العين - خطرها وعلاجها

فهد الجمعة
1447/10/28 - 2026/04/16 19:52PM

الحمدلله الخلاق العليم، نحمده ونشكره وهو الربُّ العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله البشيرُ النذير والسراج المنير، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن خير ما نوصي به هو تقوى الله القويِّ المتين، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومَن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما)، واعلموا أن خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد ﷺ، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ بدعة ضلالة.

عباد الله: إنّ العين حقٌّ وهذا ثابت لا ريب فيه، دلّ عليه الشرع، وأقرّته التجارب، وهي من أخطرما يُبتلى به العبد، إذ لا تُرى آثارها في الظاهر كما تُرى سائر الآفات، ولكنها تنخر في الباطن نخرًا،وتُفسد على العبد قلبه وعمله دون أن يشعر. يقول نبينا ﷺ: "العين حق، ولو كان شيء سابقالقدر لسبقته العين". وقال ﷺ: "إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر". بل أخبر النبيﷺ أن أكثر مَن يموت من هذه الأمة إنما يموت بالعين، قال ﷺ: "أكثر مَن يموت من أمتي بعدقضاء الله وقدره بالعين".

والعين -أيها المسلمون- تحصل إما من حسدٍ يقع في القلب فينبعثُ فينطلقُ مع النظرةفيصيبُ بإذن الله بالشر، أو يكونُ عن نظرةِ استحسان وإن لم يكن هناك حسد، يرى الإنسانُشيئًا يعجبه فيصيبه بالعين وإن لم يكن حاسدًا لصاحبه. بل إن الإنسان قد يصيبُ نفسَه بالعينإذا أُعجب بنفسه ولم يبرّك ولم يتحرّز من هذا، قال ﷺ: "إذا رأى أحدُكم من نفسه أو ماله أو منأخيه ما يعجبه فليدعُ له بالبركة؛ فإن العين حق".

وقد تقع العينُ من الإنسانِ الصالحِ التقي، فقد حصل في زمن النبي ﷺ أن عامر بن ربيعة رضيالله عنه مرَّ على سهل بن حنيف رضي الله عنه وهو يغتسل، فقال عامرٌ لما رأى سهلًا، وكان سهلٌرجلًا جميلًا حسنًا، لما رآه يغتسل قال: "وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ! وَلا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ"، أي إن جمالَسهلٍ وحسنَ جلدِه أفضلُ من جلد امرأةٍ مخبأةٍ عذراء.

والعين ليست فقط إنسية، بل قد تكون جنّيّة، بمعنى أنه قد يصيبنا الجنُّ بالعين أحيانًا، ولذلك كان نبينا ﷺ يتعوذ من أعين الإنس والجَانِّ، حتى نزلت المعوذتان، فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا.

وكان نبينا ﷺ من شدة حرصه على الأطفال وحتى يصرف العين عنهم، كان يحلق رؤوسهم؛ لأن الأطفالَ أكثرُ عرضةٍ للإصابة بالعين، ربما لجهلهم بالأدعية والمعوذات، أو لجمالهم وحسن منظرهم، أو لأنهم في مرحلة الطفولة يلفتون الانتباهَ بحركاتهم وذكائهم ودعابتهم. فإذا كان طفلك جميلًا، أو فيه صفةٌ جميلة، أو صاحبَ موهبةٍ فلا تجمّله، ولا تظهره للناس وخاصة عند مَن عُرِفوا بالعين.

فيا مَن تتفاخرون وتمدحون أبناءكم، وتذكرون محاسنهم أمام الغرباء، وتنشرون صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي أو تضعونها كصورةٍ شخصية أو على حالاتكم اليومية ليراها الناس.. تذكروا أن العين حق، فكم من طفل تغيرت حالته النفسية، ورفض الطعام والشراب، أو أصيب بالبكاء المستمر دون سببٍ واضح، وغيرها من العلامات التي تدل على إصابته بالعين.

ويا مَن تتزينين وتتجملين وتخرجين إلى حَفْلات الزواج، وغيرِها من المناسبات، وتُظهرين جمالَكِ ومفاتنَكِ أمام العيون؛ ألا تعرفين أن العين حق، فكم من إمرأةٍ بسبب العين لازمت الفراش؟، وكم من فتاةٍ بسبب العين تمرضت وأصبحت تحت التراب؟. وربما أنت مَن تصيب نفسك ومالك وعائلتك بالعين، فقد ذكر أهل التاريخ: أن امرأةً كانت عندها بنت جميلة، فهذه البنت تزينت وتجملت ولبست أجمل ثيابها، وخرجت على أمها، فالأم عندما نظرت إليها قالت لها كلمة: يا أسعد مَن تكونين من نصيبه، فأصابتها الحمى فلم تعش أكثر من يوم واحد ثم ماتت.

فاتقوا الله عباد الله واستعيذوا بالله من العين والعائنين وتسلحوا بالأذكار والأدعية النبوية.

بارك الله لي ولكم ….

 


الخطبة الثانية

الحمدلله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، أما بعد: فهناك -أيها المسلمون- أسباب ووسائل تقي الإنسان بإذن الله  -عز وجل- من العين قبل وقوعها، ومن ذلك:

أولًا: المحافظةُ على أذكار الصباح والمساء وأذكار النوم والاستيقاظ؛ فإنها حِصنٌ حصين يتحصَّنُبه المسلمُ من العينِ والشيطان، على ما فيها من الثواب العظيم.

ثانيًا: المحافظةُ على صلاة الفجر، فإن النبي ﷺ قال: "مَن صلى الصبح فهو في ذمة الله" أي في حفظ الله ورعايته، ومَن كان في ذمة الله فلا سبيل للشيطان إليه أبداً.

ثالثًا: الاستعاذة بالله -عز وجل- من شر العين؛ فإن النبي ﷺ يقول: "استعيذوا بالله من العين".ومن ذلك أن يعوذ الرجلُ أولادَه، فقد كان النبي ﷺ يفعل ذلك مع الحسن والحسين، كانيعوذهما ويقول: "إن أباكما"، يعني إبراهيم -عليه السلام-، "كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق"،كان يقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة"، هذهالتعويذة يعوذ بها الأطفال والصبيان فتحفظهم بإذن الله -عز وجل- من العين والشيطان.

رابعًا: إذا خشي الإنسان من العين؛ فإنه يمكنه أن يكتم شيئًا من نِعم الله عليه ويخفيها؛ فإنّ يعقوب -عليه السلام- أمر أولاده بأن يدخلوا من أبواب متفرقة لأنهم إذا دخلوا من بابٍ واحدظهر من اجتماعهم حسنُهم وجمالُهم، فإذا تفرقوا من الأبواب لن يلتفتَ الناسُ إليهم.

خامسًا: المحافظةُ على طاعة الله -عز وجل-، فإنه من أعظم وسائل الحفظ التي يُحفظ العبدُ بهافي نفسه وماله وولده، يقول ﷺ لابن عباس -رضي الله عنه-: "احفظ الله يحفظك"، احفظ أوامر الله، واحفظ حدوده وشرائعه، فإذا فعلتَ ذلك حفظك الله في نفسك ومالك وولدك.

وأخيرًا: أن يتوكلَ الإنسانُ على الله، وأن يعتمدَ عليه ويلتجئَ إليه، وأن يجعلَ ثقتَه كلَّها بالله-سبحانه وتعالى-، أن يوقنَ بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا)أن يوقنَ بأنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنَّ ما شاء الله كان وما لميشأ لم يكن، فيتوكلُ على الله تمام وغاية التوكل، فإذا توكل على الله كفاه؛ (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِفَهُوَ حَسْبُهُ) إذا توكلتَ على الله حقًّا وصدقًا كفاك كلَّ شرٍّ وسوءٍ ومكروب، ودفع عنك العينَوالجنَّ والشيطان، وحفظك في نفسك ومالك وولدك. وأنت يا مَن تطيع ربك: إيّاك ثم إيّاك أنتجعل طاعتك وعبادتك مجالًا للحديث بين الناس، أو ميدانًا للمباهاة والظهور، فإن النفوسَضعيفة، والقلوبَ تتقلب، وفي الناس مَن يحسدُ ومَن يُعجب، وكل ذلك بابٌ من أبواب البلاء.اكتم عملك ما استطعت، واستتر بطاعتك، واجعل بينك وبين الله سرًّا لا يطّلعُ عليه أحد، فإنَّالإخلاصَ أعظمُ وقاية، والسترَ أحصنُ حصن. ولا تغترّ بثباتك اليوم، فكم من مستقيمٍ زلّ، وكممن مجتهدٍ فتر، وكم من حافظٍ نسي، وكل ذلك بقدر الله، وقد يكون من أسباب ذلك عينٌأصابت، أو نفسٌ أُعجبت، أو قلبٌ تعلّق بمدح الناس. فالزم الأذكار، وأكثِرْ من التعوذ، وداومْ علىسؤال الله الثبات، وقل كما كان يقول نبينا ﷺ: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". واحذر أنتَفتح على نفسك أبوابَ البلاء بيدك، فإن من أعظم أسباب الحرمان: إظهارَ النعمة، والتحدثَبالطاعة، والتزيّنَ بها أمام الخلق، فإن العبدَ كلما أخفى عملَه كان أقربَ للقبول، وأبعدَ عنالآفات. نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا، وأن يصرف عنا شر الحاسدين والعائنين، وأن يرزقناالإخلاص في القول والعمل، والثبات حتى نلقاه.

المشاهدات 467 | التعليقات 0