد
إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللَّهم صلَّ على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللَّهم بارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد .
عباد اللّه ، أوصيكم ونفسي بتقوى اللّه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)
أيها الأحبة في اللَّه، لقد انقضى شهر رمضان، وما زال بعض الناس يؤجل ويؤخر الطاعات بعد أن ألفتها نفسه، فليعلم أن هناك من سبقه إلى اللَّه، وأن هناك من تقدمه في الأعمال الصالحات. بينما أنت نائم، هناك من يقوم الليل ويجتهد، وبينما تؤخر الصيام، هناك من أتم صيام الست من شوال، وبينما مصحفك لا يزال خيطه في الصفحة الأولى، فإن هناك من قرأ ربع القرآن ومضى في ختمته الجديدة، وبينما أنت مقصر في الصدقات، هناك من يبذل وينفق في سبيل اللَّه.
الأعمال الصالحة، أيها الأحبة، لا ينبغي أن تتوقف؛ فإن قصرت في باب فلا تُقصِّر في سائر الأبواب؛ لأنك أحوج ما تكون إلى هذه الأعمال الصالحة، فهي طوق النجاة، وهي الصلة التي تربطك باللَّه عز وجل. واللَّه سبحانه يقول: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).[ النحل:97 ]
وهذه الحياة الطيبة في الدنيا تتمثل في أن يجد العبد حلاوة الطاعات، فلا يتأفف منها ولا يستثقلها، وفي الآخرة تكون جزاؤه الجنة،كما وعد الله المؤمنين في كتابه:
(فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وما ذكرناه من الأعمال الصالحة يظهر أثره جليًا في قصة النفر الثلاثة، حيث أتى البلاء شديدًا، فنجا كل واحد منهم بصالح عمله. قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: (خرج ثلاثةٌ فيمن كان قبلكم يرتادون لأهلِيهم، فأصابَتْهمُ السَّماءُ، فلجؤوا إلى جبلٍ، فوقعت عليهم صخرةٌ. فقال بعضُهم لبعضٍ : عفا الأثَرُ، ووقع الحجَرُ، ولا يعلَم بمكانكم إلا اللهُ؛ فادْعوا اللهَ بأوثَقِ أعمالِكم.
فقال أحدُهم: اللَّهمَّ إن كنتَ تعلمُ أنَّه كانت لي امرأةٌ تُعجِبُني، فطلبتُها فأبَتْ عليَّ، فجعلْتُ لها جُعْلًا، فلما قَرَّبَتْ نفسَها؛ تركتُها. فإن كنتَ تعلمُ أني إنما فعلتُ ذلك رجاءَ رحمتِك، وخشيةَ عذابِك فافرُجْ عَنَّا، فزال ثلثُ الحجَرِ.
وقال الآخرُ: اللَّهمَّ إن كنت تعلمُ أنه كان لي والدانِ، وكنتُ أحلبُ لهما في إنائِهما، فإذا أتيتُهما وهما نائمانِ قمتُ حتَّى يستيقظا، فإذا استيقظا شرِبا، فإن كنتَ تعلمُ أني فعلتُ ذلك رجاءَ رحمتِك، وخشيةَ عذابِك فافرُجْ عنا، فزال ثلثُ الحجَرِ. وقال الثالثُ : اللَّهمَّ إن كنتَ تعلم أني استأجَرتُ أجيرًا يومًا فعمل لي نصفَ النَّهارِ، فأعطيتُه أجرًا، فتسخَّطه ولم يأخذْه، فوفَّرتُها عليه، حتى صار من كلِّ المالِ، ثم جاء يطلب أجرَه، فقلتُ: خُذْ هذا كلَّه، ولو شئتُ لم أُعطِه إلَّا أجرَه الأوَّلَ، فإن كنتَ تعلمُ أنِّي فعلتُ ذلك رجاءَ رحمتِك، وخشيةَ عذابِك فافرُجْ عنا. فزال الحجَرُ، وخرجوا يتماشَونَ).
فلما ضاقت عليهم الأرض، وانقطعت بهم الأسباب، لجأوا إلى اللَّه وحده، فتوسّلوا إليه بصالح أعمالهم، فكان كلُّ واحدٍ منهم يقوم فيقول: اللَّهم إن كنت تعلم أني فعلتُ ذلك رجاءَ رحمتِك، وخشيةَ عذابِك فافرُجْ عنا.
هذه الصخرة العظيمة التي لا يقدر الرجال الأقوياء على تحريكها، زحزحها العمل الصالح؛ فما زالت تنفرج شيئًا فشيئًا، حتى دخل إليهم الهواء، ودخل عليهم النور، حتى كانت دعوةُ الأخير – الذي أدّى الأجير حقَّه – سببًا في انكشاف الصخرة تمامًا، فخرجوا وعادوا إلى الحياة، كأنهم خرجوا من عالمٍ آخر.
فإذا نزلت الشدائد، وحلّت الكُرَب، وأقبلت الفتن، فإن الأعمال الصالحة تُنجي أصحابها؛ تُنجيهم في الدنيا والآخرة. فلا تتوانَ في بذل المعروف، ولا تُقصِّر في أداء الحقوق إلى أهلها، واحفظ بطنك وفرجك وبصرك، وكن من أهل الصلاح.
أقول ما تسمعون، وأستغفر اللَّه .
الخطبة الثانية
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وعلى اله وصحبه ومن والاه.
من الدروس والعبر في قصة النفر الثلاثة، التي اقتبسنا منها سريعًا، أن المؤمن عند الشدائد يوحّد اللَّه، ولا يلجأ إلا إليه عز وجل، لأنه يعلم أن اللَّه هو الذي يخلصه وينجيه، وما بينه وبين اللَّه من خبيئات سبب لاستجابة دعائه، كما ظهر ذلك في قصة هؤلاء النفر الثلاثة.
قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: (يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ ، واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ).
وفي رواية أخرى: (تعرَّفْ إلى اللهِ في الرخاءِ يعرفُك في الشدَّةِ).
وكما تزرع تحصد، وكما تقدم من أعمال صالحة تجد ثمارها عند الضيق وعند الكروب. نسأل الله أن يفرّج عنا، ويحفظ هذا البلد وبلاد المسلمين، ويجنّبها الفتن ما ظهر منها وما بطن، ربنا تقبّل منا، إنك أنت السميع العليم.
اللَّهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وكفّر سيئاتنا، وأحسن ختامنا، وتب علينا، واشف مرضانا، وارحم موتانا، وفرّج عن مبتلانا، وانصرنا على من عادانا.
اللَّهم ردّ عنا كيد الظالمين.
اللَّهم إنَّا نجعلُكَ في نحورهم ، ونعوذُ بكَ من شرورهم، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن إيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.
اللَّهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى اللَّه على نبينا محمد.
المرفقات
1774649884_الأعمال الصالحة طوق النجاة .pdf