الخَطِيبُ بَيْنَ الحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ (أَمْثِلَةٌ مِنْ حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ)
يوسف العوض
يُعَدُّ الخَطِيبُ رَكِيزَةً أَساسِيَّةً فِي تَوْجِيهِ المُجْتَمَعِ، وَلَا يَبْلُغُ تَأْثِيرُهُ غايَتَهُ إِلَّا إِذا جَمَعَ بَيْنَ الحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ، فَيُخاطِبُ العَقْلَ بِالحُجَّةِ، وَالقَلْبَ بِاللِّينِ وَالتَّأْثِيرِ، وَهٰذَا هُوَ مَنْهَجُ القُرْآنِ وَهَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ.
فَأَمَّا الحِكْمَةُ، فَهِيَ أَساسُ الإِقْناعِ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعالَى بِها فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ [النَّحْلِ: 125]، وَهِيَ وَضْعُ الكَلِمَةِ فِي مَوْضِعِها، وَمُخاطَبَةُ النَّاسِ بِما يُناسِبُ عُقُولَهُمْ ، وَمِنْ أَعْظَمِ الأَمْثِلَةِ عَلَى ذٰلِكَ، مَوْقِفُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الشَّابِّ الَّذِي اسْتَأْذَنَهُ فِي الزِّنَا، فَلَمْ يَزْجُرْهُ، بَلْ حاوَرَهُ بِعَقْلٍ وَحِكْمَةٍ، فَقالَ لَهُ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهاتِهِمْ»، ثُمَّ قاسَ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ المَحارِمِ، حَتّى اقْتَنَعَ الشَّابُّ وَانْصَرَفَ ، فَهٰذَا مِثالٌ بَلِيغٌ فِي مُخاطَبَةِ العَقْلِ بِالحُجَّةِ المُقْنِعَةِ.
وَأَمَّا المَوْعِظَةُ، فَهِيَ الَّتِي تُحَرِّكُ القُلُوبَ وَتُؤَثِّرُ فِي المَشاعِرِ، وَقَدْ قَرَنَهَا اللهُ بِالحِكْمَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾، أَيْ الَّتِي تَقُومُ عَلَى الرِّفْقِ وَاللِّينِ ، وَمِنْ ذٰلِكَ مَوْقِفُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الأَعْرابِيِّ الَّذِي بالَ فِي المَسْجِدِ، فَلَمْ يَعْنُفْهُ، بَلْ قالَ: «دَعُوهُ»، ثُمَّ عَلَّمَهُ بِرِفْقٍ أَنَّ المَساجِدَ لَا تَصْلُحُ لِهٰذَا، فَتَأَثَّرَ الرَّجُلُ وَدَعا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالرَّحْمَةِ ، فَهٰذَا مِثالٌ عَظِيمٌ فِي المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي تَفْتَحُ القُلُوبَ.
وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ فِي خُطَبِهِ، فَكانَ يُخاطِبُ العُقُولَ بِالبَيَانِ، وَيُؤَثِّرُ فِي القُلُوبِ بِالصِّدْقِ وَحُسْنِ الأُسْلُوبِ، حَتّى كانَ أَصْحابُهُ يَتَأَثَّرُونَ بِكَلِماتِهِ تَأَثُّرًا عَظِيمًا.
إِنَّ الخَلَلَ يَقَعُ حِينَ يَنْفَصِلُ الجانِبانِ؛ فَالحِكْمَةُ دُونَ مَوْعِظَةٍ تُصْبِحُ جافَّةً، وَالمَوْعِظَةُ دُونَ حِكْمَةٍ تَكُونُ عاطِفَةً عابِرَةً لَا تَثْبُتُ ، لِذٰلِكَ كانَ التَّوْجِيهُ الإِلٰهِيُّ جَامِعًا بَيْنَهُما فِي قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾.
وَفِي الخِتامِ، فَإِنَّ الخَطِيبَ النَّاجِحَ هُوَ مَنْ يَقْتَدِي بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الإِقْناعِ وَالتَّأْثِيرِ، وَيَسْلُكُ سَبِيلَ الحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ، لِتَكُونَ كَلِماتُهُ نُورًا لِلعُقُولِ، وَحَياةً لِلقُلُوبِ.