أيوب عليه السلام

الخطبة الأولى:

الحمدُ لله المتفرِّدِ بالخلق والإيجاد، أحمده سبحانه لا رادَّ لما أرادَ، وما لِرزقِه من نفاد، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له شهادةً تُسعِد صاحبَها في الدنيا ويومَ يقوم الأشهاد، وأشهد أنّ نبيّنا محمّدًا عبد الله ورسوله الهادي إلى سبيل الرشاد، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادةِ الأمجاد، والتابعين ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم التنادِ، وسلّم تسليمًا كثيرًا.... وبعد:

وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ   ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ   وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مّنَّا وَذِكْرَىٰ لأوْلِى ٱلاْلْبَـٰبِ   وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِراً نّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ

عباد الله: مَن مِنّا لا يعرف العَلَمَ في الصبر وفي حسن الظن بالله أيوب عليه سلام الله، كان رجلاً كثيرَ المالِ من سائر صنوفه من الأنعام والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة من أرض حوران في الشام، وكان له أولاد وأهلون كثير، فسُلب منه ذلك جميعُه، وابتلي في جسده بأنواعٍ من البلاء، ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه.

طال مرضه عليه السلام حتى عافه الجليس، وأَوْحَشَ منه الأنيس، وأُخرج من بلده، وانقطع عنه الناس ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته الوفية وكان اسمها رحمة اسم طابق الوصف وكيف لا تكون رحوم وفيّة وجدها الأول يوسف عليه السلام، كانت تقوم على زوجها فتصلح من شأنه، وتعينه على معيشته وقضاء حاجته، حتى ضعف حالها، وقلّ مالها، فكانت تخدم الناس بالأجر لتطعمه وتقوم على شأنه رضي الله عنها وأرضاها، وإنها لمدرسة للزوجات الوفيات الصبورات...

مكث أيوب عليه سلام الله في بلواه ثماني عشرة سنة، فقد أهله كلهم، وأصابه المرض حتى تساقط لحمه فلم يبق إلا العظم والعصب، فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته، فلما أشفقت عليه قالت: يا أيوب يا نبي الله: لو دعوت ربك لفرَّج عنك، فقال يا رحمة: قد عشت سبعين سنة صحيحا، فهل قليل لله أن أصبر له سبعين سنة؟

ولما علم الناس بمرضه خافوا أن ينالهم من بلائه أو تعديهم زوجته بمخالطته، فلم تجد عملا تعمله، حينها قصت ضفيرة من ضفائر شعرها فباعته لبعض بنات الأشراف بطعام طيب كثير؛ فأتت به أيوبَ فقال: من أين لك هذا؟ وأنكره، فقالت: خدمت به أناسا.

فلما كان الغد لم تجد أحداً تعمل عنده فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به، فأنكره وحلف ألا يأكله، حتى تخبره من أين لها هذا الطعام؟ فكشفت خمارها عن رأسها، فلما رأى رأسها محلوقاً قال في دعائه العظيم: ( ربِّ إنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ).

وذات يوم خرج إِلَى حَاجَتِهِ وزوجته ممسكة به، فأَبْطَأَ عَلَيْهَا على غير عادته، فأَوْحَى الله الشافي من بيده مفاتيح الفرج من يسمع دعاء المضطر فيرفع البلاء ويكشف الضر بقوله سبحانه: كن فيكون، لا راد لقضائه وهو على كل شيء قدير أوحى الله إِلَى عبده أَيُّوبَ أَنِ (ارْكُضْ بِرَجِلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) يعني اضرب برجلك الأرض فضرب فأخرج الله له من الأرض ينبوعاً بارداً فشرب منه واغتسل فأذهب الله ما كان يجده في باطنه من السوء حتى تكاملت عافيته ظاهرا وباطناً..

فَاسْتَبْطَأَتْهُ زوجته فَتَلَقَّتْهُ تَنْظُرُ وَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أَذْهَبَ اللهُ مَا بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا كَانَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: أَيْ بَارَكَ اللهُ فِيكَ، هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللهِ هَذَا الْمُبْتَلَى؟ وَاللهِ مَا رَأَيْتُ أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ إِذْ كَانَ صَحِيحًا! قَالَ: فَإِنِّي أَنَا هُوَ.

روى البخاري قول رسول الله ﷺ: "بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ يعني عدد كثير من الذهب، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ"

أذهب الله عنه ما كان يجده من الآلام والأسقام، وأبدله صحة ظاهرة وباطنة، وجمالا تاما، ومالا كثيرا، وصب عليه المال صبا، وأخلف الله له أهلا وولدا، كما قال -سبحانه-: (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ)، ولهذا عقب الله على هذا البلاء بأعظم خاتمة فقال: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ).

اللهم اجعلنا عند النعماء من الشاكرين وعند البلاء من الصابرين وفي كل حال لك يا ربنا مثنين

الخطبة الثانية:

الحمد لله مجيب من دعاه، مغيث من استغاثه ورجاه، لا يكشف البلوى سواه، ونصلي ونسلم على رسوله ومصطفاه، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:  عباد الله:

هذه القصة العظيمة وهذا البلاء المبين الذي دام ثماني عشرة سنة والزوجان المكلومان قد فقدا كل شيء، وهم مع ذلك مَثَل في الصبر والاحتساب حتى قال الله عنه (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا)، فهل سيجدنا الله من أهل الصبر والاحتساب حين البلاء، وكم لأهله من الرفعة والأجر العظيم في الدنيا والآخرة

قَالَ ﷺ:  (يَوَدُّ أَهلُ العَافِيَةِ يَومَ القِيَامَةِ حِينَ يُعطَى أَهلُ البَلَاءِ الثَّوَابَ لَو أَنَّ جُلُودَهُم كَانَت قُرِّضَت فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ)) مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ(

 ومن البشائر قول الحبيب ﷺ: "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ" البخاري

والله ما لنا يا عباد الله إلا الصبر وأنعم بالصبر من خلقٍ رفيع يوفَّى أصحابه أجرهم بغير حساب، وعلى كل من اشتد بلاؤه وبارت حيله ألا ييأس من فرج الله وغوثه، فكم سمعنا من أقوام قد حَكم عليهم الطب بأن أمراضهم فتاكة لا يمكن الخلاص منها، فيمموا إلى الله وصدقوا معه سبحانه فاستجاب الله دعواتهم وأعطاهم سُؤلهم...

ثم إن المؤمن مع صبره واحتسابه ودعائه قد أمره الله تبارك وتعالى بأن يبذل السبب في طلب العلاج، جاء الأعراب إلى رسول الله فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ قال: نعم يا عباد الله، تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد، قالوا: ما هو؟ قال: الهرم" وفي لفظ "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله"

يطلب المؤمن العافية ويسألها ربه صباحا ومساء ويبذل الأسباب الوقائية والعلاجية كالتطعيمات الموسمية والعقاقير ونحوها مما عُلمت فائدته ونتيجته...

اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبدا ما أحييتنا، واجعلها الوارث منا، اللهم عافنا في أجسادنا وأولادنا وأموالنا....

المرفقات

1775492963_أيوب عليه السلام.docx

المشاهدات 156 | التعليقات 0