اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل

عبد الله بن علي الطريف
1447/03/04 - 2025/08/27 09:18AM

اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل 1447/3/6هـ

الحمدُ للهِ على نعمائِه، والشكرُ له على توفيقِه وعطائِه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له المتفردُ بكبريائِه، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُ الله ورسولُه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِراً، (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، أَمَا بَعْدُ: أيها الإخوة: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ" رواه البخاري هذا ما حدَّثَ بِهِ خادمُ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-  وهو مِنْ أقربِ الناسِ إليه؛ لـِمُرَافَقَتِهِ إِيَاهُ بمعظمِ أحوالِهِ، ووصفَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- استعاذةَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- من هذه الآفاتِ بأنها كثيرةٌ.. والملاحظُ أَنَّ كُلَ آَفَتَيْنِ مِنْها قَرِيْنَتانِ: فَالعَجْزُ وَالكَسَلُ قرينان؛ فَإن كان تَخَلُّفُ مَصلَحَةِ العبدِ وبُعْدُها عنه، من عدمِ القدرةِ فهو عجزٌ، سواء كان ذلك لسببٍ جسديٍ أو نفسيٍ أو أيِ سبب آخر يمنعُ من القيامِ بالعمل.. أما الكسل فهو عدم الرغبة في الفعل مع القدرة عليه، أي أَنَّ الشخصَ قادرٌ على أداءِ العملِ ولكنَّهُ يتركُه ولا يبذلُ فيه أي جُهد.. وهما صفتان متقاربتان وقد تعوَّذَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- من العجزِ؛ لئلا يعجزُ عما يلزمه فعله من منافع الدين والدنيا.. وتعوذ من الكسل حتى لا تُقْعِدَهُ عدمُ الرغبةِ في الفعلِ مع القدرةِ عليه عن أداءِ العملِ.. واستعاذتُه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- من ‌العجز ‌والكسل لأنهما يمنعان العبدَ من أداءِ حُقوقِ اللهِ وحقوقِ نفسِهِ وأهلِهِ، ويتسببان في تضييعِ النظرِ في أمرِ معادِهِ، وأمرِ دنياه، وقد أُمِرَ المؤمنُ بالاجتهادِ في العملِ والإجمَالِ في الطلبِ، وألا يكونَ عالةً ولا عِيالًا على غيرِه ما مُتِّعَ بصِحَةِ جَوَارِحِهِ وعقلِهِ..

قال ابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ-: قال بعض السلف: الأمرُ أمران: أمرٌ فيه حيلةٌ فلا يُعجزُ عنه، وأمرٌ لا حيلةَ فيه فلا يُجْزَعُ منه".. وقال -رَحِمَهُ اللهُ-: "وَالْكَيْسُ: هُوَ مُبَاشَرَةُ الْأَسْبَابِ الَّتِي رَبَطَ اللَّهُ بِهَا مُسَبِّبَاتِهَا النَّافِعَةَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، فَهَذِهِ تَفْتَحُ عَمَلَ الْخَيْرِ، وَأَمَّا الْعَجْزُ، فَإِنَّهُ يَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَمَّا يَنْفَعُهُ، وَصَارَ إِلَى الْأَمَانِي الْبَاطِلَةِ بِقَوْلِهِ: لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَوْ فَعَلْتُ كَذَا، يَفْتَحُ عَلَيْهِ عَمَلَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ بَابَهُ الْعَجْزُ وَالْكَسَلُ، وَلِهَذَا اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- مِنْهُمَا، وَهُمَا ‌مِفْتَاحُ ‌كُلِّ ‌شَرٍّ، وَيَصْدُرُ عَنْهُمَا الْهَمُّ، وَالْحَزَنُ وَالْجُبْنُ، وَالْبُخْلُ وَضَلَعُ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةُ الرِّجَالِ، فَمَصْدَرُهَا كُلُّهَا عَنِ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَعُنْوَانُهَا "لَوْ" فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «فَإِنَّ "لَوْ" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» فَالْمُتَمَنِّي مِنْ أَعْجَزِ النَّاسِ وَأَفْلَسِهِمْ، فَإِنَّ التَّمَنِّيَ رَأْسُ أَمْوَالِ الْمَفَالِيسِ، وَالْعَجْزُ ‌مِفْتَاحُ ‌كُلِّ ‌شَرٍّ."

وقال -رَحِمَهُ اللهُ- في موضع آخر: "وَأَصْلُ الْمَعَاصِي كُلِّهَا الْعَجْزُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَعْجِزُ عَنْ أَسْبَابِ أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ، وَعَنِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُبْعِدُهُ عَنِ الْمَعَاصِي، وَتَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَيَقَعُ فِي الْمَعَاصِي، فَجَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ فِي اسْتِعَاذَتِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- أُصُولَ الشَّرِّ وَفُرُوعَهُ، وَمَبَادِيَهُ وَغَايَاتِهِ، وَمَوَارِدَهُ وَمَصَادِرَهُ.. إلى أن قال: وَيَنْشَأُ عَنْ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ فَوَاتُ كُلِّ خَيْرٍ، وَحُصُولُ كُلِّ شَرٍّ، وَمِنْ ذَلِكَ الشَّرِّ تَعْطِيلُهُ عَنِ النَّفْعِ بِبَدَنِهِ، وَهُوَ الْجُبْنُ، وَعَنِ النَّفْعِ بِمَالِهِ وَهُوَ الْبُخْلُ، ثُمَّ يَنْشَأُ لَهُ بِذَلِكَ غَلَبَتَانِ. غَلَبَةٌ بِحَقٍّ، وَهِيَ غَلَبَةُ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةٌ بِبَاطِلٍ، وَهِيَ غَلَبَةُ الرِّجَالِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ ثَمَرَةُ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ.. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ [الرَّجُلُ] الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: لَمَّا أَدْبَرَ لِلرَّجُلِ [المقضي له] «حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ اللَّهَ ‌يَلُومُ ‌عَلَى ‌الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» رواه أبو داود، وحسنه الأرناؤوط في تعليقه على الأذكار للنووي. فَهَذَا الرَجُلُ قَالَ «حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» بَعْدَ عَجْزِهِ عَنِ الْكَيْسِ، الَّذِي لَوْ قَامَ بِهِ، لَقُضِيَ لَهُ عَلَى خَصْمِهِ، فَلَوْ فَعَلَ الْأَسْبَابَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا كَيِّسًا، ثُمَّ غُلِبَ فَقَالَ: «حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» لَكَانَتِ الْكَلِمَةُ قَدْ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا، كَمَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ -‌عَلَيْهِ ‌السَّلامُ- لَمَّا فَعَلَ الْأَسْبَابَ الْمَأْمُورَ بِهَا، وَلَمْ يَعْجِزْ بِتَرْكِهَا، وَلَا بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْهَا، ثُمَّ غَلَبَهُ عَدُوُّهُ، وَأَلْقَوْهُ فِي النَّارِ، قَالَ فِي تِلْكَ الْحَالِ: (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) فَوَقَعَتِ الْكَلِمَةُ مَوْقِعَهَا، وَاسْتَقَرَّتْ فِي مَظَانِّهَا، فَأَثَّرَتْ أَثَرَهَا، وَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا مُقْتَضَاهَا".. اللهم أعذنا من العجز والكسل واجعلنا من الراشدين.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد..

الخطبة الثانية

الحَمدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ والشُكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الـمُؤيَدُ بِبُرهَانِـهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِراً.. أَمَا بَعْدُ: أَيُهَا الإِخْوَةَ: اتَقُوا اللهَ حَقَ التَقْوَى، واعْلَمُوا أَنَّ في قولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- في هذا الحديث "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ بيانُ لِهَدْيِهِ في الدعاءِ، وأَنَّه يستعيذُ باللهِ من الأخلاقِ السيئةِ التي تُقْعِدُ عن العَمَلِ، وتَبْعَثُ على التَأَخُرِ والكَسَلِ، فكان -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- يستعيذُ بالله من أنْ يُصَابَ بالعجزِ والكسلِ.. ويُحِبُ أن يَبْعَثَ اللهُ فيه الهمةَ العاليةَ، والحرصَ على المسابقةِ في الخيرات.. والسعادةُ كلُ السعادةِ بنبذِ العجزِ والكسلِ، وسُلُوكِ طَرِيقِ الاستقامةِ والجدِ في ذلك.. وهذا الطريقُ فيه مشقةٌ في البدايةِ.. ولكِنْ مَتى ما أُكْرِهَتْ النَّفْسُ عَلَى العملِ، وسِيْقَتْ إليه طَائِعَةً وكارِهَةً وَصَبَرت على لَأْوَائِهِ وشِدتِه، أَفْضَتْ إلى رياضٍ مُونِقةٍ، ومَقَامٍ كريم.. فالمكارمُ مَنُوطَةٌ بالمكارِهِ والسعادةُ لَا يُعْبَرُ اليها إِلَا على جِسْرِ الْمَشَقَّة، وَلَا تُقْطَعُ مَسَافَتُها إِلَا بالْجِدِ وَالِاجْتِهَادِ: فيا وَصْلَ الحَبِيْبِ أَمَا إِلَيْهِ … بِغَيْر مَشَقَةٍ أَبَدًا طَرِيقُ

وسببُ جهلِ كثيرٍ من عبادِ اللهِ بحَلَاوَةِ الطاعةِ حَفُها بحِجَابٍ من المكارِهِ، ولولاهُ لتجالدوا عَلَيْهَا بِالسُّيُوفِ.. والله يختصُ بِطاعتِهِ من يَشَاءُ من عبادِهِ وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم.. والعجز والكسل هما اللذان يُعِيقَانِ الإنسانَ عن مصالحِ دينِهِ ومصالحِ دُنْيَاه..

قال شيخنا محمد العثيمين -رَحِمَهُ اللهُ- "اِعْلَمْ عِلمَ مُجربٍ أنَّك إذا أَكْرَهت نفسَك على طاعةِ اللهِ؛ أَحَبَبتْ الطاعةَ وألفَتْها.. وصِرْت بدلَ ما كُنْتَ تُكْرِهَها لو أَرَدْتَ أنْ تَتَخَلَّفَ عن الطاعةِ أَبَتْ نفسُك عليك.. بَسْ عَوْد نفسَك.. تجد بعض الناس يكره أن يصلي مع الجماعة ويَثْقُلُ عليه، ثم تكون الصلاة مع الجماعة قرة عينه.. ولو تأمرُه أَلَّا يُصلي قال: [أبصلي] أريد أن أصلي، فأنت عَود نفسَك وأكرِهها أولَ الأمرِ وستلين لك وتنقاد".. أهـ اللهُمَّ أَعِنَّا ‌عَلَى ‌ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.. وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيْكُم كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم بِقُولِهِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56] وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ» رواه النسائي صححه الألباني.. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ.

المشاهدات 398 | التعليقات 0