الفضائل العشر في أيام العشر

ياسر عبدالله الحوري
1447/11/23 - 2026/05/10 08:19AM
           بسم الله الرحمن الرحيم
        الفضائل العشر في أيام العشر
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جاء في الحديث عن موسى عليه السلام أنه قال: يا رب، علمني دعاءً أدعوك به. قال: «يا موسى، قل: لا إله إلا الله». قال: يا رب، إن عبادك كلهم يقولون: لا إله إلا الله، أريد شيئًا تخصني به. قال: «يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأراضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله» رواه ابن حبان والحاكم وصححه الألباني.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الدجى بكماله، وأنار الكون بجماله، حسنت جميع خصاله، صلوا عليه وآله.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ۝ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: 18-20].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أجارني الله وإياكم من البدع والضلالات، آمين اللهم آمين.
أما بعد، فيا أيها الأحباب الكرام في الله، إنها العشر، أيامٌ مباركات، ما أحوجنا أن نعيش مع فضائل هذه الأيام العظيمة، لنشحذ الهمم، ولنستغل الفرص في طاعة الله والقرب منه جل جلاله.
إنها الأيام المباركات التي أقسم الله عز وجل بها، والله سبحانه لا يقسم إلا بشيء عظيم له منزلته وفضله عنده جل جلاله، فقال سبحانه:
﴿وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2].
وجمهور المفسرين على أن الليالي العشر هي عشر ذي الحجة.
وقال سبحانه:
﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: 3].
وقد جاء عن النبي ﷺ تفسيرٌ أن الوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر، وهو حديث مختلف في صحته، ذكره بعض أهل العلم.
فالله عز وجل أقسم بهذه الأيام المباركات لعِظَم شأنها ومنزلتها، فما أحوجنا أن نستغلها.
إنها أيام معلومات، قال سبحانه:
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28].
فلنكثر فيها من ذكر الله عز وجل، لنفوز بالدرجات العلى.
وقد قال النبي ﷺ:
«ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» رواه أحمد والطبراني، وحسنه الألباني.
ولهذا كان من أفضل أعمال العشر الإكثار من:
لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله.
فبعض الناس قد لا يستطيع الصيام، أو يعجز عن بعض الأعمال، فنقول له: هذا باب مفتوح، يسير على من يسره الله عليه.
أكثروا من التهليل والتكبير والتحميد.
التكبير يعلمنا ألا نحزن؛ كيف يحزن المؤمن وهو يقول: الله أكبر؟
إذا نزلت به الهموم والغموم قال: الله أكبر، أي أن الله أكبر من كل هم، وأكبر من كل كرب.
إنها أفضل أيام الدنيا على الإطلاق.
فقد فضَّل الله شهر رمضان على سائر الشهور، وفضَّل ليلة القدر على سائر الليالي، وفضَّل يوم الجمعة على سائر أيام الأسبوع، وفضَّل عشر ذي الحجة على سائر أيام السنة.
ولذلك انتشرت الغفلة في هذه الأيام، إما لجهل الناس بفضلها، وإما لوسوسة الشيطان.
وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله أن أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان، أما ليالي العشر الأواخر من رمضان فأفضل من ليالي عشر ذي الحجة؛ لأن فيها ليلة القدر.
وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري:
«ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام».
قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟
قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء».
وقد يتعجب بعض الناس: كيف يكون العمل في هذه الأيام أفضل من الجهاد؟
فنقول: لأن لهذه الأيام مزية وفضلًا خصها الله به، كما أن القرآن أفضل الذكر، لكن قد يكون الدعاء في بعض الأوقات أفضل من قراءة القرآن؛ كساعة الإجابة يوم الجمعة.
فكذلك العمل الصالح في هذه الأيام له فضل عظيم، أما إذا اجتمع الجهاد مع فضل هذه الأيام فهو من أعظم الأعمال عند الله سبحانه وتعالى.
وكذلك اجتمعت في هذه الأيام أمهات العبادات:
الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، والذكر، ففُضلت على غيرها.
وفيها يوم عرفة، الذي قال فيه النبي ﷺ:
«صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» رواه مسلم.
وقال ﷺ:
«ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة» رواه مسلم.
وقال ﷺ:
«خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» رواه الترمذي وحسنه الألباني.
فاحفظوا هذا الذكر، وأكثروا منه، خاصة يوم عرفة.
وفضلت هذه الأيام كذلك لأن فيها يوم النحر، ويوم القر، وقد قال النبي ﷺ:
«إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر» رواه أبو داود وصححه الألباني.
فيوم القر هو أول أيام التشريق، وهو يوم الاستقرار بمنى.
فهي فرصة عظيمة يا إخوة الإيمان، نكثر فيها من الذكر، والصيام، والصدقة، والتوبة، والاستغفار، والدعاء، لعل الله أن يرحمنا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا إخوة الإيمان، إنها الأيام التي أتمَّ الله عز وجل فيها ميقات موسى عليه السلام.
قال سبحانه:
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142].
وقد ذكر بعض المفسرين أن الثلاثين هي ذو القعدة، والعشر هي عشر ذي الحجة.
وفي هذه الأيام أنزل الله الشرائع، وكلَّم موسى عليه السلام.
وفيها اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتم النعمة، وهو يوم عرفة، قال سبحانه:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
وقد قال اليهود لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنكم تقرؤون آية لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا.
فقال عمر رضي الله عنه: “إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ يوم عرفة يوم جمعة” رواه البخاري ومسلم.
إنه يوم عظيم، يذكِّرنا بيوم القيامة، حين يقف الناس حفاةً عراةً بين يدي الله.
فالحجاج يقفون في عرفات، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين رئيس ومرؤوس.
فينبغي للظالم أن يتذكر أنه سيقف يومًا بين يدي الله ليس بينه وبين الله ترجمان.
قال سبحانه:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].
وفي هذا اليوم يباهي الله بأهل عرفة ملائكته، كما جاء في الحديث:
«إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء» رواه أحمد وصححه الألباني.
وفي رواية: «انظروا إلى عبادي، أتوني شعثًا غبرًا» رواه أحمد.
وفي هذه الأيام اليوم المشهود الذي ذكره الله في سورة البروج:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ۝ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ۝ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: 1-3].
وقد جاء عن جماعة من السلف أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة
وفي يوم عرفة أيضًا أخذ الله الميثاق على ذرية آدم، كما جاء في الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم، وقرأ النبي ﷺ:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ﴾ [الأعراف: 172].
فيا إخوة الإيمان، المفلح والفائز من استغل هذه الأيام.
والأمر يسير:
أكثر من التكبير في السيارة، وفي البيت، وفي الطريق، وفي السوق.
فقد كان أبو هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران، فيكبر الناس بتكبيرهما، رواه البخاري تعليقًا.
والتكبير نوعان:
تكبير مطلق: من دخول عشر ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق، في كل وقت.
وتكبير مقيد: عقب الصلوات، ويبدأ من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق.
ومن أعظم الأعمال الأضحية، عندما يذبحها المسلم لله عز وجل يوم النحر وأيام التشريق.
ويكفينا شرفًا أن إبراهيم الخليل عليه السلام قال لنبينا محمد ﷺ ليلة المعراج:
«يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» رواه الترمذي وحسنه الألباني.
نسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
الدعاء
عباد الله، صلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين، حيث أمركم الله فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وأقم الصلاة.
 
نَفحُ الجُوري في خُطَبِ الحُوري
المرفقات

1778390370_الفضائل العشر في أيام العشر.docx

1778390371_الفضائل العشر في أيام العشر.pdf

المشاهدات 518 | التعليقات 0