أنذرتكم النار

الخطبة الأولى:

الحمد لله ذي الحول والطول والملكوت، ذي العزّ والقهر والجبروت، أليم العذاب شديد العقاب دائمٌ حيٌّ لا يموت، سبحانك اللهم مَن الذي أمِن مكرك فما خسر؟! ومن الذي استهان بحرماتك فما ندم؟!

أشهد ألا إله إلا أنت سبحانك، وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك، صلى الله عليه فما أعظم خشيته لله وأخشعه! وأتقاه وأورعه! صلى الله وسلم وبارك عليه فكم سحَّ لله أدمعه! وعلى الآل والصحب الكرام وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين... أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله واستعدوا للقائه واحذروا عقابه؛ فإن أجسادكم على حرِّ النار لا تقوى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ)

عباد الله:

ساءت أحوال كثيرٍ من الناس حتى قلَّ أدبهم مع الله جل في علاه، فكثرت المعاصي والمنكرات.. وأُكل الربا وتهاون الكثير في الزنا، ظهر الفساد، وهُجرت المساجد وقلّ الساجد، وظهرت القيّنات والمتبرجات، وما ذاك إلا لأنا قد غفلنا عن عذاب الجبَّار جلَّ جلاله .. فكان لا بدّ من تذكير النفوس التي مُلأت غفلة بطرف من أخبار النار وأهلها ..علَّها أن تخشع القلوب، ويرتدع العاصي ويتوب، ونُقلع عن المعاصي والذنوب ..

 

نذكر نفوسنا المقصرة الغافلة القاسية بالنار، بالنار التي والله الذي لا إله غيره إنّ كلاًّ منَّا سيردها وسيبصرها رأي العين {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا }

 إنها النار التي نسيناها ورسول الله قد قال (لا تنسَوا العظيمتين: الجنة والنار، فو الذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا، ولخرجتم إلى الصعيد، ولحثيتكم على رؤوسكم التراب)

ويصعد r ذات يوم على المنبر ليصدَح بكلمة هلعت منها القلوب واقشعرّت منها الأبدان يقول: ((أنذرتكم النار، أنذرتكم النار)).


إنها النار لطالما تقرّحت عيون الصالحين من البكاء خوفًا منها، ولطالما لجّوا في ظُلم الليالي بالدعاء فرَقًا منها، أقضَّت مضاجع، وأسالت مدامع، كم أحزن ذكرها من فَرِح، وكم كدّر حديثها من مرح.

 

عبد الله، تأمّل إذا ما الناس في موقف القيامة في كروب وأهوال وشدائد طوال، الشمس تدنو منهم، والعرق يلجمهم، إذا بالجبار جل جلاله يأتي لفصل القضاء ويغضب غضباً لم يغضب مثله، والملائكة تحت أمره صفاً صفاً ثم يأمر سبحانه أمره أن ائتوا بجهنم، فيؤتى بها لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها من عظمتها {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} ، فترى النارُ العصاةَ من بعيد فعندها تغيّظ وتزفر {إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} عندها تجثو الأممُ على الرّكَب، ويتبين للظالمين سوء المنقلب، فيقال لهم: {انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ}  فينادي المنادي: أين فلان بن فلان؟ والله ينظر إليه وهو عليه غضبان، فيقول: خذوه، فيبتدره ملائكة غلاظ شداد يجمعون بين ناصيته وقدميه غضبًا منهم لغضب الله تعالى، ( يوم يُسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسّ سقر )

فإذا دخلها فإذا هي سوداء مظلمة، دهماء محرقة، حرُّها شديد، وقعرها بعيد، يهوي الحجر من شفيرها سبعين عامًا فما يصل قعرها، مسالكها ضيقة، ومواردها مهلكة، يوقَد فيها السعير، ويعلو فيها الشهيق والزفير، أبوابها مؤصدة، وعُمُدها ممدَّدة، الحيّات في سرادقها، والعقارب في نواصيها يرجع إليها غمّها، ويزداد فيها حرها، تشتكي إلى ربها أكل بعضها بعضًا، فيُنَفَّسُ عنها،
ويلتفت حينها أهلُ النار ذات اليمين وذات الشمال، فإذا بالسلاسل والأغلال والقيود والمطارق قد أعدت، يريدون الخروج منها فتضربهم المطارق { وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} .

فيها السلاسل والأغلال تجمعهم *** مع الشياطين قسرًا جمع منقهر
فيها العقارب والحيات تلسعهم *** ما بين مرتفع منها ومنحـدر

 

يشكون شدّة الجوع، فلا يجدون إلا شجرة الزقوم، قبيحة المنظر، خبيثة الطلع، {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ *كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ *كَغَلْيِ الْحَمِيمِ}  صح عنه r قوله: ( لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم)  فكيف بمن يكون طعامه؟!.

يملؤون بطونهم منها، حتى إذا امتلأت أخذت تغلي في أجوافهم، فيندفعون إلى مائها ليشربوا منه، فإذا هو الحميم الذي يقطّع أمعاءهم، والصديد الذي ينتن أجوافهم، {وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ}

  وها هي ملابسهم قد قطِّعت وجهزت {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ}...

وأعدَّت لهم أسرّة عليها ينامون، وهيهات هيهات أن يناموا، {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ}

 

وإذا طال عليهم البلاء وبلغ منهم العذاب كل مبلغ وكثرت حسراتهم ونداماتهم طلبوا الخروج ونادوا بالمتاب: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) ويعترفون بذنوبهم: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) ؛ فيجابون بعد زمان: (قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) ثم يطلبون من خازن النار أن يشفع عند الله ليهلكهم وليميتهم حتى يتخلصوا من العذاب: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ)..

ثم يتحولون إلى من عرفوا من المؤمنين فينادونهم وكلُّهم لهف ومسكنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله؟ فيقول أهل الجنة ( إن الله حرمهما على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحاة الدنيا)

ويؤتى بالموت ليُذبح، ويقال لأهل الجنة: "خلود فلا موت، ويقال لأهل النار: خلود فلا موت" ؛ هنالك يشتد نحيبهم ويعظم حزنهم ويطول بكاؤهم؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم....

( إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا * وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا *  يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا )

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله معز من أعطاه ومذل من عصاه، مجير من استجاره ومجيب من ناداه، أسأله لي ولكم النجاة، وصلى الله وسلم وبارك على رسوله ومصطفاه وبعد:

 

إخواني، نارٌ هذه بعض أوصافها ـــــ وربي ـــــ إنها لعبرة أيّ عبرة، والله ما هذه الدار إلا دار الغرور، والله ما هي إلا لهو ولعب وزينة، دنيا دنيّة، ضربنا لها ألف حساب وهي لا تساوي عند الله جناح ذباب، يا ويح قلوبنا من شدة الغفلة، وعما قليل ستعظم الحسرة إن لم تشملنا من الرحيم واسع الرحمة، ما بالنا عرفنا أن الله غفور رحيم وتناسينا أن الله شديد العقاب، أما لنا في أسلافنا معتبر،

إنها النار التي قال فيها صدّيق الأمة أبو بكر رضي الله عنه: (يا ليتني كنت شجرة تعضَد ثم تؤكل، أخاف أن يلقيني ربي في النار ولا يبالي). إنها النار التي قال فيها فاروق الأمة عمر: (لو نادى منادٍ يوم القيامة بالناس جميعًا أن اذهبوا إلى الجنة إلا واحدًا لخشيت أن يكون هو عمر).
إنها النار التي أبكت أبا هريرة في مرضه فقيل له: ما يبكيك؟ قال: (ما أبكي على دنياكم هذه، ولكن على بُعد سفري وقلّة زادي، وإني أمسيت في صعود ومهبطة على جنة أو نار، فلا أدري إلى أيهما يؤخذ بي).

إنها النار التي جعلت سفيان الثوري ينتفض من نومه في الليل فزعًا خائفًا مرعوبًا ينادي: "النار، النار، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات"، ثم يتوضأ ويقول: "اللهم إنك عالم بحاجتي غيرُ معلَّم، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار"


أيها المسلمون: الموت أقرب لأحدنا من شراك نعله وما بين أحدنا وبين الجنة أو النار إلا أن يقال فلان مات)

فاتقوا الله فما من طريق للنجاة إلا تقواه ( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور )

 

اللهم يا الله يا من أمات وأحيا، وأسعد وأشقى ، وأفقر وأغنى ، وعافى وأبلى ، وأضحك وأبكى ، وقدّر وقضى  يا من لا يقصد إلا بابك ، ولا يتوجه إلا لجنابك..
أنت العلي العظيم الذي لا حول ولا قوة لنا إلا بك..
يا من لا ملجأ منه إلا إليه ، يا من يجير ولا يجار عليه..

 

يا الله يا أرحم الراحمين .. يا حي يا قيوم .. يا علي يا عظيم ..يا ذا الجلال والإكرام ..أنت الله.. أنت الرحمن الرحيم ..
خلقتنا رحمة من غير حاجة لنا ، ورزقتنا وكفيتنا وآويتنا وتكفلت بأرزاقنا وآجالنا منَّاً وكرماً منك ..اللهم فأجرنا من النار اللهم أجرنا من النار اللهم أجرنا من النار

فأحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين لا خزايا ولا مفتونين
نسألك اللهم حبك ، وحب من يحبك ، وحب عملٍ يقربنا إلى حبك يا ربَّ العالمين ..
ياحي يا قيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ..اللهم قنا شرور أنفسنا وسيئآت أعمالنا ..

المرفقات

1775492695_أنذرتكم النار.docx

المشاهدات 118 | التعليقات 0