الذكاء الاصطناعي.. نعمة أم فتنة؟
راكان المغربي
الذكاء الاصطناعي.. نعمة أم فتنة؟
الْخُطْبَةُ الْأُولَى:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، أَمَّا بَعْدُ:
طَفْرَةٌ مَعْرِفِيَّةٌ، وَثَوْرَةٌ تِكْنُولُوجِيَّةٌ، وَأُعْجُوبَةٌ مِنْ عَجَائِبِ الزَّمَانِ.
أَدْهَشَتِ النَّاسَ، وَأَبْهَرَتِ الْعَالَمَ. إِنَّهُ الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ! تِلْكَ الْأَدَاةُ التِّقْنِيَّةُ الَّتِي صَارَتْ تُمَارَسُ مِنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَالْمُتَعَلِّمِ وَالْجَاهِلِ.
وَقَدْ يَتَسَاءَلُ الْمُتَسَاءِلُ فَيَقُولُ: وَمَا لِخَطِيبِ الْجُمُعَةِ وَلِلذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيُّ؟ وَهَلْ هَذَا مَوْضُوعٌ يُطْرَحُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَيُلَامِسُ دِينَ النَّاسِ.
وَالْجَوَابُ عَلَى ذَاكَ السُّؤَالِ أَنْ نَعَمْ. فَالذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ وَسِيلَةٌ عَظِيمَةٌ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُقَدِّمَ خِدْمَاتٍ حَسَنَةً جَلِيلَةً لِدِينِ الْإِنْسَانِ وَدُنْيَاهُ، وَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ الْعَكْسُ لِمَا لَهَا مِنْ مَخَاطِرَ وَسَلْبِيَّاتٍ. وَيُمْكِنُ أَنْ نُوَضِّحَ هَذَا الْأَمْرَ بِالْحَدِيثِ عَنِ الْجَوَانِبِ التَّالِيَةِ:
فَمِنْ حَسَنَاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ فِي الْجَانِبِ الْعِلْمِيِّ، تَسْهِيلُ الْوُصُولِ إِلَى الْمَعْلُومَةِ، فَيُلَخِّصُ لَكَ الْكَثِيرَ مِنَ الْجُهُودِ الْعِلْمِيَّةِ، وَعَنَاءَاتِ الْبَحْثِ، فِي ثَوَانٍ مَعْدُودَةٍ. وَأَمَّا مَخَاطِرُهُ فِي الْجَانِبِ الْعِلْمِيِّ، فَاعْتِقَادُ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ كُلَّ مَا يَقُولُهُ صَحِيحًا، وَالْوُثُوقِ التَّامِّ بِمَعْلُومَاتِهِ، فَيَكُونُ هُوَ مَصْدَرَ الْفَتْوَى فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ. وَيَأْخُذُ الْبَعْضُ فَتَاوَاهُ عَلَى أَنَّهَا قَاطِعَةٌ وَمَحْسُومَةٌ. وَقَدْ ثَبَتَ بِالتَّجْرِبَةِ أَنَّهُ يُخْطِئُ الْأَخْطَاءَ الْوَاضِحَةَ جِدًّا سَوَاءً فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ أَوِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَهُوَ يُقِرُّ بِذَلِكَ، وَيَعْتَرِفُ بِالْخَطَأِ وَيُصَحِّحُهُ. فَمِثْلُ ذَلِكَ كَيْفَ يَأْتَمِنُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى دِينِهِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ مَالِهِ، وَمَزْرَعَةُ آخِرَتِهِ. لِذَا يَجِبُ الْحَذَرُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَشَدَّ الْحَذَرِ، وَإِذَا وَرَدَ لِلْإِنْسَانِ جَوَابٌ مِنَ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، فَلَا يَأْخُذُهُ عَلَى مَحْمَلِ الثِّقَةِ، وَإِنَّمَا قَدْ يَسْتَأْنِسُ بِهِ لِلْوُصُولِ إِلَى الْجَوَابِ الْمَوْثُوقِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَمِنْ حَسَنَاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، الِاسْتِفَادَةُ مِنْهُ فِي الْأُمُورِ التَّرْبَوِيَّةِ الَّتِي يَسْتَفِيدُ مِنْهَا الْإِنْسَانُ فِي تَرْبِيَةِ أَوْلَادِهِ، وَإِيجَادِ الْأَنْشِطَةِ التَّفَاعُلِيَّةِ الَّتِي تَغْرِسُ فِيهِمُ الْقِيَمَ التَّرْبَوِيَّةَ وَالْأَخْلَاقَ الْفَاضِلَةَ. فَإِذَا سَافَرْتَ مَعَ أَوْلَادِكَ، أَوْ خَرَجْتَ مَعَهُمْ فِي رِحْلَةٍ عَائِلَةٍ، فَجَرِّبْ أَنْ تَسْأَلَهُ مَثَلًا: لَدَيَّ رِحْلَةٌ مَعَ الْعَائِلَةِ، وَأُرِيدُ أَنْ أَغْرِسَ فِي أَوْلَادِي قِيمَةَ الصِّدْقِ، مَاذَا تَقْتَرِحُ مِنَ الْمَفَاهِيمِ وَالْأَنْشِطَةِ؟ سَتَجِدُهُ يُثْرِيكَ وَيَفْتَحُ ذِهْنَكَ وَيُسَهِّلُ لَكَ طَرْحَ الْمَعْلُومَةِ وَطَرِيقَةَ غَرْسِهَا. وَأَمَّا مَخَاطِرُهُ فِي الْجَانِبِ التَّرْبَوِيِّ فَمُشَابِهَةٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْجَانِبِ الْعِلْمِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ الذَّكَاءَ الِاصْطِنَاعِيَّ مُنْتَجٌ مِنْ مُنْتَجَاتِ الْحَضَارَةِ الْحَدِيثَةِ الَّتِي تُؤْمِنُ بِأَفْكَارٍ مُصَادِمَةٍ لِلدِّينِ مِثْلَ الْحُرِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْعِلْمَانِيَّةِ وَتَطْبِيعِ الشُّذُوذِ وَالتَّفَسُّخِ وَالْعُرْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمِنَ الْخَطَرِ أَنْ يَجْعَلَ الْإِنْسَانُ الذَّكَاءَ الِاصْطِنَاعِيَّ هُوَ الْحَاكِمَ عَلَيْهِ فِي تَقْرِيرِ الْمَفَاهِيمِ الَّتِي يُرَبِّي عَلَيْهَا أَوْلَادَهُ وَبَنَاتِهِ.
وَمِنْ حَسَنَاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ الِاسْتِفَادَةُ مِنْهُ فِي جَانِبِ تَصَامِيمِ الصُّوَرِ وَمَقَاطِعِ الْفِيدْيُو، فَبِضَغْطَةِ زِرٍّ قَدْ يُصَمِّمُ لَكَ تَفْسِيرَ آيَةٍ أَوْ حَدِيثًا نَافِعًا أَوْ مَقُولَةً قَيِّمَةً، فَتَنْشُرُ هَذَا التَّصْمِيمَ فِي شَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ، فَتَكُونُ مِمَّنْ يَنْشُرُ الْخَيْرَ وَيَدْعُو إِلَى اللهِ، وَالْوَسِيلَةُ الْمُسَاعِدَةُ هِيَ الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ. وَأَمَّا مَخَاطِرُهُ فِي هَذَا الْجَانِبِ فَاسْتِخْدَامُهُ فِي التَّزْوِيرِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَى الْأَشْخَاصِ، بِتَقْلِيدِ أَصْوَاتِهِمْ أَوْ هَيْئَاتِهِمْ، فَتَخْرُجُ وَكَأَنَّهَا حَقِيقَةٌ قَالُوهَا بِأَفْوَاهِهِمْ. وَهُمْ مِنْهَا بَرَاءٌ. فَلْيَحْذَرِ الْمُسْلِمُ مِنْ هَذَا الْبُهْتَانِ وَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).
وَالْكَلِمَةُ الْأَخِيرَةُ حَوْلَ الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ مُوَجَّهَةٌ إِلَى الشَّبَابِ، فَنَقُولُ لَهُمْ:
يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ
عَاشَ الْمُسْلِمُونَ فِي قُرُونِهِمُ الْأَخِيرَةِ يَقْتَاتُونَ عَلَى حَضَارَةِ الْغَرْبِ، فَنَسْتَهْلِكُ وَلَا نُنْتِجُ، وَنَسْتَوْرِدُ وَلَا نُصَدِّرُ، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ تَفَوُّقَ الْغَرْبِ عَلَيْنَا فِي شُؤُونِ الْعِلْمِ الدُّنْيَوِيِّ، فَفُتِنَ النَّاسُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَقْتَصِرِ النَّاسُ عَلَى تَقْلِيدِ الْغَرْبِ فِي شُؤُونِ الدُّنْيَا الْعَادِيَّةِ، وَإِنَّمَا جَرُّوا ذَلِكَ إِلَى تَقْلِيدِهِمْ فِي الْمَفَاهِيمِ وَالتَّصَوُّرَاتِ وَالْأَفْكَارِ، فَصَارَتْ هُنَاكَ فِتْنَةٌ كَبِيرَةٌ. ذَلِكَ أَنَّ الْمَغْلُوبَ مُولَعٌ بِتَقْلِيدِ الْغَالِبِ.
وَقَدْ آنَ الْأَوَانُ لِأَنْ نَخْطُوَ فِي طَرِيقِ الْعِلْمِ، وَنَسْلُكَ دُرُوبَ الْحَضَارَةِ، لِنُسَخِّرَهَا فِي رِفْعَةِ دِينِنَا وَعِزَّةِ دُنْيَانَا، كَمَا كَانَ أَجْدَادُنَا مِنْ قَبْلُ.
وَإِنِّي لَأَثِقُ الثِّقَةَ التَّامَّةَ أَنَّ فِي أَبْنَاءِ الْأُمَّةِ مِنَ الْعُقُولِ وَالْقُدْرَاتِ وَالْمَوَاهِبِ، مَا يُؤَهِّلُهَا لِتَكُونَ فِي مُقَدِّمَةِ رَكْبِ الْأُمَمِ، فَكُونُوا عَلَى قَدْرِ الْمَسْؤُولِيَّةِ يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، وَلْيَكُنْ غَايَةُ مَا تَتَعَلَّمُونَهُ مِنَ الْعلومِ هُوَ لِعِزَّةِ الْأُمَّةِ، وَرِفْعَةِ الدِّينِ، لَا لِمُجَرَّدِ كَسْبِ مَالٍ أَوْ وَظِيفَةٍ.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى.. وَبَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ التِّقْنِيَّاتِ وَوَسَائِلَ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ النِّعَمِ الَّتِي سَيُسْأَلُ عَنْهَا الْعَبْدُ، فَالْوَاجِبُ اسْتِشْعَارُ مُرَاقَبَةِ اللهِ فِي كُلِّ مَا يُنْشَرُ وَيُقَالُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الْكَلِمَةَ فِي هَذِهِ الْوَسَائِلِ عَظِيمَةُ الْخَطَرِ؛ فَإِنَّ مَا يَكْتُبُهُ الْإِنْسَانُ أَوْ يُعِيدُ نَشْرَهُ مَحْفُوظٌ فِي سِجِلِّ أَعْمَالِهِ، قَالَ تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}. فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنَ الِانْسِيَاقِ خَلْفَ الْأَخْبَارِ الزَّائِفَةِ، وَالْمَقَاطِعِ الَّتِي يُعَالِجُهَا الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ لِتَزْوِيرِ الْحَقَائِقِ؛ فَالْوَاجِبُ الشَّرْعِيُّ هُوَ التَّثَبُّتُ، وَعَدَمُ الْمُسَارَعَةِ فِي نَشْرِ كُلِّ مَا يَصِلُ إِلَيْنَا، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِثَارَةِ الْبَلْبَلَةِ، وَتَشْوِيهِ السُّمْعَةِ، وَالِاحْتِيَالِ عَلَى النَّاسِ.
إِنَّ سُوءَ اسْتِخْدَامِ هَذِهِ الْوَسَائِلِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفَاسِدُ عِظَامٌ تُؤَدِّي إِلَى زَعْزَعَةِ الثِّقَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْإِضْرَارِ بِالْأَمْنِ الْمُجْتَمَعِيِّ، وَإِثَارَةِ الْفِتْنَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}. فَاجْعَلُوا مِنْ هَذِهِ التِّقْنِيَّاتِ مَنَابِرَ لِلْخَيْرِ لَا مَعَاوِلَ هَدْمٍ أَوْ مَصَادِرَ لِلْإِثْمِ.
اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ جَوَارِحَنَا مِنَ الْخِيَانَةِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ، وَصُنْ أَعْرَاضَنَا وَأَعْرَاضَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ تَلْبِيسٍ وَبُهْتَانٍ، وَأَعِذْنَا مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
المرفقات
1778139713_الذكاء الاصطناعي.. نعمة أم فتنة؟.docx
1778139714_الذكاء الاصطناعي.. نعمة أم فتنة؟.pdf