الاستعداد لشهر رمضان

الاستعداد لرمضان

﴿ الخُطْبَةُ الأُوْلَى ﴾

الحمدُ لله . الحمد لله الذي منَّ علَى عبادهِ بفريضةِ الصيام، أحمده سبحانَه جعلَ صيامَ رمضانَ وقيامَه سببًا لغفرانِ الذنوبِ والآثامِ، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريكَ له الملكُ القدّوسُ السلام، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيَّنا محمّدًا عبد الله ورسوله خيرُ من صلّى وصامَ               وقام ، اللّهمّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى آله وصحبِه صلاةً دائمة ما تعاقبَت الليالي والأيّام.

 

    أما بعد  

فيا عباد الله ، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فتقوى الله هي طريقُ النجاةِ والسلامةِ ، وسبيلُ الفوزِ والكرامةِ ] يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إَن تَتَّقُوا اللهَ يَجعَل لَكُم فُرقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِرْ لَكُم وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ [ الأنفال : 29.

 

   أيها المؤمنون  

قد أظلنا شهر الرحمات والبركات شهر الطاعات والصدقات، شهر يجازي فيه الله على القليل              بالكثير، ويضاعف فيه الحسنات ] شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى               وَالْفُرْقَانِ [  البقرة: ١٨٥.

قال r (( أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ )) رواه النسائي من حديث أبي هريرة t و صححه الألباني .

 

وقال r (( الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ قَالَ فَيُشَفَّعَانِ )) رواه أحمد من حديث ابن عمروٍ رضي الله عنهما                و صححه الألباني .

 

وقال r (( قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ )) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة t . أي أن أجره عظيم تكفل الله به لعباده الصائمين المخلصين.

 

 

 

عباد الله

شهر رمضان عند سلفنا الصالح ليس شهر النوم والبطالة والبدانة ، إنه شهر عظيم عرفوا قدره ومكانته وعلموا أن من حرم الخير والرحمة فيه فهو المحروم حقاً.

 

شهر رمضان عندهم هو شهر الجد والنشاط والاستعداد للدار الآخرة ، فشهر رمضان عندهم هو شهر جميع الطاعات ، فهو شهر الصلاة والقيام حيث كانوا يحيون ليله كله قياماً وتهجداً ، وهو شهر القرآن حيث كانوا يختمون في كل يوم مرة أو مرتين ، فكان لبعضهم في رمضان ستون ختمة ، وهو شهر الصدقات حيث كانوا يطعمون الطعام ويفطرون             الصوام ، ورمضان عندهم هو شهر الجهاد حيث وقعت فيه أعظم فتوحات الإسلام ، فيه معركة الفرقان الكبرى معركة بدر التي فرق الله فيها بين التوحيد والشرك ، وفي رمضان كذلك كان الفتح الأعظم فتح مكة الذي فيه أزهق الباطل وهدمت قلاعه ودخل الناس في دين الله أفواجاً.

عباد الله

شهر رمضان عند أسلافنا ليس شهر النوم والكسل والعبث بل شهر ملؤوا ساعاته ولياليه بالطاعات والعبرات والبكاء والانطراح بين يدي الله يرجون رحمته ومغفرته . إذا كان هذا حالهم في رمضان فما هي حالنا في رمضان كيف هو حال الأمة يدخل عليها هذا الشهر الكريم هل استعدت للقائه ؟ هل عزمت على استثماره واغتنامه ؟ هل أعطته حقه من التكريم والتعظيم ؟نعم قد استعد سفهاء هذه الأمة لهذا الشهر الكريم بقنواتهم الفضائية وبرامجهم التي يصدون بها عن دين الله عز وجل .

نعم قد استعدت الأمة بأسواقها لتلقي أفواج الناس الذين تمتلئ بهم الأسواق أضعاف ما يكون في صلاة التراويح ، قد استعدت الأمة لإعداد أصناف المأكولات بخاصة برمضان ، بل إنك لتعجب أن يأخذ الطعام في رمضان من الهم والوقت والجهد أكثر مما تأخذه العبادة عند كثير من الناس .

 

إن حال الأمة في استقبالها لهذا الشهر حال يرثى له فصنف منها يستثقل هذا الشهر وقدومه لأنه سيفقد فيه ما اعتاده من الشهوات المباحة وغير المباحة في               النهار، ولذا لو تسنى له السفر عن بلاد المسلمين لسافر وتخفف من هذا الشهر وتكاليفه ، فتجده يقضي نهاره كله بالنوم وتضييع الصلوات ، وليله بالسهر والعبث ، وصنف آخر من هذه الأمة لا يستثقل هذا الشهر الكريم لكنه أيضاً لم يستعد له بالقيام وتلاوة القرآن وبذل المعروف ، فمثل هذا قد استعد ببطنه وجسمه لا بروحه وقلبه .

 

وصنف آخر من هذه الأمة أولو بقية قد استقبلوا هذا الشهر الكريم بالفرح والاستبشار وحمد الله أن بلغهم رمضان ، قد عقدوا العزم على اغتنام نهاره ولياليه بالطاعات والقربات والبعد عن المحرمات قد امتلأت بمثل هؤلاء المساجد وخلت منهم الأسواق ، فهؤلاء هم صلة السلف الذين عرفوا لهذا الشهر قدره ومنزلته ، فعمروه بطاعة الله وطلب رضوانه .

 

 

أيها المؤمنون:

 هذه وقفتان نقفهما عند آية وحديث.

الوقفة الأولى: عند قوله تعالى ]  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة: ١٨٣ , فهذه الآية دلت على أن الغاية الكبرى من هذا الصيام هو حصول تقوى الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه ، فالصائم الذي لم يحقق تقوى الله في صيامه قد خسر الثمرة من هذا الصيام الذي                 لم يشرعه الله لمجرد الامتناع عن الطعام والشراب والشهوة قال r (( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ )) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة t .

 

والمعنى من لم يترك الكذب والميل عن الحق.

إذاً هل حقق التقوى من يدخل عليه الشهر الكريم ويخرج ولم يحرك فيه ساكناً ، فصلاته               مضيعة ، ومنكراته مستمرة ، فإن لم يزده رمضان بعداً عن الله فلم يزده قرباً.

أم هل حقق التقوى ونال ثمرة الصيام من حافظ على الصلوات وتصدق وقرأ القرآن وتخفف من المنكرات لكنه ما إن يهلَّ شهر شوال حتى يعود كما كان في شعبان .

وهل حقق التقوى من يصوم ويصلي ويقرأ القرآن لكنه لا يتورع عن تضييع ليالي هذا الشهر الكريم في جلسات وسهرات منكرة قد امتلأت بالغيبة والمشاهد المحرمة.

الوقفة الثانية : عند قوله r (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )) متفق عليه من حديث أبي هريرة t .

 

(( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )) .

(( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )) .

ومعنى قوله: (( إيماناً واحتساباً )) أي مصدقاً بوجوبه راغباً في ثوابه طيبة به نفسه غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه .

 

ولا نعجب أيها المؤمنون ممن يصوم ويصلي مع الناس ومع ذلك لا نجد أثراً للصيام في أعماله وتصرفاته بل يوم صومه وفطره سواء ، وسر ذلك أن كثيراً من الناس يصومون ويصلون التراويح مع الناس ، لكن فعلهم هذا قد غلبت فيه العادة نية العبادة ، ولذلك لا نجد للصيام والقيام أثراً في حياتهم .

قال جابر t [ إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم ، ودع أذى الجار ، وليكن عليكم وقار وسكينة يوم صومك ، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء ] .

 

فإذاً قوله r في صيام رمضان وقيامه وقيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً هو سبب حصول ثمرة الصيام ، وهو غفران الذنوب وحصول الرضى من الله . وأما من صام لأن الناس يصومون وقام لأن الناس يقومون غافلاً عن إصلاح النية واحتساب الأجر على الله ، فهذا قد خسر الخسران المبين .

أيها المؤمنون:

 هذا الشهر الكريم قد هل علينا وما أسرع ما تنقضي أيامه  ولياليه ، وصدق الله إذ يقول عن هذا الشهر  ]  أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [  البقرة: ١٨٤. فبادروا فيه بالأعمال الصالحة والتوبة إلى الله من جميع الذنوب والمعاصي ، فهو فرصة للتوبة والدعاء والعتق من النيران ، فمن لم يتب فيه فمتى يتوب ؟ ومن لم يدع فيه المعصية ولم يستجب له فمتى يدع ؟ ومن لم يُعتق فيه من النار فقد خسر أعظم الخسارة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ]  وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [  البقرة: ١٨٦ .

 

 

أقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب وخطيئة ، فاستغفروه إنه كان غفارا ..........

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

﴿ الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ ﴾

الحمد لله الذي خلّص قلوب عباده المتقين من ظُلْم الشهوات ، وأخلص عقولهم عن ظُلَم الشبهات . أحمده حمد من رأى آيات قدرته الباهرة ، وبراهين عظمته القاهرة ، وأشكره شكر من اعترف بمجده وكماله ، واغترف من بحر جوده وأفضاله .

 

وأشهد أن لا إله إلا الله فاطر الأرضين والسماوات ، شهادة تقود قائلها إلى الجنات ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله ، والمبعوث إلى كافة البريات ، بالآيات المعجزات ، والمنعوت بأشرف الخلال الزاكيات . صلى الله عليه ، وعلى آله الأئمة الهداة ، وأصحابه الفضلاء الثقات ، وعلى أتباعهم بإحسان ، وسلم تسليماً كثيراً .

أيها المؤمنون

 تستقبل الأمة الإسلامية شهر رمضان الكريم بجراحها وآلامها ، فكم لها في بقاع الأرض من جريح وصريع وشريد ، فأمتنا بحاجة لأن يلتفت إلى جراحها وآلامها المخلصون من أبنائها ، وبالأخص من أنعم الله عليهم بالمال والسعة في الرزق ، فتذكروا أيها المؤمنون في هذا الشهر الكريم إخواناً لكم قد ألمّت بهم مصائب الحروب والمجاعات والفقر ، لا يجدون الطعام واللباس والمأوى ، في حين أنك في بيتك آمن دافئ طاعم كاسي ، فوالله لتسألن عن هذا النعيم .

عباد الله

 

 

 أبشروا بموعود الله ، فربنا غفور رحيم يقبل التوبة من عباده ويغفر الذنب العظيم ويجازي على العمل اليسير بالأجر العظيم ، قد أعد جنة عرضها السماوات والأرض ، فتحت أبوابها في هذا الشهر الكريم وجرت أنهارها وتزينت حورها واكتمل نعيمها وأعدت للمتقين .

اللهم أعنا على صيام رمضان وقيامه وتقبله منا يا أرحم الراحمين.

 

ألا وصلّوا ـ عباد الله ـ على رسول الهدَى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ] إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ     تَسْلِيمًا   [الأحزاب:56.

اللّهمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولك محمّد، وارضَ اللّهمّ عن الخلفاءِ الأربعة الرّاشدين...

اللهم أعز الإسلام والمسلمين .....

اللهم أرنا الحق حقا وأرزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا اجتنابه .

اللهم اجعلنا ممن يعظم شعائرك .

اللهم أعنا على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك .

 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمت أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا .

وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر .

 اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر ياسميع الدعاء .

 

اللهم اجعلنا من أهل السنة والقائمين بالسنة والمحافظين على السنة ، أحينا على السنة وأمتنا على السنة ، اللهم اجعل شهرك هذا شهر نصر للإسلام والمسلمين وشهر عزة وتمكين لأهل السنة يا حي يا قيوم .

اللهم أعنا فيه على الصيام و القيام و الذكر و قراءة القرآن .

 

اللهم ارحم موتانا وأشف مرضانا وتولى أمرنا و أصلح أحوالنا .

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى .

 

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

****

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات

1769627548_الاستعداد لرمضان ملتقى الخطباء.doc

1769627558_الاستعداد لرمضان ملتقى الخطباء.pdf

المشاهدات 576 | التعليقات 0