الصاحب الملازم وفضله في العشر

ياسر عبدالله الحوري
1447/11/26 - 2026/05/13 00:08AM
            بسم الله الرحمن الرحيم
   الصاحب الملازم الذي لا يفارقك أبدا، وفضله في العشر
الخطبة الأولى:
إنَّ الحمدَ لله، نحمده تعالى، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، أجارني الله وإياكم من البدع والضلالات، آمين اللهم آمين.
أما بعد، فيا أيها الأحباب الكرام في الله:
لو سألنا سؤالًا في بداية هذه الخطبة: من هو الصاحب الملازم، صاحبٌ يلازمك لا يفارقك أبدًا؟ دعونا نعيش في هذه الدقيقة المعدودة مع هذا الصاحب الملازم الذي لا يفارقك.
هناك ثلاثة أصحاب يلازمونك، اثنان في وقت من الأوقات يتركانك، ولا يبقى معك إلا واحد. يقول ﷺ من حديث أنس رضي الله عنه، الذي رواه البخاري ومسلم: «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله، ويبقى عمله» (متفق عليه).
إذًا رفقاؤك ثلاثة، اثنان سيعودان، وسيبقى واحد يرافقك؛ إما أن يكون هذا الرفيق الملازم مؤنسك، وسعادتك، وراحتك في قبرك وفي الآخرة، وإما أن يكون – والعياذ بالله – طريقًا إلى شقاوتك في قبرك ويوم القيامة.
ولذلك إخوة الإيمان: من شغله أهله وماله عن عمله الصالح صار من الخاسرين. ولهذا قال سبحانه محذرًا من الغفلة عن هذا الصاحب الملازم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9].
فالمال والأهل لا يقرباننا من الله عز وجل بذاتهما، وإنما هما وسيلتان نستعين بهما على طاعة الله، ونسخرهما في مرضاته. قال الله تعالى:
﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: 37].
سعادةٌ ما بعدها سعادة، وراحةٌ ما بعدها راحة، ولذلك ينبغي علينا جميعًا أن نهتم بالرفيق الملازم؛ لأن به سعادتنا أو شقاوتنا، قال الله عز وجل:
﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: 44].
فالعمل الصالح مهادٌ وفراش لك، ونعيمٌ لك من حين أن تموت، مؤنسٌ لك في قبرك، ولحافٌ تلتحف به، يحيط بك من كل جانب.
ما أعظمه! يؤنسك، ويبقى معك سنوات.
نحن في الدنيا نضيعها في معصية الله، وهي أيام معدودة. لو سألنا: كم لنا من حين مات آدم عليه السلام إلى اليوم؟ آلاف السنين، وهو في البرزخ.
فينبغي أن نعمل للبرزخ، للآخرة، هذا العمل الصالح يؤنسك، ويقف معك، رفيقك الذي لا يفارقك، وقد جاء أن صاحب العمل الصالح يأتيه في صورة رجل حسن الوجه حسن الثياب، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح.
عباد الله، القبر ظلمة… ظلمة… ما أحوجنا إلى عمل صالح يؤنسنا في تلك الحفرة المظلمة، لا أنيس ولا جليس.
ما أحوجنا إلى العمل الصالح!
يتبعك ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى واحد: عملك الصالح.
للأسف الشديد، كلنا مقصرون، نهتم بهذين الاثنين – الأهل والمال – مع أنهما سيتركاننا، ويبقى العمل؛ إما صالحًا أو غير صالح.
هذا هو الرفيق الملازم، الذي ينبغي أن نهتم به، وإلا والله سنندم ونتحسر في قبورنا، ويوم القيامة عند العرض الأكبر على الله عز وجل، قال الله تعالى:
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49].
وقال سبحانه:
﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99-100].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
إخواني الكرام: بعد أيام نحن مقبلون على موسم عظيم، أيام هي خير أيام الدنيا.
وقد اختلف العلماء: أيهما أفضل، هذه الأيام أم العشر الأواخر من رمضان؟ فاتفقت أقوال على أن أيام العشر الأوائل من ذي الحجة أفضل الأيام؛ لأن فيها يوم عرفة، وأما الليالي فليالي العشر الأواخر أفضل لوجود ليلة القدر.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]، وكثير من المفسرين على أنها عشر ذي الحجة.
إذا كنا نتحدث عن العمل الصالح – الرفيق الملازم- فاسمع إلى حديث النبي ﷺ:
«ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام» قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» (رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما).
تأملوا: قال "العمل الصالح"، أي عمل يرضي الله، ولو كان قليلًا؛ تبسمك، ذكرك، أي طاعة.
ما أكرم الله! لم يحدد نوعًا معينًا.
فما أحوجنا للتوبة الصادقة، قال تعالى:
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].
وما أحوجنا إلى الصيام، فقد قال ﷺ:
«عليك بالصوم فإنه لا مثل له» (رواه النسائي وصححه الألباني)،
وقال ﷺ: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفًا» (متفق عليه).
وكذلك الذكر، قال ﷺ:
«فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» (رواه أحمد).
وكان السلف يرفعون أصواتهم بالتكبير في الأسواق.
قال تعالى:
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28].
فمن فاته الاجتهاد في الأيام المعدودات فليغتنم الأيام المعلومات.
يا إخوان، فرصة نعود إلى الله، ونتوب إليه، ونتخلق بالأخلاق العظيمة.
نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من الفائزين في الدنيا والآخرة.
اللهم أصلحنا وأصلح شباب المسلمين، اللهم أصلحنا وأصلح بنات المسلمين، اللهم ردنا إليك ردًا جميلًا، اللهم لا تخرج هذه الوجوه من هذا المسجد إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل متقبل.
اللهم اجعل لنا وللحاضرين والمسلمين من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل عسر يسرًا، ومن كل بلاء عافية.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.
اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم كن للمستضعفين في كل مكان، اللهم انصر المظلومين، اللهم احقن دماء المسلمين، وعليك بالمتآمرين على الإسلام والمسلمين.
صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه...
عباد الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
نَفحُ الجُوري في خُطَبِ الحُوري
 
المرفقات

1778619928_الصاحب_الملازم_وفضله_في_العشر_من_ذي_الحجة.pdf

1778620108_الصاحب الملازم وفضله في العشر من ذي الحجة.docx

المشاهدات 250 | التعليقات 0