المرأة في الإسلام كرامة ورسالة
د أحمد بن حمد البوعلي
المرأة في الإسلام كرامة ورسالة
خطبة الجمعة: 21 / 6 / 1447 هـ جامع الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني - حي المزروع د. أحمد بن حمد البوعلي
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى، وشرع من الأحكام مايكفل السعادة والسكني، نحمده سبحانه أن جعل المرأة في الإسلامشريكة في البناء، ومنبعاً للعطاء، ومحلاً للتكريم والإعلاء، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الإيمان قريناً للأمان، والعملالصالح مفتاحاً للجنان، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله،القائل: "إنما النساء شقائق الرجال"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبهومن سار على نهجه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الحديث عن المرأة وحقوقها لا ينقطع سواء أكان هذا الحديثغرضه فعلاً حصول المرأة على حقوقها، أم أكان غرضه سيئاً وهوإبعاد المرأة عن دورها الريادي في بناء المجتمع، وجعلها خلقاً آخرمتخلياً عن طبيعته الفسيولوجية والنفسية، التي تساعدها على القيامبمهامها. ولقد تجاوز الحد كثير من الكتاب والمؤلفين والإعلاميين منالغرب والشرق وغيرهما، بل ومن بعض المسلمين- الذين يدعون بهتاناًوزوراً أنهم من التنويريين -في حديثهم عن المرأة وزعموا أن الإسلام قدظلم المرأة وضيق عليها، ولكن طالب الحق يكفيه دليل، وصاحب الباطللا يقنعه ألف دليل!!.
لو تحدثنا عن المرأة في تصور أصحاب الحضارات المزعومة:
الغريب في الأمر أن هؤلاء هم الذين أهدروا حقوق المرأة، فالحضارةالصينية وصفتها (بالمياه المؤلمة)، والحضارة الهندية كانت تُحرق فيهاالمرأة مع زوجها بعد وفاته، وفلاسفة اليونان كأفلاطون صنفها معالعبيد والأشرار والمخبولين، وحتى فيلسوف الثورة الفرنسية (جان جاكرسو) حصر وجودها في الجنس والإنجاب فقط [1].
عباد الله، إن كرامة المرأة في الإسلام ليست تشريفاً بلا تكليف، بلهي رسالةٌ كبرى في "استدامة الأمن". إن الأمن الحقيقي لا يُحرسبالأسوار فحسب، بل يُغرس في الصدور، والمرأة هي الغارسة الأولى. إن دور الفرد في حماية أمن وطنه يبدأ من وعي المرأة في بيتها؛ فهيالتي تحمي عقول الناشئة من اختراق الأفكار الضالة، وهي التيتزرع في وجدان الأبناء قيم الولاء والوسطية والاعتدال. إن المجتمعالذي تُحترم فيه كرامة المرأة هو مجتمعٌ عصيٌّ على الانكسار، لأنالمرأة الواعية هي "صمام الأمان" الذي يمنع تسرب الشائعات، ويقويالروابط الأسرية التي هي أحجار الزاوية في صرح الأمن القوميوالمجتمعي.
مكانة المرأة في الإسلام:
ينظر الإسلام إلى المرأة نظرة تكريم واعتزاز فهي الأم والأختوالزوجة، وشريكة الرجل في تحمل مسؤوليات الحياة:
فهي شريكة في الاستخلاف: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [2].
ومكرمة في أصل الخلق: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ [3].
ومسؤولة عن رعيتها: قال ﷺ: "وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَاوَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا" [4].
عباد الله، إن هذه المكانة السامية التي تبوأتها المرأة في ظل هذاالدين العظيم، لم تكن مجرد شعارات تُرفع، بل هي واقعٌ حيٌّ ومسؤوليةٌعظمى أُلقيت على عاتقها وعاتق المجتمع تجاهها. فالمرأة في الإسلامليست مجرد شريك في الحياة، بل هي "حامية الثغور الأولى"؛فبصلاحها يستقر الأمن الفكري في البيوت، وبوعيها تُبنى سدودٌمنيعة أمام سيل الفتن والانحرافات التي تستهدف شبابنا وفتياتنا.
إن استدامة أمننا تبدأ من مهد الأم، وبقدر تمسكها بكرامتهاورسالتها، يكون استقرار مجتمعنا وقوة وطننا. فاتقوا الله في النساء،واعرفوا لهنّ قدرهنّ، واستمسكوا بهدي نبيكم ﷺ الذي ما فارق الدنياإلا وهو يوصي بالضعيفين: المرأة واليتيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب،فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وبعد:
لقد أعطى الإسلام المرأة حقوقها كاملة؛ من مساواة في أصل الخلق،وفي التكاليف الشرعية، وفي الميراث، وحق التعليم والعمل، والمشاركةالسياسية بالرأي والمشورة كما فعلت أم المؤمنين أم سلمة -رضي اللهعنها- في صلح الحديبية [5].
فلسفة السكن في بيوت النساء:
وجعل الله تعالى بين المرأة والبيت علاقة وطيدة، فنجد من لطائفالقرآن الكريم أنه يضيف البيوت للنساء دون أزواجهن؛ ففي قصةيوسف: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ [6]، وقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [7]، وحتى في الطلاق: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [8].
تأملوا يا عباد الله، كيف جعل الله البيت ملكاً معنوياً للمرأة ليعززشعورها بالأمان والاستقرار، فالمرأة التي تشعر بالأمان في بيتها هيالأقدر على منح الأمان لمجتمعها. إن هذه الإضافة الإلهية للبيوت إلىالنساء هي تكريمٌ لمملكتها الخاصة، وإقرارٌ بأن خروجها من سكنهاليس لمجرد الرغبة، بل لحاجةٍ ورسالة، وأن بقاءها فيه هو "قوةٌ وتمكين" لتربية الأجيال، وليس "حبساً أو تهميشاً". إن المرأة في بيتها هيالقائدة الموجهة، والقدوة المتبعة، وبصلاح ملكتها تصلح الرعية.
أيها المسلمون، إن المرأة في الإسلام هي العمود الفقري وحجرالأساس في بناء المجتمعات، إذا عرفت واجباتها وقامت بها، وعرفتحقوقها وتمسكت بها. إننا في هذا الوطن المبارك نعتز بمرأتنا المسلمة،التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الحجاب والاحتساب، وبينالعلم والعمل، لتظل كرامتها مصونة، ورسالتها خالدة.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزة الدين، اللهم وفق ولاة أمرنالما تحب وترضى، وخذ بناصيتهم للبر والتقوى. اللهم احفظ نساءنابحفظك، واكلاهن برعايتك، واجعلهن هاديات مهديات، ربياتٍللصالحين، ومعيناتٍ على الحق. اللهم أصلح شبابنا وفتياتنا، واجعلهمقرة عين لنا ولأمتنا. اللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان، والاستقراروالاطمئنان، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهماغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريبمجيب الدعوات.
اللهم وفّق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم ألبسه ثوب الصحة والعافية، وأطل في عمره على طاعتك، واجعله ذخراً للإسلام والمسلمين.
اللهم وفق ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، اللهم سدده في أقواله وأفعاله، وكن له عوناً ونصيراً ومعيناً، اللهم اجعل عمله في رضاك، ووفقه لما فيه صلاح البلاد والعباد، وعزّ الإسلام والمسلمين.
اللهم احفظهما بحفظك، واكلأهما برعايتك، واجعل لعملهما القبول، ولجهودهما التوفيق، اللهم ارزقهما البطانة الصالحة الناصحة التي تدلهما على الخير وتعينُهما عليه، اللهم أعزّ بهما دينك، وأعلِ بهما كلمتك، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً سخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم وفقهما لمواصلة مسيرة البناء والعطاء، وبارك في جهودهما لخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، واجزِهما خير الجزاء عما يقدمانه لخدمة الإسلام ونصرة قضايا المسلمين.
الهوامش:
[1] انظر: الحركة النسوية الغربية ومحاولات العولمة، د. إبراهيمالناصر، ج1/ ص15-20.
[2] سورة البقرة، الآية: 30.
[3] سورة الإسراء، الآية: 70.
[4] متفق عليه من حديث ابن عمر، واللفظ للبخاري رقم (893).
[5] انظر: نظام الأسرة في اليهودية والنصرانية والإسلام، د. صابرأحمد طه، ص180-185.
[6] سورة يوسف، الآية: 23.
[7] سورة الأحزاب، الآية: 33.
[8] سورة الطلاق، الآية: 1.