الاعتبار بغزوة أحد

راشد بن عبد الرحمن البداح
1447/10/14 - 2026/04/02 05:30AM

1
الاعتبارُ بغزوةِ أُحُدٍ ( راشد البداح – جامع ابن عثيمين بالزلفي) 15 شوال 1447 
الحمدُ للهِ الحقِّ المبينِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ القويُّ المتينُ، وأشهدُ أن محمداً عبدُهُ ورسولُهُ خاتَمُ المرسلينَ، صلَّى اللهُ وسلَّمَ عليهِ في العالَمِينَ، أما بعدُ: فلنَلْبَسْ خيرَ لباسٍ: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ}.

أيُّها المؤمنونَ: ما دُمنا في منتصفِ شهرِ شوالٍ؛ فإليكم جملةً طيبةً من الأحداثِ النبويةِ التي وقعتْ في شوالٍ فقطْ؛ سَرَّائِها وبأْسائِها، ففي شوالٍ تزوجَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثلاثاً من نسائِهِ متفرقاتٍ: (عائشةَ وأمَّ سلمةَ وسَودةَ)، ولذا كانتْ عائشةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِى شَوَّالٍ. قالَ النوويُّ: (فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّزْوِيجِ وَالتَّزَوُّجِ وَالدُّخُولِ فِي شَوَّالٍ)().

وفي شوالٍ خاضَ نبيُّنا سبعَ غزواتٍ. أعظمُهُنَّ غزوةُ أُحُدٍ، حيثُ عسكرَ المسلمونَ بجنْبِ أُحُدٍ، وهيَّأهُمْ صفوفاً للقتالِ، واختارَ منهم خمسينَ رامياً، للتَّمَركُزِ على جُبيلٍ صغيرٍ -جبلِالرُّماةِ- وقالَ لقائدِهِمْ: إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلاَ تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلاَ تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ(). ولكنهمْ عصَوا من بعدِ ما أراهُمُ اللهُ ما يُحِبُّونَ من الغنائمِ.

وفي غزوةِ أُحُدٍ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ، فَجَعَلَ ‌يَسْلُتُ ‌الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ،وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟! فَأَنْزَلَ اللهُ -عزَّ وجلَّ-: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ}. وحصلتِ الهزيمةُ على المسلمينَ، ولكنَّ اللهَأزالَ غمَّ الهزيمةِ بغمٍّ آخرَ، وهوَ إشاعةُ مقتلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فنَسُوا غمَّ وألمَ الهزيمةِ، وكثرةَ القتلَى، ثم تَعادَلَ الفرحُ مع الحُزنِ.

أيُّها الإخوةُ: وبعدَ انتهاءِ الغزوةِ، ورغمَ ما أصابَهُمْ فيها من آلامٍ؛ فإن النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالَ لأصحابِهِ: اسْتَوُوا حَتَّى أُثْنِيَ عَلَى رَبِّي. فَصَارُوا خَلْفَهُ صُفُوفاً، ووقفَ طويلاً يُثنيْ على اللهِ -تعالَى- بما هوَ أهلُهُ؛ لأن ألمَ المصيبةِ، والجراحاتِ التي نالَتْهُ ما أَنْسَتْهُ نِعَمَ اللهِعليهِ، وعلى المؤمنينَ.

أيُّها المسلمونَ: أعظمُ الدروسِ من غزوةِ أُحدٍ: التأكيدُ على التزامِطاعةِ اللهِ ورسولِهِ، ففي هذه الغزوةِ حدَّد اللهُ -تعالَى- السببَ الأكبرَللهزيمةِ، ولم يَدَعْها لاجتهادِ مجتهدٍ، حتى لا يأتيَ مَن يقولُ: إن سببَالهزيمةِ الفارقُ الكبيرُ بينَ عَددِ وعُدَّةِ الجيشَينِ. فحينَ تساءَلَ بعضُالصحابةِ، وقالُوا: {أَنَّى هَذَا} قالَ لهم ربُّنا -سبحانَهُ-: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} وزادَ الجوابَ إيضاحاً فقالَ: {حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ}. ففيها تعريفُ المسلمينَبسوءِ عاقبةِ المعصيةِ، وأن من رحمةِ اللهِ -تعالَى- بعبادِهِ المؤمنينَ أن يجعلَ المِحَنَ والابتلاءاتِ فرصةً لمراجعةِ أنفسِهِم، وتجديدِ العهدِ مع ربِّهم؛ فما نزلَ بلاءٌ إلا بذنبٍ، ولا رُفِعَ إلا بتوبةٍ.

وكم تحتاجُ الأمةُ المُسْلِمَةُ في هذا العصرِ الذي تكالَبَتْ فيه عليها اللأْواءُ والأعداءُ، إلى صدقِ التوبةِ إلى اللهِ -سبحانَهُ- وتركِ المعاصيْوالمحرماتِ، والاجتهادِ في الطاعاتِ، والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، فمَنْ نَصَرَ دينَ اللهِ استحقَّ النصرَ والتثبيتَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}

{الحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبادِهِ الَّذينَ اصْطَفَى} لا سيَّما عبدَهُالمصطفَى، أما بعدُ: فحينَما يتحدثُ أحدٌ عن هذهِ البلادِ المباركةِ، المملكةِالعربيةِ السعوديةِ، فإنه يتحدثُ عن قِبلةِ المسلمينَ، وحصنِ الإسلامِالحَصِينِ، الذي يَحومُ حولَهُ ذئابُ الخارجِ، يريدونَ اختراقَهُ، ويجولُ داخِلَهُثعالِبُ الداخلِ، يريدونَ إفسادَهُ. ولكنْ واللهِ يَخسَؤُونَ ويندَحِرُونَ، ويأبَى اللهُ إلا أنْ يَحفظَ أهلَ الحَرَمينِ. ألمْ يَقُلْ جبريلُ لهاجَرَ أمِّ إسماعيلَ: لاَ تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ.. وَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيْعُ أَهْلَهُ.رواهُ البخاريُّ().

وإنَّ ما تَمُرُّ بهِ أمَّتُنا اليومَ من الصفَعاتِ الموجِعَةِ، ما هيَ إلا إرهاصاتٌ مبشرةٌ لنهضةِ الأمةِ، وصحوتِها من غفلَتِها.

أيُّها المؤمنونَ: ذَكَرْنَا أنه لما انهزمَ المسلمونَ يَوْمَ أُحُدٍ، أثنَى رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على ربِّهِ بثناءٍ عجيبٍ وطويلٍ. أتدرُونَ ماذا قالَ؟

لِنَدْعُ الآنَ بنفسِ الدعاءِ، ولنَقُلْ:

• اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللهُمَّ لَا ‌قَابِضَ ‌لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ.
• اللهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَفَضْلِكَ وَرِزْقِكَ.
• اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ.
• اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ النَّعِيمَ يَوْمَ الْعَيْلَةِ، وَالْأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْفِ.
• اللهُمَّ إِنَّا عَائِذُونَ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا وَشَرِّ مَا مَنَعْتَ.
• اللهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ، وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ.
• اللهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ.
• اللهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ، اللهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، إِلَهَ الْحَقِّ().إلى هنا انتهَى الدعاءُ النبويُّ.
• فاللهم احفظْ بلادَ الحرمينِ الشريفينِ، ووفِّقْ خادِمَ الحرمينِ الشريفينِ، ووليَ عهدِهِ الأمينَ، لما فيهِ عزُّ الإسلامِ وصلاحُ المسلمينَ.
• اللهم احفظْ جنودَنا في كلِّ القطاعاتِ، وسدِّدْ رميَهُمْ ورأيَهُمْ.
• اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ.

المرفقات

1775097036_‎⁨الاعتبار بغزوة أحد⁩.docx

1775097037_‎⁨الاعتبار بغزوة أحد⁩.pdf

المشاهدات 667 | التعليقات 0