الْعِبْرَةُ بِالْخَوَاتِيمِ.. خِتَامُ رَمَضَانَ

الْعِبْرَةُ بِالْخَوَاتِيمِ.. خِتَامُ رَمَضَانَ!

الْخُطْبَةُ الْأُولَى

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَبِفَضْلِهِ تُدْرَكُ الْخَيْرَاتُ، وَبِرَحْمَتِهِ تُغْفَرُ الزَّلَّاتُ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَا بَلَّغَ وَوَفَّقَ وَأَعَانَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعِبْرَةَ لَيْسَتْ بِبِدَايَاتٍ تُشْرِقُ، وَلَكِنَّهَا بِخَوَاتِيمَ تَصْدُقُ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
هَا هُوَ رَمَضَانُ يُوشِكُ أَنْ يَرْحَلَ، وَكَأَنَّهُ ضَيْفٌ عَزِيزٌ نَزَلَ عَلَيْنَا فَأَكْرَمَنَا، وَمَرَّ بِنَا فَأَنْعَشَ قُلُوبَنَا، ثُمَّ أَذِنَ بِالرَّحِيلِ.

فَأَيْنَ تِلْكَ اللَّيَالِي الْعَطِرَةُ؟
أَيْنَ لَيَالِي الْقِيَامِ وَحَلَاوَةُ الدُّعَاءِ؟
أَيْنَ صَوْتُ الْقُرْآنِ فِي الْبُيُوتِ، وَاجْتِمَاعُ الْأُسَرِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَرِقَّةُ الْقُلُوبِ، وَدَمْعَةُ التَّائِبِينَ؟

لَقَدْ مَضَى رَمَضَانُ سَرِيعًا، وَلَكِنَّهُ تَرَكَ فِي النُّفُوسِ أَثَرًا، وَفِي الْقُلُوبِ نُورًا، وَفِي الْبُيُوتِ بَرَكَةً، وَفِي الْأَرْوَاحِ إِقْبَالًا عَلَى اللَّهِ.

وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ رَمَضَانَ أَنْ يَمُرَّ ثُمَّ يَنْقَضِي، وَلَكِنِ الْمُرَادُ أَنْ يَتْرُكَ فِينَا حَيَاةً جَدِيدَةً، وَأَنْ يُرَبِّيَنَا عَلَى الِاسْتِقَامَةِ وَثَبَاتِ الطَّاعَةِ.

فَرَمَضَانُ لَيْسَ مَوْسِمًا عَابِرًا، بَلْ مَدْرَسَةٌ إِيمَانِيَّةٌ كُبْرَى؛ تَعَلَّمْنَا فِيهَا الصَّبْرَ، وَمُجَاهَدَةَ النَّفْسِ، وَتَعْظِيمَ الصَّلَاةِ، وَحُبَّ الْقُرْآنِ، وَالْإِقْبَالَ عَلَى اللَّهِ.

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ:
لَا تُوَدِّعُوا رَمَضَانَ، بَلِ افْسَحُوا لَهُ الْمَجَالَ لِيَعِيشَ مَعَكُمْ فِي بَقِيَّةِ عَامِكُمْ، وَلَوْ بِقَلِيلٍ مِمَّا تَعَلَّمْتُمْ فِيهِ، اسْتَصْحِبُوا مَعَانِيَهُ فِي بَقِيَّةِ عَامِكُمْ.
فَلْيَكُنْ لَكُمْ بَعْدَ رَمَضَانَ وِرْدٌ ثَابِتٌ مِنَ الْقُرْآنِ لَا يُتْرَكُ.
وَلْيَكُنْ لَكُمْ نَصِيبٌ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَلَوْ قَلِيلًا.
وَلْيَكُنْ لَكُمْ حَظٌّ مِنَ الصِّيَامِ؛ فَهَذِهِ سِتٌّ مِنْ شَوَّالٍ، وَهَذَا صِيَامُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَالْأَيَّامُ الْبِيضُ.
فَإِنَّ ثَبَاتَكَ بَعْدَ رَمَضَانَ، عَلَامَةُ انْتِفَاعِكَ بِرَمَضَانَ.
وَإِنَّ مِنْ أَمَارَاتِ الْقَبُولِ: أَنْ تُتْبِعَ الطَّاعَةَ بِطَاعَةٍ، وَالْخَيْرَ بِخَيْرٍ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾.

فَلَا يَكُنْ أَحَدُنَا مِمَّنْ عَرَفُوا اللَّهَ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ أَعْرَضُوا عَنْهُ فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ.
وَلَا يَكُنْ مِمَّنْ بَنَى فِي الشَّهْرِ، ثُمَّ هَدَمَ بَعْدَهُ.

عِبَادَ اللَّهِ:

قِفُوا مَعَ أَنْفُسِكُمْ وَقْفَةَ صِدْقٍ فِي خِتَامِ هَذَا الشَّهْرِ:
مَاذَا تَعَلَّمْتُ مِنْ رَمَضَانَ؟
هَلْ زَادَتْ صَلَاتِي خُشُوعًا؟
هَلْ أَصْبَحَ الْقُرْآنُ أَقْرَبَ إِلَيَّ؟
هَلْ حَفِظْتُ لِسَانِي وَبَصَرِي؟
هَلْ صِرْتُ أَرْفَقَ بِأَهْلِي وَأَقْرَبَ إِلَى رَبِّي؟

فَإِنْ وَجَدْتَ خَيْرًا فَاحْمَدِ اللَّهَ، وَاسْأَلْهُ الثَّبَاتَ.
وَإِنْ وَجَدْتَ تَقْصِيرًا فَتَدَارَكْهُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِالْخَوَاتِيمِ.
عِبَادَ اللَّهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُذَكِّرُ بِهِ الْمُؤْمِنُ فِي خِتَامِ رَمَضَانَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْخَوَاتِيمِ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ بِخَوَاتِيمِهَا. فَلَا يَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ يَضْعُفَ فِي آخِرِ الطَّرِيقِ بَعْدَ طُولِ مُجَاهَدَةٍ، وَلَا أَنْ يَفْتُرَ فِي نِهَايَةِ الْمَوْسِمِ بَعْدَ أَيَّامٍ وَلَيَالٍ مِنَ الطَّاعَةِ.
وَمَا زَالَ فِي رَمَضَانَ بَقِيَّةٌ مِنَ اللَّيَالِي الْمُبَارَكَةِ، فَاجْتَهِدُوا فِيمَا بَقِيَ، وَلَا تَكْسِرُوا عَزَائِمَكُمْ، فَلَعَلَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَمْ تَأْتِ بَعْدُ، وَلَعَلَّ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي كِتَابَةَ الْعِتْقِ مِنَ النَّارِ، وَقَبُولَ الْأَعْمَالِ، وَمَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ.
فَاغْتَنِمُوا مَا بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَأَقْبِلُوا عَلَى رَبِّكُمْ بِقُلُوبٍ صَادِقَةٍ، فَالسَّعِيدُ مَنْ خُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ، وَالْمَحْرُومُ مَنْ أَدْرَكَ الْمَوْسِمَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ خَالِيَ الْيَدَيْنِ.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا وَدُعَاءَنَا وَقِرَاءَتَنَا، وَاجْعَلْنَا فِي خِتَامِ رَمَضَانَ مِنَ الْمَقْبُولِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْمَحْرُومِينَ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ تَمَامِ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنْ شَرَعَ لَكُمْ فِي خِتَامِ هَذَا الشَّهْرِ زَكَاةَ الْفِطْرِ، طُهْرَةً لِلصَّائِمِ، وَمُوَاسَاةً لِلْمِسْكِينِ، وَشُكْرًا لِلَّهِ عَلَى بُلُوغِ تَمَامِ الشَّهْرِ.

وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، صَغِيرًا وَكَبِيرًا، ذَكَرًا وَأُنْثَى، وَتُخْرَجُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، وَأَفْضَلُ وَقْتِهَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَا يَجُوزُ التَّسَاهُلُ فِي تَأْخِيرِهَا.

وَمِنْ سُنَنِ خِتَامِ رَمَضَانَ: التَّكْبِيرُ لَيْلَةَ الْعِيدِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.

فَاجْعَلُوا خِتَامَ شَهْرِكُمْ شُكْرًا وَذِكْرًا وَاسْتِغْفَارًا، وَلَا تَجْعَلُوا لَيْلَةَ الْعِيدِ لَيْلَةَ غَفْلَةٍ وَتَفْرِيطٍ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْبِلَادِ: نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالِاجْتِمَاعِ وَوَحْدَةِ الصَّفِّ.
فَبَيْنَمَا يَسْتَقْبِلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْعِيدَ تَحْتَ ظِلَالِ الْخَوْفِ وَالْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ، نَسْتَقْبِلُهُ - بِفَضْلِ اللَّهِ - فِي طُمَأْنِينَةٍ وَاسْتِقْرَارٍ.

وَهَذِهِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تُوجِبُ الشُّكْرَ، وَمِنْ شُكْرِهَا:
الدُّعَاءُ لِوُلَاةِ أَمْرِنَا بِالتَّوْفِيقِ،
وَالدُّعَاءُ لِرِجَالِ أَمْنِنَا بِالْحِفْظِ وَالثَّبَاتِ،
وَالتَّعَاوُنُ مَعَهُمْ،
وَالحَذَرُ مِنْ نَشْرِ الشَّائِعَاتِ وَالْإِرْجَافِ وَكُلِّ مَا يُرْبِكُ النَّاسَ وَيَخْدِمُ أَعْدَاءَ الْبِلَادِ.

فَاحْفَظُوا بِلَادَكُمْ بِدُعَائِكُمْ، وَوَعْيِكُمْ، وَصِدْقِكُمْ، وَالْتِفَافِكُمْ حَوْلَ جَمَاعَتِكُمْ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُدِيمَ عَلَيْنَا دِينَنَا وَأَمْنَنَا وَاسْتِقْرَارَنَا.

ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فقال عز وجل:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا وَدُعَاءَنَا وَتلاواتنا، وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الْمَقْبُولِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْمَحْرُومِينَ.
اللَّهُمَّ اخْتِمْ لَنَا رَمَضَانَ بِالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ، وَالْعِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ، وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الرَّابِحِينَ الْفَائِزِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَاسْتُرْ عُيُوبَنَا، وَفَرِّجْ هُمُومَنَا، وَنَفِّسْ كُرُوبَنَا، وَاقْضِ حَوَائِجَنَا، وَاشْفِ مَرْضَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا، وَاسْتَجِبْ دُعَاءَنَا.
اللَّهُمَّ أَعِدْ عَلَيْنَا رَمَضَانَ أَعْوَامًا عَدِيدَةً وَأَزْمِنَةً مَدِيدَةً، وَنَحْنُ فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ، وَصِحَّةٍ فِي الْأَبْدَانِ، وَسَعَادَةٍ فِي الْحَيَاةِ، وَعَمَلٍ صَالِحٍ مُتَقَبَّلٍ، وَإِيمَانٍ وَثَبَاتٍ وَإِحْسَانٍ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَعْمَارِنَا وَأَرْزَاقِنَا وَأَهْلِينَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِيكَ عَنَّا.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَدِينَنَا وَأَمْنَنَا وَمُقَدَّسَاتِنَا وَثَرَوَاتِنَا.
اللَّهُمَّ احْفَظْ رِجَالَ أَمْنِنَا، وَأَيِّدْهُمْ بِتَأْيِيدِكَ، وَاجْزِهِمْ خَيْرَ الْجَزَاءِ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

المرفقات

1773342203_الْعِبْرَةُ بِالْخَوَاتِيمِ.. خِتَامُ رَمَضَانَ!.pdf

المشاهدات 1250 | التعليقات 0