الخلال النبوية (30)

الخلال النبوية (30) ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾

 

 

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ تَفَرَّدَ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ وَالْكَمَالِ، وَتَنَزَّهَ عَنِ النُّظَرَاءِ وَالْأَشْبَاهِ وَالْأَمْثَالِ، لَا رَبَّ لَنَا سِوَاهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ بَعَثَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَهِدَايَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَحُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -تَعَالَى- وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوهُ فَلَا تَعْصُوهُ؛ فَفِي تَقْوَاهُ -سُبْحَانَهُ- الرَّحْمَةُ وَالنُّورُ وَالْمَغْفِرَةُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ ‌كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[الْحَدِيدِ:28].

 

أَيُّهَا النَّاسُ: كَانَتْ بَعْثَةُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نِعْمَةً لِلْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ، وَإِنْقَاذًا لِلْعَرَبِ مِنْ ظُلُمَاتِ الشِّرْكِ وَالْجَهْلِ إِلَى أَنْوَارِ التَّوْحِيدِ وَالْعِلْمِ؛ فَعَزُّوا بِالْإِسْلَامِ، وَسَادُوا بِالْإِيمَانِ، وَانْتَصَرُوا بِالْقُرْآنِ؛ فَعَجَزَتْ عَنْهُمْ كُلُّ قُوَّةٍ، وَدَانَتْ لَهُمْ كُلُّ أُمَّةٍ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ -تَعَالَى- أَفْوَاجًا، وَأَئِمَّةُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَانُوا يَعْلَمُونَ صِدْقَ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَنَّهُ الْمُبَشَّرُ بِهِ فِي كُتُبِهِمْ، وَأَنَّهُ نَبِيُّ آخِرِ الزَّمَانِ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَهُمُ الْأَقَلُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَهُمُ الْأَكْثَرُ؛ حَسَدًا لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلِأُمَّةِ الْعَرَبِ.

 

وَقَدْ تَتَابَعَتِ النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَمُبَشَّرٌ بِهِ فِي كُتُبِهِمْ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ ‌الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ)[الْأَعْرَافِ:156-157]؛ "أَيْ: ‌يَجِدُونَ ‌صِفَتَهُ ‌وَنَعْتَهُ وَنُبُوَّتَهُ، مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ".

 

وَلِأَجْلِ أَنَّ كُتُبَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قَدْ بَشَّرَتْ بِبَعْثَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِنَّ عُلَمَاءَهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ اسْمَهُ وَصِفَتَهُ وَعَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ وَمَا يَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهِ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ؛ وَلِذَا قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ ‌كَمَا ‌يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)[الْبَقَرَةِ:146]؛ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ "يَعْرِفُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَسُولُ اللَّهِ بِأَوْصَافِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِهِمْ، مِثْلِ مَعْرِفَتِهِمْ أَبْنَاءَهُمْ"، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: "زَعَمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّنْ أَسْلَمَ أَنَّهُمْ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنَحْنُ أَعْرَفُ بِهِ مِنْ أَبْنَائِنَا؛ مِنْ أَجْلِ الصِّفَةِ وَالنَّعْتِ الَّذِي نَجِدُهُ فِي الْكِتَابِ، وَأَمَّا أَبْنَاؤُنَا فَلَا نَدْرِي مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ".

 

وَمِنْ دَلَائِلِ التَّبْشِيرِ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي كُتُبِ النَّصَارَى مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ -تَعَالَى-: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ‌وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)[الصَّفِّ:6]، فَسَمَّاهُ الْمَسِيحُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِاسْمِهِ أَحْمَدَ.

 

وَعُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَعْلَمُونَ بِخَبَرِ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- عَلَى كَافَّةِ الرُّسُلِ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَاتِّبَاعِهِ إِنْ بُعِثَ فِيهِمْ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ ‌رَسُولٌ ‌مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)[آلِ عِمْرَانَ:81]، "فَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ -تَعَالَى- عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَيُصَدِّقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُمْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَكُلَّ مَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ -تَعَالَى- يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ وَالْإِيمَانُ، فَهُمْ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَعَلَى هَذَا قَدْ عُلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هُوَ خَاتَمُهُمْ، فَكُلُّ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَوْ أَدْرَكُوهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ بِهِ وَاتِّبَاعُهُ وَنُصْرَتُهُ، وَكَانَ هُوَ إِمَامَهُمْ وَمُقَدَّمَهُمْ وَمَتْبُوعَهُمْ".

 

كَمَا أَنَّ عُلَمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ الْخَلِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَدْ دَعَا بَعْدَ بِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ -تَعَالَى- رَسُولًا لِأَهْلِ مَكَّةَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ ‌رَسُولًا ‌مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[الْبَقَرَةِ:129]، وَهَذِهِ الدَّعْوَةُ الْمُبَارَكَةُ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِهِمْ رَغْمَ تَحْرِيفِهَا، وَيُسَمُّونَهُ بِاسْمِهِ فِيهَا، وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ، ‌دَعْوَةِ ‌أَبِي ‌إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةِ عِيسَى قَوْمَهُ، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ"(رَوَاهُ أَحْمَدُ).

 

وَالْعُلْمَاءُ بِأَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-، مِمَّنِ اطَّلَعُوا عَلَى كُتُبِهِمْ رَأَوْا فِيهَا صِفَةَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَالْبِشَارَةَ بِمَبْعَثِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: "لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ ‌لَمَوْصُوفٌ ‌فِي ‌التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا"(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

وَجَاءَ بِنَحْوِهِ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وَعَنِ الْفَلَتَانِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: "كُنَّا قُعُودًا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْمَسْجِدِ، فَشَخَصَ بَصَرُهُ إِلَى رَجُلٍ يَمْشِي فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَتَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَالْإِنْجِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَالْقُرْآنَ؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَشَاءُ لَقَرَأْتُهُ، قَالَ: ثُمَّ أَنْشَدَهُ، فَقَالَ: تَجِدُنِي فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؟ قَالَ: نَجْدُ مِثْلَكَ، وَمَثَلَ أُمَّتِكَ، وَمَثَلَ مَخْرَجِكَ، وَكُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ فِينَا، فَلَمَّا خَرَجْتَ تَخَوَّفْنَا أَنْ تَكُونَ أَنْتَ، فَنَظَرْنَا فَإِذَا لَيْسَ أَنْتَ هُوَ، قَالَ: وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ مَعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ سَبْعِينَ أَلْفًا، لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِسَابٌ وَلَا عِقَابٌ، وَإِنَّ مَا مَعَكَ نَفَرٌ يَسِيرٌ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنَا هُوَ، وَإِنَّهَا لَأُمَّتِي، وَإِنَّهُمْ لَأَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا، وَسَبْعِينَ أَلْفًا، وَسَبْعِينَ أَلْفًا" رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

 

نَسْأَلُ اللَّهَ -تَعَالَى- أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعَمَلَ بِمَا عَلَّمَنَا، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

 

 

 الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهِدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ؛ (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ‌لَعَلَّكُمْ ‌تُرْحَمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ:130-132].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: كَوْنُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَذْكُورًا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَمَذْكُورَةً أَوْصَافُهُ وَبَلَدُهُ وَمُهَاجَرُهُ وَدَعْوَتُهُ، وَمُبَشَّرًا بِهِ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُقِيمُ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ، وَيَقْطَعُ مَعْذِرَتَهُمْ؛ وَلِذَا فَإِنَّ بَعْضَ عُلَمَائِهِمْ كَابْنِ سَلَامٍ لَمَّا رَأَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَسَمِعَ دَعْوَتَهُ؛ وَجَدَ ذَلِكَ مُطَابِقًا لِمَا قَرَأَهُ فِي التَّوْرَاةِ فَبَادَرَ بِالْإِسْلَامِ، وَفَضَحَ الْمُكَذِّبِينَ مِنَ الْيَهُودِ؛ فَنَالَ أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً عَلَى الْإِيمَانِ بِمُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَمَرَّةً أُخْرَى عَلَى إِيمَانِهِ بِمُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَكَانَ ابْنُ سَلَامٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ لَمَّا كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا أَسْلَمَ، وَمِنْ جُلَّةِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-، وَفِي ذَلِكَ أَبْلَغُ الْحُجَّةِ عَلَى كُلِّ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ لَمْ يُؤْمِنْ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

 

وَالِاحْتِفَاءُ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْتَضِي تَصْدِيقَهُ وَمَحَبَّتَهُ وَاتِّبَاعَهُ وَطَاعَتَهُ وَالذَّبَّ عَنْهُ، وَاتِّبَاعَ سُنَّتِهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ -تَعَالَى-: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ‌فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)[آلِ عِمْرَانَ:31-32]، وَقَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ ‌فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)[الْحَشْرِ:7].

 

وَأَمَّا الْاحْتِفَالُ بِالْمَوْلِدِ وَالْإِسْرَاءِ وَالْهِجْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُنَاسَبَاتِ؛ فَذَلِكَ مِنَ الْبِدَعِ الَّتِي مَا أَنْزَلَ اللَّهُ -تَعَالَى- بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ تَعْظِيمَ الْأَزْمِنَةِ حَقٌّ لِلَّهِ -تَعَالَى-، فَلَا يُفْعَلُ إِلَّا بِشَرْعٍ، مَهْمَا كَانَتْ مُنَاسَبَةُ تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ، وَمَهْمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ فَرَحٍ أَوْ تَرَحٍ؛ وَلِذَا لَمْ يَحْتَفِلْ بِتِلْكَ الْمُنَاسَبَاتِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَا صَحَابَتُهُ الْكِرَامُ، وَلَا التَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ الْمَتْبُوعُونَ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ إِحْدَاثِ الْعُبَيْدِيِّينَ الْبَاطِنِيِّينَ، أَدْخَلُوهَا عَلَى جُهَّالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ مِنَ الْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ الَّتِي افْتُتِنَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ ‌وَمُحْدَثَاتِ ‌الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ".

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...

 

 

المرفقات

1767767516_الخلال النبوية (30) ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾.doc

1767767516_الخلال النبوية (30) ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾.pdf

المشاهدات 126 | التعليقات 1

جزاك الله خيرا