العنايةُ بِالمَسَاجِدِ

أحمد بن عبدالله الحزيمي
1447/11/06 - 2026/04/23 14:56PM

العنايةُ بِالمَسَاجِدِ

الحمدُ للهِ الَّذِي شَرَّفَ بُيُوتَهُ، وَرَفَعَ قَدْرَهَا، وَجَعَلَهَا مَنَارَاتِ هِدَايَةٍ، وَمَوَاطِنَ سَكِينَةٍ وَعِبَادَةٍ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاهْتَدَى بِهُدَاهُ، أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا أَهْلَ الإِسْلَامِ، اتَّقُوا اللهَ، وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا.

عِبَادَ اللهِ:
امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، لَا يُنْظَرُ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهَا شَأْنٌ، غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقَالُوا: مَاتَتْ، فَقَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟» قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا»، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
مَفْخَرَةٌ مِنْ مَفَاخِرِ الإِسْلَامِ، وَعُنْوَانُ عِزِّهِ الظَّاهِرِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مُنْجَزَاتِهِ عَبْرَ العُصُورِ؛ بِهَا قَامَتِ الشَّعَائِرُ، وَاجْتَمَعَتِ القُلُوبُ، وَارْتَفَعَتْ رَايَةُ الدِّينِ.

تَارِيخُهَا يَبْدَأُ مِنْ فَجْرِ النُّبُوَّةِ، يَوْمَ أُسِّسَتْ عَلَى التَّقْوَى، وَلَا تَزَالُ إِلَى اليَوْمِ مَنَارَةً لَا تَخْبُو، تَرْفَعُ أَهْلَهَا إِلَى أَعْلَى المَقَامَاتِ، وَتَكْتُبُ لَهُمْ أَرْفَعَ الدَّرَجَاتِ.

حَدِيثُنَا اليَوْمَ – يَا عِبَادَ اللهِ – عَنِ المَسَاجِدِ!

المَسْجِدُ في الإِسْلَامِ لَهُ دَوْرٌ كَبِيرٌ، وَمَكَانَةٌ جَلِيلَةٌ، فَهُوَ مَرْكَزٌ إِيمَانِيٌّ، وَمَأْوًى اجْتِمَاعِيٌّ، وَمُؤَسَّسَةٌ تَعْلِيمِيَّةٌ، وَوَقْفٌ خَيْرِيٌّ، يَفِرُّ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُ بَعِيدًا عَنْ صَخَبِ الْحَيَاةِ وَهُمُومِهَا وَنَصَبِهَا، لِيَجِدَ فِيهِ الْمُسْلِمُ رَاحَةَ الْبَالِ، وَطُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ، وَسَعَادَةَ الرُّوحِ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمَسَاجِدُ.

لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ غَرِيبًا أَنْ كَانَتْ أَوَّلُ أَعْمَالِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ هُوَ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ. فَحِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قُبَاءَ وَمَكَثَ عِنْدَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، لَمْ يُغَادِرْ مِنْ عِنْدِهِمْ حَتَّى أَسَّسَ مَسْجِدَ قُبَاءَ، وَحِينَ قَدِمَ إِلَى مَوْطِنِهِ فِي الْمَدِينَةِ كَانَ أَوَّلُ مُشْرُوعَاتِهِ ﷺ أَنْ أَسَّسَ مَسْجِدَهُ الشَّرِيفَ.

أَيُّهَا النَّاسُ: الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لَهَا، وَأَكْثَرَ سُبْحَانَهُ مِنْ ذِكْرِهَا تَعْظِيمًا لِقَدْرِهَا وَتَنْوِيهًا بِفَضْلِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.

مِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْمُؤْمِنُ إِلَى رَبِّهِ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا أَوْ يُشَارِكَ فِي بِنَائِهِ؛ فَفِيهَا يُعْبَدُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَيُوَحَّدُ، وَيُذْكَرُ فِيهَا اسْمُهُ وَيُتْلَى كِتَابُهُ، وَفِيهَا يُنْشَرُ الْعِلْمُ وَيُرْفَعُ الْجَهْلُ، وَفِيهَا الْمَوَاعِظُ وَالْخُطَبُ، فَتَلِينُ الْقُلُوبُ بَعْدَ قَسْوَتِهَا، وَتَتَنَبَّهُ مِنْ غَفْلَتِهَا، وَقَدْ أَثْنَى سُبْحَانَهُ عَلَى عُمَّارِ الْمَسَاجِدِ حِسِّيًّا وَمَعْنَوِيًّا بِبِنَائِهَا وَإِصْلَاحِهَا، وَبِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِيهَا، فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. وَالْمُخْلِصُ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ يُجْزَى بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ؛ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

حَافِظُوا يَا عُمَّارَ الْمَسَاجِدِ عَلَى نِظَامِهَا وَنَظَافَتِهَا، فَنَظَافَةُ الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مَهْمَّةَ عَامِلِ النَّظَافَةِ، وَلَيْسَتْ مَسْؤُولِيَّةَ إِمَامِ الْمَسْجِدِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ مَهْمَّةُ كُلِّ مُؤْمِنٍ يَرْغَبُ فِي الْأَجْرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَعِينُوا الْمُؤَذِّنِينَ وَالْأَئِمَّةَ عَلَى مَا تَحَمَّلُوا مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَتَجَاوَزُوا عَنِ الْهَفَوَاتِ وَالْأَخْطَاءِ، فَإِنَّ الْكَمَالَ أَبَى أَنْ يَكُونَ إِلَّا لِرَبِّ السَّمَاءِ.

يَا عَبْدَ اللَّهِ، احْرِصْ عَلَى خِدْمَةِ الْمَسْجِدِ بِقَدْرِ مَا تَسْتَطِيعُ، فَتَنْظِيفُ الْمَسْجِدِ، أَوْ تَطْيِيبُهُ، أَوْ تَرْتِيبُ مَصَاحِفِهِ، أَوْ إِغْلَاقُ أَبْوَابِهِ وَنَوَافِذِهِ، أَوْ صِيَانَةُ مُمْتَلَكَاتِهِ، أَوِ التَّكَفُّلُ بِأُجْرَةِ عَامِلِهِ، أَوِ التَّبَرُّعُ لِلْمَسْجِدِ بِمَا يَنْفَعُهُ، كُلُّهَا سَوْفَ تَجِدُهَا فِي صَحِيفَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ. فَإِذَا كَانَتْ مَسَاجِدُ الدُّورِ الْخَاصَّةِ يُسْتَحَبُّ تَنْظِيفُهَا وَتَطْيِيبُهَا، فَالْمَسَاجِدُ الْعَامَّةُ أَوْلَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تُعَدُّ رَمْزًا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَمَوْطِنًا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، وَتَذَكَّرْ دَائِمًا قَوْلَ الْحَبِيبِ ﷺ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ»، وَالْقَذَاةُ: هِيَ الشَّيْءُ اليَسِيرُ كَالْوَسَخِ ، أَوْ قِطْعَةِ مَنْدِيلٍ، أَوْ رِيشِ الطَّائِرِ، أَوِ التُّرَابِ اليَسِيرِ يُخْرِجُهُ الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَيُجَازِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ الأَجْرَ العَظِيمَ.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: "وَكَنْسُ الْمَسَاجِدِ وَإِزَالَةُ الأَذَى عَنْهَا فِعْلٌ شَرِيفٌ، لَا يَأْنَفُ مِنْهُ مَنْ يَعْلَمُ آدَابَ الشَّرِيعَةِ... وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ".

وَتَطْيِيبُ الْمَسَاجِدِ وَتَجْمِيرُهَا مِمَّا يُدْخِلُ الأُنْسَ عَلَى الْمُصَلِّينَ، وَيَكُونُ سَبَبًا فِي خُشُوعِهِمْ، وَيَطْرُدُ الرَّوَائِحَ الْكَرِيهَةَ الَّتِي تَقَعُ بِسَبَبِ الأَنْفَاسِ وَالِازْدِحَامِ.

وَإِنَّ مِمَّا يُؤْسَفُ لَهُ - أَيُّهَا الْكِرَامُ - عَدَمُ اهْتِمَامِ الْبَعْضِ بِبُيُوتِ اللَّهِ، لَا بِالْمُشَارَكَةِ فِي صِيَانَتِهَا وَلَا فِي نَظَافَتِهَا، وَبَعْضُهُمْ إِنَّمَا هُوَ لِلنَّقْدِ وَالِاقْتِرَاحَاتِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عُمَّارِ بُيُوتِكَ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.

الخطبة الثانية

الحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلاَمًا عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى، أَمَّا بَعْدُ:

فلَمَّا كَانَتْ بُيُوتُ اللَّهِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الْعَظِيمَةِ، وَهَذَا الْمَقَامِ الرَّفِيعِ، كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى كُلِّ دَاخِلٍ إِلَيْهَا أَنْ يَدْخُلَهَا بِأَدَبٍ، وَأَنْ يَصُونَهَا عَنْ كُلِّ مَا يُنْقِصُ هَيْبَتَهَا أَوْ يُؤْذِي رُوَّادَهَا، فَلَا يَأْتِيَنَّ أَحَد الْمَسْجِدَ بِرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ مِنْ عَرَقٍ أَوْ ثُومٍ أَوْ بَصَلٍ أَوْ دُخَانٍ، وَلَا بِمَلَابِسَ مُتَّسِخَةٍ تُنَفِّرُ، وَلَا بِوَجْهٍ عَابِسٍ يَصُدُّ، وَلَا بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ يُشَوِّشُ عَلَى الْمُصَلِّينَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِلضَّجِيجِ، بَلْ لِلسَّكِينَةِ وَالْخُشُوعِ.

وَمِنَ الْأَخْطَاءِ الْمُؤْلِمَةِ: الْعَبَثُ بِالْجَوَّالِ، أَوْ رَفْعُ نَغَمَاتِهِ، أَوِ الِانْشِغَالُ بِهِ أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ، أَوْ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ، أَوْ إِذَاؤُهُمْ بِالْمُزَاحَمَةِ، أَوْ تَرْكُ الأَطْفَالِ دُونَ تَوْجِيهٍ فَيُشَوِّشُونَ عَلَى الْمُصَلِّينَ.

وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: وَضْعُ الأَحْذِيَةِ فِي مَدَاخِلِ الْمَسْجِدِ أَوْ فِي طُرُقَاتِهِ، فَيَتَأَذَّى بِهَا الدَّاخِلُونَ، وَيَضِيقُ بِهَا الْمَكَانُ، وَيُسَاءُ بِهَا إِلَى مَنْظَرِ بَيْتِ اللَّهِ.

وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّكَ تَجِدُ مَنْ يُنَظِّفُ ثَوْبَهُ وَغُتْرَتَهُ وَرُبَّمَا أَنْفَهُ، وَيُلْقِي بِقَاذُورَاتِهِ عَلَى الْفُرُشِ، وَالْبَعْضُ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ، وَأَشْيَاءَ غَرِيبَةً لَا يُصَدِّقُ الْمُسْلِمُ أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَرَاهُ بِعَيْنِهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِنَّ الْمَسَاجِدَ تُصَانُ مِمَّا تُصَانُ مِنْهُ عَيْنُ الإِنْسَانِ، فَكُلُّ قَذَاةٍ تُؤْذِي عَيْنَكَ لَا تَضَعْهَا فِي الْمَسْجِدِ.

وَمَنْ احْتَاجَ إِلَى التَّنَحْنُحِ أَوْ إِخْرَاجِ بَلْغَمٍ أَوْ مُخَاطٍ، فَلْيَكُنْ ذَلِكَ بِخَفْضِ صَوْتٍ، وَبِأَدَبٍ، دُونَ إِذَاءٍ أَوْ تَقْذِيرٍ لِلْمَكَانِ.

وَمِنْ مَظَاهِرِ التَّقْصِيرِ: أَنْ يَدْخُلَ بَعْضُ النَّاسِ الْمَسْجِدَ بِلباسٍ لَا يَلِيقُ بِبُيُوتِ اللَّهِ؛ فَيَأْتِي بِثِيَابِ مِهْنَتِهِ الْمُلَطَّخَةِ، أَوْ بِملابسِ نَوْمِهِ، وَهِيَ هَيْئَةٌ لَا يَرْضَاهَا لِنَفْسِهِ فِي مَجَالِسِ النَّاسِ وَلَا عِنْدَ لِقَاءِ ذَوِي الْمَكَانَةِ، فَكَيْفَ يَرْضَاهَا وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟!

وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ: مَنْ يَدْخُلُ الصَّلَاةَ بِبِلَاسٍ لَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، كَبِنْطَالٍ قَصِيرٍ تَنْكَشِفُ مَعَهُ الرُّكْبَتَانِ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ شَيْءٌ مِنَ الْفَخِذِ عِنْدَ الْجُلُوسِ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، فَلَا تَصِحُّ بِدُونِهِ.

وَمِمَّا يُنَبَّهُ إِلَيْهِ إِذَاءُ النَّاسِ فِي الطُّرُقَاتِ الْمُحِيطَةِ بِالْمَسَاجِدِ، بِإِيقَافِ الْمَرْكَبَاتِ عَلَى وَجْهٍ يُؤْذِي الْمَارَّةَ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُلْحِقُ الضَّرَرَ بِالْمُجَاوِرِينَ لِلْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنَ الأَذَى الْمُحَرَّمِ شَرْعًا.

تَذَكَّرُوا يا عُمَّارَ المساجد لَوْ أَنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا دَعَاكُمْ إِلَى قَصْرِهِ، لَتَهَيَّأْتُمْ لَهُ، وَتَجَمَّلْتُمْ، وَتَأَدَّبْتُمْ، وَرَاعَيْتُمْ كُلَّ تَفْاصِيل هذه الزيارة، فَكَيْفَ وَأَنْتُمْ تُدْعَوْنَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُيُوتِ مَلِكِ الْمُلُوكِ، رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟

فَاجْعَلُوا خُطَاكُمْ إِلَيْهَا عِبَادَةً، واستعدادكم له قُرْبَةً، وَخُرُوجَكُمْ مِنْهَا طَاعَةً،

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عُمَّارِ بُيُوتِكَ، وَمِمَّنْ تُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ، واجْعَلْنَا مُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّاتِنَا، اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى دِينِكَ وَصِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، وَانْصُرْ بِهِمُ الدِّينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ كُنْ لِإِخْوَانِنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الْفِتَنَ، اللَّهُمَّ أَعِذْنَا مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، عَنْ بَلَدِنَا وَسَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

المرفقات

1776945398_العناية بالمساجد.docx

المشاهدات 612 | التعليقات 0