الشباب وبرد الشتاء

سامي بن محمد العمر
1447/08/11 - 2026/01/30 07:39AM

الشباب وبرد الشتاء

11/8/1447

 

بين ضعف الطفولة وضعف الكهولة؛ تبرز قوتهم وفتوتهم، بأجساد مشدودة وعضلات مفتولة.

نشاطٌ وعزم، طموحٌ وَ هَمٌّ، وشموخٌ لا يلين، وتحدٍّ في كل حين.

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: 54]

إنها قوة الشباب في البنية الجسدية، والتركيبة الجسمية التي تتحمل ما لا يتحمله ضعاف الطفولة والكهولة.

ولكنْ:

هذا الشبابُ الفتيُّ وذاك الجسدُ القويُّ أمانةٌ؛ لا بد أن يتحملَ أصحابُها تبعاتِها، ويُحسنوا في شكرها وأدائها؛ فإنهم من أجلها في عرصاتِ القيامة موقوفون، وعنها مسؤولون:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزولُ قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: - وذكر منها – وعن جسمه فيمَ أبلاه؟)) وفي رواية ((عن شبابه فيمَ أبلاه))([1]).

ولا شك أن هذا السؤال كائنٌ عما قدّمه الإنسانُ بهذا الجسد من خيرٍ أو شرٍّ في فترة الشباب، ولكنّ انتظام شعائر الدين والعبادة لا يتوصل إليه إلا بصحة الأبدان وبقاء الحياة، ولا عجب بعد ذلك أن يقول صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ ‌لِجَسَدِكَ ‌عَلَيْكَ حَقًّا))([2]).

وحق الجسد أن تفعلَ ما يُصلحه ويُبقيه، وتجتنبَ ما يُفسده ويُفنيه، وقد قال الله تعالى {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] وقال سبحانه {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29].

فإذا فُهم هذا: فإن صيحاتِ الأطباءِ تتعالى في مثلِ هذه الأيامِ الباردةِ تحذيراً من أمراض الشتاء التي تصيب بأمر الله صغارَ الناس وكبارَهم وشيبَهم وشبابَهم، والتي من أخطرها أمراض القلب وانقباض الأوعية الدموية وارتفاع الضغط وكثرة الجلطات، والتهاب العصب السابع في الوجه، وشدة آلام المفاصل، وتقلص العضلات، وكذلك أمراض الجهاز التنفسي، ونوبات الأنفلونزا والحرارة والزكام.  

كما يصرح الأطباء بأن التعرض للبرد في مراحلَ مبكرةٍ من العمر (مثل الطفولة والشباب) يرتبط بنتائج صحيةٍ سلبيةٍ تظهر في الكبر.

وهنا مربط الفرس؛ لأن ما نراه من إهمالِ الشبابِ وتقصيرِهم في الوقاية من البرد، وتعرضِهم لقرصةِ الشتاء بملابسِ الصيفِ الخفيفةِ خيانةٌ في تحمُّل الأمانة، وقد علموا أن نفوسَهم وديعةُ الله في أيديهم؛ لا يصح لهم أن يُدبِّروها إلا بأصوبِ التدبير، وإلا لحقهم اللومُ والعتاب، واستحقوا الجزاءَ والعقاب([3]).

وقد علموا أيضًا: أن الله الذي جبلهم على حبِ النفع؛ وأباحَ لهم جلْبه بما يشرعُ من كل وسيلة، قد أمرهم باجتناب الضرر؛ وحثهم على دفعه بما يُشرع من كل حيلة.

فيا معاشر الشباب: تحرَّزوا ولا تُهملوا، واحتاطوا ولا تُفرطوا، فإن الصحة والعافية من أجلِّ نعمِ الله على عبده، وأجزلِ عطاياه وأوفرِ مِنَحِه، وحقيقٌ لمن رُزِق حظًّا منها: مراعاتُها وحفظُها وحمايتُها عمَّا يضادُّها.

وقد روى البخاريُّ في «صحيحه» من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النَّاس: الصِّحَّة والفراغ))([4]).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم....

 

الخطبة الثانية

أما بعد:

فإن لله في كونه سُنناً ثابتة، وقواعدَ راسخة؛ حيث جعل للحوادث مسببات، وللآثار مؤثرات، ولكل داء سبب، كما أن لكل داء دواء، ولكن دفع الأمراض وتجنبها قبل وقوعها بالحمية والوقاية أيسر بكثير من رفعها ومحاولة إزالتها بعد وقوعها واستقرارها.

وقد نبهنا الله تعالى إلى أهمية الوقاية والاحتياط في أمر الصحة وسلامة الأبدان حين قال تعالى {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43].

قال ابن القيم رحمه الله:

"فأباح للمريض العدولَ عن الماء إلى التُّراب حميةً له أن يصيبَ جسدَه ما يُؤذيه، وهذا تنبيهٌ على ‌الحمية عن كلِّ مؤذٍ له من داخلٍ أو خارجٍ"([5]).

فكفى إيذاءً لأجسادكم أيها الشباب، وخذوا بأسباب السلامة قبل استحكامِ الألم، وحصولِ التأسُفِ والندم، وتوكلوا على الله حق التوكل فإنه وحده المعطي المانعُ، الضارُ النافعُ، وارتدوا من الملابس ما يحمي أجسادكم من البرد، وتجنبوا الخروج فجأة من الأماكن الدافئة إلى الباردة، وأكثروا شرب الماء، وتناولوا النافع من الغذاء.

حفظ الله لكم شبابكم وأدام نضارتكم وبهجتكم، وزادكم تقوى وإيماناً، وهدىً وصلاحاً، فإنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.

اللهم اهدنا فيمن هديت...  



([1]) الترمذي (2417) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
([2]) البخاري (1985) ومسلم (1159).
([3]) ينظر: الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 53)
([4]) البخاري (6412) وانظر: زاد المعاد (4/214).
([5]) زاد المعاد ط عطاءات العلم (4/7).

المرفقات

1769747960_الشباب وبرد الشتاء.pdf

1769747972_الشباب وبرد الشتاء.docx

المشاهدات 77 | التعليقات 0