الحسنة بعشر فما بالكم أيام العشر ؟!
ياسر عبدالله الحوري
1447/12/01 - 2026/05/18 17:50PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحسنة بعشر، فما بالكم أيام العشر؟!
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنشأ وبرأ، وخلق الماء والثرى، وأبدع كل شيء وذرأ، لا يغيب عن بصره صغير النمل في الليل إذا سرى، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى.
خلق آدم فابتلاه ثم اجتباه فتاب عليه وهدى، وبعث نوحاً فصنع الفلك بأمره وجرى، ونجى الخليل إبراهيم من النار فصار حرها برداً وسلاماً عليه فاعتبروا بما جرى، وآتى موسى تسع آيات بينات فما تذكر فرعون وملؤه وما اهتدوا، وأيد عيسى ببينات تبهر الورى، وأنزل الكتاب على محمد فيه البينات والهدى.
أحمده سبحانه على نعمه، ونعمه لا تزال تترى، وأصلي وأسلم على المبعوث في أم القرى، صلى الله وسلم عليه وعلى صاحبه أبي بكر في الغار بلا مراء، وعلى عمر الملهم برأيه فهو بنور الله يرى، وعلى عثمان زوج ابنتيه ما كان حديثاً يفترى، وعلى ابن عمه علي بحر العلوم وأسد الثرى، وعلى بقية آله وأصحابه الذين انتشر فضلهم في الورى، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، أجارني الله وإياكم من البدع والضلالات.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 1-2].
أما بعد فيا عباد الله، إن من كرم الله سبحانه وفضله على عباده أن مواسم الطاعات تتجدد، وأن النفحات الربانية تتكرر.
لقد جاء رمضان بأيامه الجميلة ولياليه العظام وانتهى، وتألمنا كثيراً لأننا قصرنا في رمضان، فعوضنا الله عز وجل بصيام الست من شوال، ويكون بذلك كصيام الدهر، وهذا من كرم الله وفضله.
والبعض قد يحزن ويتألم لأنه لم يصم ولم يوفق لصيام الست من شوال لما لها من الأجر العظيم، لكن رحمة الله واسعة وكرمه عظيم جل جلاله، التقصير منا معاشر المسلمين.
وها نحن نستقبل خير أيام الدنيا على الإطلاق، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل أيام الدنيا هي أيام العشر من ذي الحجة.
فالصيام فيها ليس كالصيام في بقية الأيام، والصلاة فيها ليست كالصلاة في غيرها من الأيام، وكذلك الصدقة، وكذلك أي عمل صالح يختلف عن أي يوم من أيام السنة كاملة اختلافاً عظيماً.
ولهذا فالموفق من وفقه الله عز وجل لطاعته، والرابح من استغل هذه الأيام في طاعة الله سبحانه.
الصائمون هذه أيامهم، والقائمون هذه لياليهم، والمتصدقون هذه أيامهم، والمخبتون والراكعون والساجدون والمتذللون والقانتون هذه أيامهم.
فرصة عظيمة يا إخواني، الله سبحانه وتعالى عظيم، وإذا أقسم لا يقسم إلا بشيء عظيم جل جلاله، ولهذا قال سبحانه:
﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2].
وجمهور المفسرين يقولون: إنها أيام العشر من ذي الحجة.
ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: “ليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي العشر الأول من ذي الحجة، وأيام العشر الأول من ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان”.
فالليالي أفضل لأن فيها ليلة القدر، وأيام العشر من ذي الحجة أفضل لأن فيها يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر.
إخوة الإيمان، فلا بد أن نشمر عن ساعد الجد، والله يا إخواني إذا ضيعنا هذه الأيام فماذا نقول؟ محرومون، المحروم من حرم خير هذه الأيام، المحروم من حرم كثرة الذكر والتسبيح والتكبير والتهليل في هذه الأيام.
هذه أبسط الأعمال، لا نقول صياماً ولا قياماً.
ولهذا في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» يعني أيام العشر.
قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال:
«ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» رواه البخاري.
الله أكبر، العمل الصالح في هذه الأيام أفضل من الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج ولم يعد إلى بيته واستشهد في المعركة، قدم ماله ونفسه.
وهذا من كرم الله سبحانه، ولم يحدد النبي صلى الله عليه وسلم عملاً بعينه، فقال: «العمل الصالح».
والعمل الصالح قد يكون بسيطاً، تبسمك في وجه أخيك صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، والأمر بالمعروف صدقة، وفي كل تسبيحة صدقة، وفي كل تحميدة صدقة، وفي كل تهليلة صدقة.
ولهذا في الحديث الآخر:
«ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» رواه أحمد.
ولهذا التقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأبي البشر إبراهيم الخليل عليه السلام في السماوات العلى ليلة المعراج، فقال له إبراهيم:
«يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» رواه الترمذي وحسنه الألباني.
وفي الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم:
«لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس» رواه مسلم.
وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم:
«كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
فما أحوجنا أن نشمر، وأن نسارع، وأن نستغل هذه الأوقات.
فالله سبحانه يقول من أجل الدنيا:
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].
لكن من أجل الآخرة، من أجل جنة عرضها السماوات والأرض قال سبحانه:
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: 133].
وقال سبحانه:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: 50].
وقال جل جلاله:
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26].
وقال سبحانه:
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 10-11].
وقال جل جلاله:
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: 88-89].
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قلت ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ربي لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد معاشر المسلمين:
فلنكثر من الطاعات، ولنستغل هذه الأوقات في ذكر الله وقراءة القرآن.
ومن أفضل الأعمال يا إخوان: الصيام.
ففي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً».
فإذا كان هذا في يوم واحد في أي وقت، فما بالك إذا كان هذا الصيام في أيام العشر؟
وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم:
«الصيام جنة» أي وقاية يستجن بها العبد من النار.
وقد ثبت عن حفصة رضي الله عنها قالت:
«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر» رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني.
فإذا لم نستطع أن نصوم التسع من ذي الحجة، فنحاول أقل القليل أن نصوم ثلاثة أيام كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم، وإن لم يستطع المسلم فلا يفوته يوم عرفة إلا من كان عاجزاً لا يستطيع.
ومن أفضل الأعمال أيضاً: الذبح والنحر، فلا تستهينوا بالأضحية، بل هي من أفضل الأعمال في أيام العشر.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
«إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئاً» رواه مسلم.
وبعض الناس يجعل الإمساك عن الشعر والأظافر عذراً لترك الأضحية، وهذا من تلبيس إبليس، بل ضحِّ ولو احتجت إلى الحلق بعد ذلك، فلا تترك هذه الشعيرة العظيمة.
فالأضحية لها أجر عظيم عند الله سبحانه.
فلنستغل يا إخواني هذه الأيام، ولنشمر عن ساعد الجد، فهي فرصة للجوء إلى الله عز وجل أن يفرج عنا وعن إخواننا المستضعفين في سوريا والعراق واليمن وفلسطين وفي كل مكان.
قد يكون واحد منا عنده دعوة مستجابة، فلا تستهين بنفسك، وأحسن الظن بالله سبحانه، والجؤوا إلى الله وأنتم صائمون، وأنتم ذاكرون، وأنتم ساجدون، وأنتم راكعون.
ادعوا الله أن يفرج عن هذه الأمة، فإن الله إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.
فهي أيام مباركة، نلجأ إلى الله فيها بصدق، فكل واحد منا عنده هموم، وعنده مرض، وعنده مشاكل، وهذه الأيام فرصة للجوء إلى الله، فهو قاضي الحوائج، وكاشف الكربات، ومجيب دعوة المضطر.
فنصيحة لي ولكم يا إخواني ألا نضيع هذه الأيام، وأكثروا من ذكر الله والتسبيح والتهليل والتكبير كما حث النبي صلى الله عليه وسلم لتفوزوا بالدرجات العلى.
ونسأل الله جميعاً أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
اللهم أصلحنا وأصلح شباب المسلمين، وأصلح نساء المسلمين، وأصلح بنات المسلمين، وألبسهن ثوب العفة والحشمة والطهارة يا أكرم الأكرمين.
اللهم إنا نسألك في هذه الساعة المباركة:
من كان من الحاضرين والسامعين والسامعات مهموماً ففرج همه، ومن كان مكروباً فاكشف كربته، ومن كان مريضاً أو عنده مريض فاشفه واشف مرضاه، ومن مات له قريب فارحم ميته رحمة الأبرار، وأسكنه جنات تجري من تحتها الأنهار.
اللهم منَّ على إخواننا المستضعفين في فلسطين وفي كل مكان، بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، وداو جرحاهم، واشف مرضاهم، وتقبل شهداءهم، وأطعم جائعهم، واكس عاريهم، اللهم أرنا في الطغاة الظالمين عجائب قدرتك يا قوي يا قهار.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
عباد الله، صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
وأقم الصلاة.
نَفحُ الجُوري في خُطَبِ الحُوري
المرفقات
1779115805_الحسنة بعشر فما بالكم أيام العشر ؟!.pdf