الأمنية المستحيلة. 

الأمنية المستحيلة.  1447/11/14هـ

أيها الإخوة: التمني والتطلعُ للأفضلِ من طبيعةِ الإنسان، فمن الناسِ منْ يتمنى أمورًا دنيوية، ومنهم من يتمنى أمورًا أخروية ومن هؤلاء منْ لم ينس نصيبه من الدنيا.. ولقد ذكر الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ- أنَّ الإنسانَ لا يتركُ التمني حتى بعدَ موته، والعجيبُ أنَّ الأمنيةَ التي ورد في كتاب الله تعالى تكرارها هي أمنية الرجعة للدنيا للتزود من الأعمال الصالحة، أو تمني كثرة العمل الصالح..  وهذه الأمنية يستحيلُ على متمنيها تحقيقُها، ويطلبُ الإنسان هذه الأمنية في موضعين..

الموضع الأول: في حال الاحتضار.. وعنده يندمُ المفرطون الظالمون، إذا رأى أحدُهم مآلَه، وشاهدَ قبحَ أعمالِهِ فيطلبُ الرجعةَ إلى الدنيا، لا للتمتع بلذاتها وشهواتها وإنما ليعمل صالحًا فيما ترك وفيما فرَّط في جنب الله، قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ..).. [المؤمنون:100:99] ثم يجيء الجواب الرباني القاطع (كَلَّا) وهي كلمة تفيد الردع والزجر والاستنكار فلا رجعةَ ولا إمهال، قد قضى الله أنهم إلى الدنيا لا يرجعون.. (إِنَّهَا) أي: مقالتُه التي تمنى فيها الرجوع إلى الدنيا (كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) أي: مجرد قول باللسان، لا يفيد صاحبَه إلا الحسرة والندم.. وهو أيضا غير صادقٍ في ذلك، فلو رُدَّ لعادَ لما نُهي عنه.. ثم ختم اللهُ تعالى هذه الآية بقوله: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي: من أمامِهم وبين أيديهم برزخ، وهو الحاجز.. وهو هنا: الحاجز بين الدنيا والآخرة، وفي هذا البرزخ، يتنعم المطيعون، ويعذب العاصون، من موتهم إلى يوم يبعثون..

أيها الإخوة: أما الموضع الثاني الذي يتمنى المفرطون فيه الرجوع للدنيا ولكن لا يمكنون من أمنيتهم فهو في اليومِ الرهيبِ المفزعِ الذي تتغيرُ فيه معالم الكون، الذي قال الله عنه: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج:1-2].. ويقول تعالى عن أمنية المفرطين في ذلك اليوم: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا* وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا* وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى* يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) [الفجر:21-24].. نعم في ذلك اليوم العظيم يوم القيامة تدكُ الأرضُ دكًا متتابعًا حتى تتحطمَ معالِمُها، ويذهبُ كلُ ما على وَجْهِهَا من جبالٍ وأبنية وقصورٍ وغيرِها، حتى تَصِيْرَ قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا.

ويجيء اللهُ تعالى لفصلِ القضاء بين عباده في ظللٍ من الغمام، وتجيء الملائكة الكرام، أهلُ السماوات كُلُهم، (صَفًّا صَفًّا) أي: صفًّا بعد صف، وهذه الصفوف صفوف خضوعٍ وذُلٍ للملك الجبار.. (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) تجرها الملائكة بالسلاسل، كما أخبر بذلك النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» رواه مسلم وغيره عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. فإذا وقعت هذه الأمور فـ (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ) ما قدمه من خير وشر.. (وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى) فقد فات أوانها، ومضى عهد الذكرى وذهب زمانها، فما عادت تجدي هنا في دارِ الجزاءِ أحدًا.. وفي هذا الموقف الرهيب يَطلب الكافر أمنيته المستحيلة مرة أخرى، متحسرًا على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا فيقول: (يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) الدائمة الباقية، عملا صالحًا، ويَنْدَمُ عَلَى مَا كَانَ سَلَفَ مِنْهُ مِنَ الْمَعَاصِي.. ولات ساعة مندم..

أيها الإخوة: وفي موضع آخر يذَكَرُ اللهُ تَعَالَى حَالَ المفرطين إِذَا وَقَفُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى النَّارِ، وَشَاهَدُوا مَا فِيهَا مِنَ السَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ، وَرَأَوْا بِأَعْيُنِهِمْ تِلْكَ الْأُمُورَ الْعِظَامَ وَالْأَهْوَالَ.. يقول لهم العظيم المتعال: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الأنعام:28:27].. يخبرُ الله تعالى في هذه الآية عن حالِ المشركين يومَ القيامة، وإيقافهم عند النار: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) ليوبَّخُوا ويُقَرَّعُوا، لرأيت أمرًا هائلًا وحالًا مفظعة.. ولرأيتهم كيف أقرَّوا على أنفسهم بالكفر والفسوق، وتمنوا أن لو يردوا إلى الدنيا. (فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) فإنهم كانوا يخفون في أنفسهم، أنهم كانوا كاذبين، ولكن الأغراض الفاسدة التي في نفوسهم صدَّتهم عن ذلك، وصَدَفَتْ قلوبَهْم عن الخير، وهم كَذَبَةٌ في هذه الأمنية، وإنما قصدهم، أن يدفعوا بها عن أنفسهم العذاب.. (فَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).. أسأل الله بمنه وكرمه، أن يثبتنا على الحق ويرزقنا الاجتهاد في الأعمال الصالحة.. وأنْ ييسر الهدى لنا إنه جواد كريم.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد..

الخطبة الثانية

أما بعد فاتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، أيها الإخوة: ونحن ننعم بفرصةِ الحياة.. ونعمةِ التوفيقِ للهداية.. حَرِيٌّ بنا أن نستثمر هذا الهبة الربانية الجزلة.. وأن نجتهد في سبل الخير ومن أعظمها أجرًا الإنفاق سواء منه ما كان على سبيل الوجوب من الزكاة والكفارات ونفقة الزوجات، ونحو ذلك.. أو ما كان على سبيل الاستحباب، كبذل المال في جميع المصالح، فهو العمل الذي يتمناه من عاين الموت، وهذا دليل على عِظم أجره  قال الله -تَعَالَى- حاثًا على صنوف الإنفاق محذرًا من الندمِ على التفريط: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) وهذا السؤال والتمني، قد فات وقته، ولا يمكن تداركه، ولهذا قال الله تعالى: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).. [المنافقون:10-11]. قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أنفِقْ يَا ابْنَ آَدَمَ ‌يُنْفَقْ ‌عَلَيْكَ». متفقٌ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.

ومما أخبر به النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- أن الميت يتمنى لو عاد للحياة، أن يصلي ركعتين فقط فَقَدْ مَرَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- بِقَبْرٍ، فَقَالَ: «‌مَنْ ‌صَاحِبُ ‌هَذَا ‌الْقَبْرِ؟» فَقَالُوا: فُلَانٌ. فَقَالَ: «رَكْعَتَانِ أَحَبُّ إِلَى هَذَا مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُمْ» رواه الطبراني في المعجم الكبير عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وصححه الألباني.

 أيها الأخ المبارك: بفضل الله وتوفيقه نرى حرص كثيرٍ من الناس على حضور صلاة الجنائز وتشييعها.. وهذا وتوجه مبارك في الأمة نحمد الله عليه.. أوصيكم ألا تكون في هذا الموقف من الغافلين، واستحضروا الحكمة من زيارة القبور وتشييع الموتى.. قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «‌زُورُوا ‌الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» رواه ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وصححه الألباني. واحذروا كثرة الحديث مع المشيعين في أمر الدنيا.. وتذكّر في وقوفك بانتظار الدفن أمنيات الموتى، وحال الموتى في قبورهم.. قف أمام قبر مفتوح، وتأمل هذا اللحد الضيق، وتخيل أنك بداخله، وقد أغلق عليك باللبن، وأهيل عليك التراب، وفارقك الأهل والأولاد، وقد أحاطك القبر بظلمته ووحشته، فلا ترى إلا عملك. فماذا تتمنى يا تُرى في هذه اللحظة.؟

ألا تتمنى الرجوع إلى الدنيا لتخرج من مظالم العباد، إن كنت ظلمتهم وجحدت حقوقهم.؟!

ألا تتمنى الرجوع إلى الدنيا لتتصدق بصدقة، أو لتركع لله ركعة، أو لتسبّح الله تسبيحة، أو تحمده تحميدة أو تهلله أو تكبره..

ها أنت تنعم بالحياة وتتقلب في نعم الله صحيحًا معافى.. شمر عن ساعد الجد وجُد في طاعةِ الله.. واترك محارمه، قبل أن تندم فَتَقُولَ (رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ).. أسأل الله تعالى أن يوفقنا للعمل الصالح الذي يرضيه.. وصلوا وسلموا...

 

 

 

 

المشاهدات 625 | التعليقات 0