الله نور السماوات والأرض
أحمد بن علي الغامدي
أَمَّا بَعْدُ: فَإنّ مَعْرِفَتَنَا بِاللهِ تبارك تَعَالَى هِيَ مِنَ اللهِ تَعَالَى وحدَه، فهو الذي عَلَّمَنَا أَنَّهُ رَبُّنَا وَخَالِقُنَا وَمَعْبُودُنَا، وَأَرَانَا شَيْئًا مِنْ آيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، وَعَرَّفَنَا بَعْضَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَمَهْمَا عَظَّمْنَا اللهَ تَعَالَى فِي قُلُوبِنَا، وَحَمِدْنَاهُ بِأَقْوَالِنَا وَأَفْعَالِنَا، وَوَصَفْنَاهُ بِأَلْسُنِنَا وَأَقْلَامِنَا؛ فَاللهُ تَعَالَى أَعْظَمُ مِمَّا قُلْنَا وَكَتَبْنَا، وَأَجَلُّ مِمَّا عَلِمْنَا وَظَنَنَّا، وَأَعْلَى مِمَّا نَعَتْنَا وَوَصَفْنَا، وَلَنْ يَبْلُغَ كَمَالَ حَمْدِهِ وَنَعْتِهِ وَمَدْحِهِ جميعُ الخلق ولو اجتمعوا على ذلك أجمعين من أولِهم إلى آخرِهم ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يُحِيطُ نَعْتًا وَوَصْفًا بِمَنِ اسْتَأْثَرَ بِأَسْمَاءٍ لَهُ وَأَوْصَافٍ لاَ تُعَدُّ وَلاَ تُحْصَى، فَلَمْ يَعْلَمْهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلاَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَمَنْ يُحِيطُ وَصْفًا بِمَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، فَلَهُ الحَمْدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبُ ربُنا ويرضى، وكما ينبغي لكرِيمِ وجهِه وعزِ جلالِه وعظيمِ سلطانِه. حمدا يملأُ السماواتِ والأرضَ وما بينهما، وما شاءَ ربُنا من شيءٍ بعد. بمجامعِ محامدِه كلِها ما علِمْنا منها وما لم نعلمْ. على ما له من الكمالِ في كلِ شيء، كمالِ الذاتِ والأسماءِ والصفاتِ والأفعالِ، وكمالِ العظمةِ والقدرةِ والجمالِ والجلالِ.
وعلى نِعَمِه كلِها ما علِمْنا منها وما لم نعلم. عددَ ما حمِدَه الحامدون، وغفلَ عن ذكرِه الغافلون، وعددَ ما جرى به قلمُه، وأحصاه كتابُه، وأحاط به علمُه .
عباد الله :اللهُ تبارك وتَعَالَى نُورٌ، وَالنُّورُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَهِيَ صِفَةُ ذَاتٍ لاَزِمَةٌ لَهُ ،عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى [اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ] قَالَ السُّدِّيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: فَبِنُورِهِ أَضَاءَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ.وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ يَتَهَجَّدُ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ دُعَاءً طَوِيلًا يَفْتَتِحُهُ بِقَولِهِ:«اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ»؛ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
فَهُوَ سُبْحَانَهُ نُورٌ، وَحِجَابُهُ النُّورُ،قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ أنّ نُورَ وَجْهِهِ عَزَّ وَجَلَّ يَحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ، لِأَنَّ سُبُحَاتِ وَجْهِهِ: نُورُه وعظمتُه وَبَهَاؤُهُ وَجَلاَلُهُ .
عباد الله :فِي يَوْمِ القِيَامَةِ حِينَ يُخْسَفُ القَمَرُ، وَتُكَوَّرُ الشَّمْسُ، وَتَنْفَطِرُ السَّمَاءُ، وَتَنْتَثِرُ الكَوَاكِبُ؛ يَنْعَدِمُ النُّورُ، فَلاَ نُورَ، بَلْ ظُلُمَاتٌ /حَتَّى تُشْرِقَ الأَرْضُ بِنُورِ اللهِ تَعَالَى قال الله تعالى: [وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا]..... ..وَفِي يَوْمِ القيامةِ يَجْعَلُ اللهُ لِلْخَلْقِ قُوَّةً، وَيُنْشِئُهُمْ سبحانه وتعالى نَشْأَةً يَقْوَوْنَ عَلَى ألاَّ يَحْرِقَهُمْ نُورُهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَسوف يَرَى- أيضا- أَهْلُ الجَنَّةِ ربَّهم في الجنة -حِينَ تُكْشَفُ لَهُمُ الحُجُبُ، قال النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قال: يقول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شيئا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنْجِينَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فما أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
قال ابن الأثير رحمه الله :""رؤيةُ الله: هي الغايةُ القصوى في نعيمِ الآخرة، والدرجةُ العليا من عطايا الربِ الفاخرة، بلغّنا الله منها ما نرجو". اللهم آمين
أما بعد : فإنّ الله تبارك وتعالى جعلَ كتابه نوراً ، ورسولَه صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نورا ، ودينَه نورا ، وجعل الصلاةَ نوراً، وجعلَ الجنةَ دارَ أوليائه نوراً يتلألأ .
وثبت من دعاء النبيِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الدعاء الذي من قاله:" أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا ... ". أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي[ أي حياةَ قلبي] وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا ". رواه الإمام أحمد .
ولك يا عبدَ الله نورٌ حاصلٌ بقراءةِ سورةِ الكهف فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : («مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ»
وروى مسلم في صحيحه أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : (وَالصَّلَاةُ نُورٌ ) .
وقد كان من دعاءِ النبِي صلى الله عليه وسلم عندَ الخروجِ للمسجد ، وفي السجودِ من صلاةِ الليل:" اللهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وفي لساني نوراً ، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ أَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ عَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، اللهُمَّ أَعْظِمْ لِي نُورًا ، وَاجْعَلْ لِي يَوْم الْقِيَامَة نُورًا ". اللهم آمين
عباد الله : صلوا وسلموا...
المرفقات
1775666982_اسم الله النور.doc