النعم المنسية (مشكولة)

صالح عبد الرحمن
1447/10/28 - 2026/04/16 09:29AM

خطبة عن النعم المنسية 1447/10/29هـ

الخطبة الأولى:

اللَّهُمَّ ‌رَبَّنَا ‌لَكَ ‌الْحَمْدُ ‌كَمَا ‌خَلَقْتَنَا ‌وَرَزَقْتَنَا وَهَدَيْتَنَا وَعَلَّمْتَنَا، لَكَ الْحَمْدُ بِالْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ، وَلَكَ الْحَمْدُ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْمُعَافَاةِ، بَسَطْتَ رِزْقَنَا، وَأَظْهَرْتَ أَمْنَنَا، وَجَمَعَتْ فُرْقَتَنَا، وَمِنْ كُلِّ مَا سَأَلْنَاكَ أَعْطَيْتَنَا، فَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا، لَكَ الْحَمْدُ بِكُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيْنَا فِي قَدِيمٍ وَحَدِيثٍ، أَوْ سِرًّا أَوْ عَلَانِيَةً، أَوْ خَاصَّةً أَوْ عَامَّةً، لَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى، وَلَكَ الْحَمْدُ إِذَا رَضِيتَ، وَأَشهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أَكثَرُ النَّاسِ شُكرَاً للهِ تَعَالى، كَانَ يَفتَتِحُ صَبَاحَهُ وَمَسَاءَهُ بِحَمدِ اللهِ عَلَى نِعَمِهِ، وَيملأُ مَا بَينَ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ شُكرًا بِالأَقوَالِ وَالأَفعَالِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَمَ وَبَارَكَ عَليهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَأَتبَاعِهِ إلى يَومِ الدِّينِ، أَمَّا بَعدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى واشكُرُوهُ، كَمَا أَوصَى اللهُ أَنبِيَاءَه فَقالَ: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ).

قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِ الفَوائدِ: (يُحكَى أَنَّ أَعرَابيًّا دَخَلَ عَلَى الرَّشِيدِ، فَقَالَ: أَميرَ المؤمنينَ، ثبَّتَ اللهُ عَليكَ النِّعَمَ التي أَنتَ فِيهَا بِإدِامَةِ شُكرِهَا، وَحَقَّقَ لَكَ النِّعَمَ التي تَرجُوهَا بِحُسنِ الظَّنِّ بِهِ وَدَوَامِ طَاعَتِهِ، ‌وَعَرَّفَكَ ‌النِّعَمَ التي أَنتَ فِيهَا وَلا تَعرِفُهَا لَتَشكُرَهَا، فَأَعجَبَهُ ذَلِكَ مِنهُ، وَقَالَ: مَا أَحسَنَ تَقسيمَهُ)، وذَلِكَ لأَنَّهُ ذَكَرَ أَقسَامَ النِّعَمِ.

وَلَكِنْ تَأمَّلُوا كَلامَهُ عِندَمَا قَالَ: (‌وَعَرَّفَكَ ‌النِّعَمَ التي أَنتَ فِيهَا وَلا تَعرِفُهَا لَتَشكُرَهَا)، مَا أَجمَلَهَا مِن كَلِمَاتٍ، تَصِفُ لَنَا النِّعَمَ المَنسِيَّاتِ، فَكَم مِن نِعمَةٍ اعتدنا عليها نَتَقَلَّبُ فِيهَا في اللَّيلِ والنَّهَارِ، ونَحنُ غَافِلُونَ عَن رُؤيتِهَا بِالقَلبِ والأَبصارِ، فَلا نَرى إلا بَعضَ النِّعَمِ الظَّاهِرَةِ، ونَغفَلُ عَن كَثيرٍ مِن النِّعَمِ البَاطِنَةِ، (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)، فَغَمَرَتنَا نِعَمُ اللهِ مِن كُلِّ مَكَانٍ، وَأَفَاضَ عَلِينَا بِجُودِهِ مِنَ الخَيرِ والإحسَانِ، وَصَدَقَ اللهُ سُبحَانَهُ: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)، كَتَبَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ إِلَى أَخٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ‌‌ أَصْبَحَ بِنَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ مَا لَا نُحْصِيهِ، مَعَ كَثْرَةِ مَا نَعْصِيهِ، فَمَا نَدْرِي أَيُّهَا نَشْكُرُ؟ أَجَمِيلُ مَا ظَهَرَ، ‌أَمْ ‌قَبِيحُ ‌مَا ‌سَتَرَ.

‌فَلَكَ ‌المحَامِدُ ‌والمدَائِحُ كُلُّهَا * بَخوَاطِرِي وَجَوَارِحِي وَلِسَانِي

وَلَكَ ‌المَحَامِدُ ‌رَبَّنَا حَمْدَاً كَمَا * يُرضِيكَ لا يَفنَى عَلَى الأَزمَانِ

صِحَّتُكَ الغَالِيةُ هِيَ حِلمُ كُلِّ مَرِيضٍ، وَعَمَلُكَ الذي تَتَذَمَّرُ مِنهُ هُوَ أَمنِيَّةُ كُلِّ عَاطِلٍ، وَزَوجَتُكَ البَسِيطَةُ هِيَ رَغبَةُ كُلِّ عَازبٍ، وابنُكَ الشَّقِيُّ هُوَ رَجَاءُ كُلِّ عَقِيمٍ، وبَيتُكَ الصَّغِيرُ هُو أَمنِيَّةُ كُلِّ مُشَرَّدٍ، وَمَالُكَ القَلِيلُ هُو حِلمُ كُلِّ مَديونٍ، وابتِسَامَتُكَ العَادِيَّةُ هِيَ رَجَاءُ كُلِّ مَهمُومٍ، وَحُرِّيتُكَ فِي الحَيَاةِ هِيَ رَغبَةُ كُلِّ مَسجُونٍ، فَمتَى نَستَشعِرُ هَذِه النِّعَمَ؟.

وهَا هُو خَليلُ اللهِ تَعَالى عَليهِ السَّلامُ يُعَدِّدُ بَعضَ نِعَمِ اللهِ سُبحَانهُ فَيَقُولُ: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)، فَذَكَرَ الظَّاهِرَ مِنهَا والبَاطِنَ ومَا بَينَهُما، وذَكَرَ المَاضيَ مِنهَا والحَاضِرَ ومَا بَعدَهُمَا، وَعِندَمَا ذَكَرهَا قَامَ بِشُكِرِهَا حَقَّ القِيَامِ،: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).

هَل استَشعَرتَ نِعمَةَ الهِدَايةِ والصَّلاحِ والإسلامِ؟، هَل تَأَمَّلتَ غَدَاءَكَ وعَشَاءَكَ وقُد جُمِعَ فِي مَائدَتِكَ الأَرزاقُ مِن أَقطَارِ الأَرضِ؟، وغَيرُكَ يَقِفُ فِي طَابُورٍ طَويلٍ لِيَنَالَ كِيسَ خُبزٍ أَو قطرَةَ مَاءٍ، هَل خَرَجنَا يَومَاً مِن بُيُوتِنَا إلى الأَعمَالِ، ونَحنُ نَخَافُ عَلى النَّفسِ والأَهلِ والمالِ؟، وغَيرُكَ يَرجِعُ فَلا يَجِدُ إلا بَقَايا بَيتٍ وأَطلالٍ، وَصَدَقَ اللهُ تَعَالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).

هَل انقَطَعَتْ الكَهرَبَاءُ يَومَاً فَقُمتَ تَتَحسَّسُ الجِدرَانَ حَتَى لا تَسقُطَ أو تَصدِمَ شَيئاً؟، هَل أَحسَستَ بِمَا كُنتَ فِيهِ مِن بَردٍ وهُدوءٍ وَرَاحَةٍ؟، وَكَيفَ سَتَحفَظُ طَعَامَكَ الذي فِي الثَّلاجَةِ مِنَ الفَسَادِ إذا طَالَ الأَمرُ؟، هَل فَتَحتَ يَومَاً المَاءَ فَلَم يَنزِلْ مِنهُ شَيءٌ؟، فَتَذَكَّرتَ أَنَّهُ أَهونُ مَوجُودٍ وأَعظَمُ مَفقُودٍ، هَل اكتَشفتَ أَنَّكَ نَسيتَ كَيفيَةَ الطَّهَارةِ بالأَدَواتِ القَدِيمَةِ، هَل استَشعَرتَ يَومَاً هَاتينِ النِّعمَتينِ: المَاءُ والكَهرَباءَ؟، فَلَم يَرَاهُمَا قَارونُ الذي كَانتَ مَفَاتيحُ كُنُوزِهِ تَثقُلُ عَلى الرِّجَالِ. 

أَولَيتَني نِعَمًا أَبوحُ بِشُكرِهَا * وَكَفيتَني كُلَّ الأُمُورِ بِأَسرِهَا

فَلأَشكُرَنَّكَ مَا حَييتُ وإنْ أَمُتْ * فَلتَشكُرنَّكَ أَعظُمِي في قَبرِهَا

أَقُولُ قَولي هَذا، وَأَستغفرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكم، وَلِسَائرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فَاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية:

الحَمدُ للهِ حَمدُ الشَّاكِرينَ، وَأُثني عَليهِ سُبحَانَه ثَناءَ الذَّاكرينَ، وَأَشهدُ أَنَّ مُحمداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ إمامَ الشَّاكِرينَ وقُدوةَ المُوحدينَ، فَصَلواتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَليهِ وَعَلى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعينَ، وَمَنْ اتَّبعَهُم بِإحسَانٍ إلى يَومِ الدِّينِ .. أَمَّا بَعدُ:

وقد يردُ سؤالٌ َيدورُ فِي الأَذهَانِ، كَيفَ نَستطيعُ أَن نَشكُرَ هَذِه النِّعَمَ مَع الغَفلَةِ والنِّسيَانِ؟، فَنقُولُ:

أَولاً: يَنبَغِي أَن نَتَفَكَّرَ فِي نِعَمِ اللهِ عَلِينَا حَتى نَتَذَكَّرَهَا ونَشكُرَها، وهَذهِ مِن عِبادَاتِ السَّلفِ الصَّالِحِ التِي قد تكون منسية، جَلَسَ فُضَيْلٌ بنُ عِيَاضٍ وَسُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ لَيْلَةً إِلَى الصَّبَاحِ يَتَذَاكَرَانِ النِّعَمَ: أَنعَمَ ‌اللهُ عَلِينَا فِي كَذَا، أَنعَمَ ‌اللهُ عَلينَا فِي كَذَا، وَقَد جَاءتْ الآياتُ الكَثِيرةُ بِالحَثِّ عَلى هَذِهِ العِبادةِ كَمَا قَالَ تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ).

ثَانِياً: لا بُدَّ أَن نَعلَمَ أَنَّ دَوَامَ هَذِه النِّعَمِ وزِيَادتُهَا لا يَكُونُ إلا بالشَّكُرِ، كَمَا قَالَ تَعَالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)، فَخَطَرُ نِسيَانِهَا كَبيرٌ، وعَدَمُ شُكرِهَا خَطِيرٌ.

ثَالِثَاً: اشكُرْ اللهَ عَلى جَميعِ النِّعَمِ مَا عَلِمتَ ومَا لَم تَعلمْ، عَليكَ وعَلى غَيرِكَ، فَقَد جَاءَ فِي الحَديثِ الذي حَسَّنَهُ بَعضُ العُلَمَاء: (مَنْ قَالَ حِينَ يُصبِحُ: اللَّهمَّ مَا أَصبَحَ بِي مِنْ نِعمَةٍ أَو بِأَحَدٍ مِنْ خَلقِكَ فَمِنكَ وَحدَكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الحَمدُ، وَلَكَ الشُّكرُ، فَقَد أَدَّى شُكرَ يَومِهِ، وَمَنْ قَالَ مِثلَ ذلِكَ حِينَ يُمسي، فَقَد أدَّى شُكرَ لَيلتِهِ).

رَابِعَاً: واعلَم أَنَّهُ لا إعَانَةَ على الشَّكرِ إلا باللهِ، واسمَع لِنَصيحَةِ الحَبيبِ إلى حَبيبِهِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: (يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، أُوصِيكَ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)، مَعَ استِشعَارِ التَّقصِيرِ فِي شُكرِ النِّعَمِ.

اللَّهُمَّ أعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنا تقواها وَزَكِّهَا أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاهَا أَنتَ وَليُهَا وَمَولاهَا.

المشاهدات 973 | التعليقات 0