الهوية الإسلامية
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وشرفنا بالإيمان، ومنّ علينا فجعلنا من أمة سيد الأنام، أحمده سبحانه وأشكره، ونترك ونهجر من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن نبينا محمداً رسول الله، صاحب الأخلاق العالية والمروءة الوافية والعزيمة السامية صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.... أما بعد:
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )
عباد الله:
أجمل هوية وأشرف انتساب يتشرف به أهله، تسمية الله تعالى لكم حين قال: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ)
هذا الشرف إن تحدثنا عن الشرف، وهذا العز والمجد إن ذُكرت العزة وذكر المجد..
ومـما زادني شـرفـاً وفخرا وكدت بأخمصي أطأ الـثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صـيَّرت أحمد لي نـبيـا
في ثلاث وعشرين سنة فقط غيّر الله تعالى بمحمد ﷺ مجريات الكون وموازين القوى فأصبح المسلمون يطؤون الأرض كلها أعزة ينشرون الإسلام ويبثون الطمأنينة والسلام، وقد كانوا من قبل أذلة لا يأبه بهم، يقتتلون على التوافه وربما جالت وصالت الحروب سنوات عديدة من أجل ناقة أو نحوها...
كانوا يعبدون الصنم ويصنعونه من التمر فإذا جاعوا أكلوه، يفعله ساداتهم فكيف بغيرهم، فلما أشرق الكون بمبعث الحبيب ﷺ تغيرت النفوس وأصبحت تُرخص الغالي والنفيس من أجل إسلامها، يذوب رأي الواحد والجماعة أمام آية وحديث، يفتحون الأمصار والمدن فَتُفْتح لأخلاقهم قلوب أعدائهم قبل ديارهم لما يروا من سمو الأخلاق وطيب المعايشة، فتحوا فارس والروم ولم تتغير أخلاقهم ولا مودتهم ولا اجتماعهم، كانوا أعزة بإسلامهم لا ينتسبون لغيره، كل فخرهم وذروة عزهم أنهم مسلمون ربهم واحد ورسولهم واحد....
في غزوة القادسية طلب رستم قائد الفرس من سعد بن أبي وقاص وفداً يكلمهم في الصلح، فتشاور المسلمون أيّهم يذهب؟ فقال الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه: سرحوني إليه إن شئتم، فقال سعد: نفعل، فدخل ربعي عليهم وقد زين رستم مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي المبثوثة، وعليه تاج من الذهب ويجلس على سرير من الذهب، فدخل عليه ربعي بثياب بالية وفرس قصيرة ومعه سلاحه وسيفه الذي وضعه في خرقة وترس .. ولم يزل كذلك حتى داس بفرسه البساط ..
فقال رستم: ما جاء بكم معشر العرب وقد كنتم رعاة تسكتكم الخميصة والخميلة والدرهم والدينار؟ فقال ربعي كلمات مسلم سطرها التاريخ، كلمات حُقَّ لها أن تكتب بمداد من ذهب، قال:
( الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عباده من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله) لسان حاله رضي الله عنه:
أنا باعتزازٍ ما انحنيتُ لغير ربِّ العِزَّةِ أنا في ثباتٍ ما انحرفت عن النبي بخطوةِ أنا في أناةٍ بتُّ أنشر في الأنامِ عَقيدتي أنا ليس يشغلني سِوى أني اتخذتكَ قدوتي
يا سيدي يا من إليكَ مودَّتي ومَحبتي
فتعجب رستم وقال: أسيدهم أنت؟ فقال: لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد بعضهم من بعض يجير أدناهم على أعلاهم..
فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم قط أرجح وأعظم عزًا من كلام هذا الرجل؟ فقالوا : معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك إلى هذا الكلب أما ترى إلى ثيابه؟ فقال رستم: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والعزة والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل ويصونون الدين والحسب...
يا الله كم تحمل هذه القصة من الأنفة والفخر والعزة، هذه الهوية الإسلامية هذه عقيدة التوحيد، العقيدة التي تهاوت عندها كل العقائد، وتراجعت أمامها كل الهويات... أدرك أسلافنا رحمهم الله منّة الله -تعالى- عليهم بهذا الدين المتين، فاعتنقوه وتعلقوا بحبله، ودافعوا عنه، وجاهدوا أعداءهم به، بذلوا الغالي والنفيس من أجل ثباتهم عليه، لأن بقاءهم وعزهم وفخرهم ومجدهم مرتبط بهذه الهوية الربانية والراية المحمدية، فإن ذهبت هويتهم ذهبوا، وإن ضعفت عقيدتهم ضعفوا، وإن هانت راياتها هانوا...
اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد ...
أقول قولي هذا...
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وصلى الله على رسوله وعلى آله وأصحابه وأعوانه وسلم تسليما كثيرا... وبعد يا عباد الله:
" نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله" كلكم يعرف هذه المقولة الخالدة ويعرف صاحبها الفاروق رضي الله عنه وأرضاه، أنت أيها المسلم عزيز بإسلامك، عزيز بالتزامك به وبثباتك عليه، أنت عزيز لأن الله هداك لهذا الدين الحق دين الله ( إن الدين عند الله الإسلام ) الدين الذي لا يقبل الله من أحد سواه ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)
الدين العظيم الذي يمرض نعم ويُبتلى نعم ويُحارب في كل العصور نعم ويقتل أصحابه نعم لكنه دين لا يبلى ولا يموت، ولا يَهون أصحابه لأنهم الأعلون فلا هوان ولا حزن ولا ذلة إلا لمن ترك هذا الدين أو ترك العمل له أو به أو مات على غيره، هذا هو الإسلام وهذه أمة خير الأنام الأمة المباركة أمة ولّادة كما قال المصطفى ﷺ ( مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أوله خير أو آخره)
هذه المبادئ العظيمة السامية هي من أعظم وأسمى معاني المروءة التي دعا إليها هذا الدين المتين
وحث عليها الرسول الخاتم الأمين، من كمّله الله بالأخلاق الفاضلة وحب المسلمين وبغض الكافرين وعفة اللسان وكريم السجايا ولقد كان لكم في هذا النبي أسوة وأعظم أسوة ..
ألا فاتقوا الله والزموا حبل الله وسارعوا وسابقوا واستبقوا الخيرات، واسألوا الله الثبات، والتمسك بهدي رسوله حتى يتوفانا ربنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين ولا مبدلين، فنفوز فوزاً عظيما...
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه....
المرفقات
1775492134_الهوية الإسلامية.docx