الصبر على المصائب

د. منصور الصقعوب
1447/10/19 - 2026/04/07 18:40PM

الصبر على المصائب

                                      الخطبة الأولى 

ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً للمؤمن في هذه الحياة، فقال: « مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأَرْزِ لاَ يُفِيئُهَا شَىْءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً »

المؤمن كزرعٍ اختلطت جذوره في الأرض وتماسكت؛ فالريح وإنْ أمالته لا تطرحُه ولا تكسره ولا تسقطه، وكذلك المؤمن، فإنّ المصائب وإنْ آلمته وأحزنته فإنها لا يمكن أنْ تهزمه أو تنال من إيمانه شيئاً؛ ذلك أنّ إيمانه بالله عاصمُه من ذلك.

هذه الدنيا يا كرامُ مليئة بالحوادث والفواجع، والأمراض والقواصم؛ فبينا الإنسان يسعد بِقُرب عزيز أو حبيب، إذا هو يُفجع بخبر وفاته، وبينا الإنسانُ في صحة وعافية وسلامةٍ وسعة رزق، إذا هو يفاجأ بمرض يكدر حياته ويقضي على آماله أو بضياع مال تذهب معه طموحاته

  في هذه الدنيا منح ومحن، وأفراح وأتراح، وآمال وآلام؛ فدوام الحال من المحال، والصفو يعقبه الكدر، والفرح فيها مشوب بترقب وحذر .

 وهيهات أنْ يضحك من لا يبكي، وأنْ يتنعّم من لم يتنغَّصْ، أو يسعدَ من لم يحزنْ !!  هكذا هي الدنيا، وليس للمؤمن الصادق فيها إلا الصبر؛ فذلكم دواء أدوائها .

 قال الحسن رحمه الله: « جرَّبْنا وجرَّب المجرِّبون فلم نر شيئاً أنفع من الصبر، به تُداوى الأمور وهو لا يُداوى بغيره»

«وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر»

وكان أمر المؤمن أمراً عجيباً؛ لأنّه « إنْ أصابته سراءُ شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيراً له»

   وتأمل كيف أمر الله بالصبر، وجعله من أسباب المعيّة الإلهية؛ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، ثم أخبر أنّ الحياة محلُ الابتلاء بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وأطلق البشرى للصابرين، وأخبر عن حالهم عند المصائب وأثبت جزاءهم ؛ (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ).

  فالصبر سبب بقاء العزيمة، وبمفتاح الصبر تُعالَجُ مغاليقُ الأمور، وأفضلُ العُدَّةِ الصبرُ على الشدَّة .

 ولا جرم أيها الفضلاء أن الصبر أنفعُ ما يكون، ولكن كيف نصل إلى الصبر، وكيف تستشعره قلوبنا؟ فهو سهل في المقال، لكنه عند التطبيق يحتاج لمعين.

فدعني أذكِّرُك بمعينات على الصبر، جديرةٌ أن توضع بالاعتبار، والمرء يعيش في دنيا طبعت على الأكدار.

 فأول ذلك: تهيئة النفس وإعدادها على المصائب قبل وقوعها، وأنْ يدرِّبها عليها قبل حدوثها، لأنّ الصبر عزيز ونفيس، وكل أمر عزيز يحتاج إلى دربة عليه .

ولقد مثَّل  صلى الله عليه وسلم حالَه في الدنيا « كراكب سار في يوم صائف فاستظلَّ تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها»

  فلا تغترّ أيها المسلم برخاء، ولا تؤمِّلْ أنْ تبقى الدنيا على حالة، أو تخلوَ من تقلُّب؛ فإنّ مَن عرف الدنيا وخبر أحوالها هان عليه بؤسها ونعيمها، وقد قال بعض الحكماء : « من حاذر لم يهلع، ومن راقب لم يجزع، ومن كان متوقِّعاً لم يكن متوجِّعاً » ومَن أحبَّ البقاء فليُعِدَّ للمصائب قلباً صبوراً .

 وبعد هذا الإيمان بالقضاء والقدر؛  فمن آمن بالقضاء والقدر ، وعلم أنّ الدنيا دارُ ابتلاء وخطر، وأنّ القدَر لا يُردّ ولا يؤجَّل اطمأنت نفسه، وهان أمره .

 والمؤمن هو أقلُّ الناسِ تأثُّراً بمصائب الدنيا، وأقلُّهم جزعاً وارتباكاً؛ فالإيمان بالقدر صار كصِمَام الأمان الواقي له بإذن الله من الصدمات والنكسات.

لأنه يسمع كلام الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: « واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفت الصحف »

  أيها الموفق: وتذكُّر حالِ الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح معين على الصبر، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة لكل مسلم، وفي تأمُّل حالِه صلى الله عليه وسلم عظةٌ وسلوى وعزاء؛ فقد كانت حياته كلُّها صبراً وجهاداً؛ ففي فترة وجيزة مات عمه أبو طالب الذي كان يمنع المشركين من أذاه، وماتت زوجته خديجة، ثمّ ماتت بعض بناته، ومات أبناءه، وحين مات إبراهيم لم يزد على أنْ قال وقد دمعت عيناه:« إنّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرْضَى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون »، ومات الكثير من أصحابه الذين أحبَّهم وأحبّوه، فما فَتَّ ذلك في عضُدِه، ولا قلَّل من عزيمته وصبره .

ودرج على هذا الهدي السلف الصالح في صبرهم وتجلدهم، ورضاهم بقدر ربهم، ولهم في ذلك المواقف الرائدة. 

 وأمر آخر معين: وهو استحضار سعة رحمة رب العالمين، وواسع فضله،  فالمؤمن الصادق في إيمانه يُحْسِن ظنَّه بربه  وقد قال الله كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أنا عند ظن عبدي بي »، فثق بسعة رحمة الله بك ، وأيقن أنّ أقداره خير في حقيقة أمرها، وإنْ كانت في ظاهرها مصائبَ مكروهةً وموجعةً، وقد قال الله : (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) البقرة : 216 )، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم: « عجباً للمؤمن ؛ لا يقضي الله له شيئاً إلا كان خيراً له ! ».

  ثمَّ تأمَّل فيما حباك به الله من النعم والمنن؛ لتعلم أنّ ما أنت فيه من البلاء كقطرة صغيرة في بحر النعماء ! وتذكَّر أنّ الله لو شاء لجعل المصيبةَ أكبرُ وأعظمُ، والحادثَة أجلُ وأفدحُ، واعلم أنّ فيما وُقيت من الرزايا وكُفيت من الحوادث والبلايا، ما هو أعظم مما أُصبت به .

 ولك أيها المبارك أسوة بغيرك من أهل المصائب، فانظر فيمن حولك، وتأسَّ بغيرك، وانظر إلى من هو أشدُّ مصيبة منك؛ فإنّ في ذلك ما يُذهِبُ الأسى، ويخفف الألم، ويُقلِّل الهلع والجزع، وتذكَّر أنّ« مَن يتصبَّرْ يُصَبِّرْهُ الله»

  ليتذكَّرْ مَن أصيب بعاهة أو مرض مَنْ أصيب بما هو أشدّ، وليتذكَّرْ من فجع بحبيب مَن فُجع بأحباب، وليتذكَّرْ من فقد ابنه مَن فقد أبناء، وليتذكَّرْ مَن فقد أبناءً مَن فقد عائلة كاملة، وكل مصيبة فهناك أكبر منها .

   جاء رجل كفيف إلى الوليد بن عبد الملك، فرأى عليه آثار الحال، ولم ير عليه شيئاً من علامات الجزع، فسأله عن سبب مصابه، فقال: ما كان في بني عبسٍ أكثرَ مِنِّي مالاً وولداً، فبتنا ليلةً في واد، فدهمنا سيل جرّار، فأذهب كُلَّ مالي وولدي إلا صَبيّاً وبعيراً، فندّ البعيرُ والصبيُّ معي، فوضعته وتبعت البعير لأمسك به فلم ألحقه، فعدتُ إلى الصبي فإذا برأس الذئب في بطنه قد أكله، فتركته وتبعت البعير فرمحني رمحةً حطَّم بها وجهي، وأذهب بصري، فأصبحتُ في ليلةٍ بلا مال ولا ولد وزوجة ولا بصر، فقال الوليد: اذهبوا به إلى عروة ليعلم أنّ في الناس من هو أعظم بلاءً منه .

 

الحمد لله وحده.

ومما يعين على الصبر على المصائب تذكّر أنّها من دلائل الفضل، وكيف لا تكون ذلك، وقد سأل سعدُ بن أبي وقاص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ! أيُّ الناس أشد بلاء ؟ قال : « الأنبياءُ ، ثم الأمثل ، فالأمثل ، فيبتلى الرجل على حسب دينه ؛ فإن كان دينه صُلْباً اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه ؛ فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة ».

  وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن يرد الله به خيراً يُصِبْ منه» وأخبر أنّ «الله إذا أحبّ قوماً ابتلاهم »و«إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء »

وفي الصبر على المصائب نيلُ الجنة، وفي الصبر على قبض الولد أن يوهب الوالد في الجنة بيت الحمد، وفي الحديث «ما يصيب المسلمَ من نصب ، ولا وصب ، ولا همٍّ ، ولا حزن ، ولا أذى ، ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه »  ، و «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله ، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة » .

  وكم تهونُ المصائب ويحلو الصبر عند سماع قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: « إذا سبقت للعبد من الله منْزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم صبَّرَه، حتى يُبَلِّغَه المنْزلة التي سبقت له منه ».

والعبدُ مِلكٌ لربه، فهو أدرى بما يصلحه، والأجر والغنيمة مخبوء في بواطن المصيبة، فكم مبتلى سيحمدُ حين يرى عند ربه الأجور والمكاسب.

ومما يعين على الصبر ترك الجزع والشكوى،  فمن علم أنّ المقدَّر كائن والمقضيَّ حاصل كان الجزع في حقه عناءً خالصاً ، ومصاباً ثانياً، وقد قال ربنا (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ).

والجزع لا يردُّ الفائت، ولكنه يُحزِن الصديق ويسرُّ الشامت، فلا تستفزّ الدموع بالتذكر كما قال عمر، فإن مَن مات فلن يعود، وما قُضي فلن يُردَّ، ولولا مصائبُ الدنيا لوردنا الدنيا مفاليس، وقد قال الأول «ولا يبعث الأحزان مثل التّذكّر».

   وبعد: فإنّ الصبر على المصائب يُعقب الصابرَ الراحة منها، ويُكسبه المثوبة عنها، فإنْ صبر طائعاً وإلا صبر كارهاً آثماً، قال علي بن أبي طالب: « إنّك إنْ صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور ، وإنْ جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور »

اللهم صبرنا على بلاءك ورضنا بقضاءك وبارك لنا في قدرك، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك

 

 

 

المشاهدات 403 | التعليقات 0