بأيِّ خِتامٍ ستُوَدِّعُ الدُّنيا؟

الشيخ محمد الوجيه
1447/10/28 - 2026/04/16 17:36PM

محمد الوجيه

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ الذي جعلَ الموتَ للأنامِ فناءً وللأعمالِ جزاءً، أحمدهُ سبحانهُ خلَقَ الموتَ والحياةَ ليبلوكم أيكم أحسنُ عملاً، وجعلَ القلوبَ في قبضتِهِ يُقلبها كيفَ يشاءُ تلطفاً منهُ وعدلاً. نَحمدهُ حمدَ مَن يرجو عندَ الرحيلِ ثباتاً، ويؤمّلُ بعدَ الرّدَى مآباً وجناتٍ وعَرَصاتٍ. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، الملكُ القدوسُ الذي كتَبَ على كلِّ نفسٍ ذائقةَ مَنيتها، وشرَعَ لها من التقوى خيرَ مطيتها. وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولُهُ، إمامُ الهدى، ومصباحُ الدجى، الذي كانَ وجهُهُ عندَ الموتِ يتهللُ كأنهُ قطعةُ قمرٍ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ الذينَ باعوا الدنيا طلباً لرضاه، وصحبهِ الذينَ كانت مَناياهم في سبيلِ اللهِ أسمى مُبتغاه، وسلمَ تسليماً كثيراً

أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]،
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]،
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنما الحياة الدنيا حلم، والموت يقظة،

أيها المسلمون:
إنَّ أعظم مطلبٍ للمؤمن، وأسمى غايةٍ يسعى لها العبد في سيره إلى الله، هي "حسن الخاتمة". وحسن الخاتمة ليس مجرد أمنية تُزجيها الألسن، بل هو توفيقٌ إلهي يوجبُه العمل الصالح والصدق مع الله. يقول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27].
يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "إنَّ الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنَّ من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه". فمن عاش قلبه معلقاً بالمساجد والذكر، أبى اللهُ إلا أن يختم له بخير.

وإنّ من أعظمِ ما يُستجلبُ به حُسن الختام هو دوامُ الإخلاصِ في السرِّ والعلن؛ فإنّ الله سبحانه وتعالى لا ينظرُ إلى الصّورِ والظواهر، بل ينظرُ إلى القلوبِ والسرائر. وقد حذّر العلماءُ من "دسائسِ السوء" التي تكمنُ في خبايا النفسِ فتظهرُ عند النزع، بينما المخلصُ الذي طهّر قلبهُ من إرادةِ غير الله، يكافئه ربه بالثبات عند اللقاء، ويقيناً كما قال أهل التحقيق: "ما أصلح عبدٌ مابينه وبين الله في حياته، إلا أصلح اللهُ مابينه وبين الموت عند وفاته". فاجعلوا مطيتكم الإخلاص، وزادكم الصدق، فإنما الأعمالُ بالخواتيم، وإنما الخواتيمُ ثمرةُ ما سلفَ من أيام.

كما أنَّ حُسن الخاتمة يتطلبُ من العبد لزوماً لجانبِ "الرجاء" والظن الحسن بربِّ البريات، لاسيما عند إقبالِ الآخرة وإدبارِ الدنيا، فقد أخرج مسلمٌ في صحيحه أنَّ النبي ﷺ قال قبل موته بثلاث: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". وهذا الشارحُ الإمام النووي يقول: "معنى حُسن الظن بالله أن يظن أنَّ الله يرحمه ويعفو عنه".

فالمؤمنُ يجمعُ في حياته بين الخوفِ والرجاء، فإذا دنت ساعةُ الرحيل، غلب جانبَ الرجاء في سعةِ رحمةِ الله وجزيلِ عطائه، ليلقى الله وهو يحب لقاءه، فيحب الله لقاءه، ويُبشره بـ ﴿رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ عَدْنٍ﴾.

ولقد جعل الله لحسن الخاتمة إشاراتٍ تثلج صدور المؤمنين، فأعظمها نطق الشهادة عند الرحيل، قال ﷺ: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ" (رواه أبو داود).

ومنها الموت على طاعة، كمن يموت ساجداً أو صائماً أو حاجاً، يقول النبي ﷺ: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ"، قالوا: وكيف يستعمله؟ قال: "يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ مَوْتِهِ" (رواه الترمذي).

يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم": "الخواتيم ميراث السوابق". أي أنَّ ما كنت تُسره في حياتك، سيظهره الله عند وفاتك؛ فالمخلص يثبته الله، والمنافق يخذله الله عند السكرات.

يُروى عن أحد الصالحين أنه كان يلقن محتضراً شهادة "لا إله إلا الله"، فكان الرجل يبتسم ويقول: "هي واللهِ التي عشتُ من أجلها"، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ وفاضت روحه. هكذا يكون اليقين، وهكذا تكون السكينة حين تتنزل الملائكة: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.

ومما يعينُ العبدَ على ظفرِهِ بحسنِ الختام، لزومُ الاستقامةِ في سائرِ أحواله، فإنَّ اللهَ جبلَ النفوسَ على الاستئناسِ بما أَلِفَتْ، فمن أَلِفَ الطاعةَ في الرخاء، ثبّتهُ اللهُ عليها عند الشدةِ والبلاء. يقولُ العلامةُ ابنُ القيم -رحمه الله-: "إنَّ العبدَ إذا نزلَ به الموت، غلبَ عليه ما كان يغلبُ عليه في حياته، وترجّحَ لديه ما كان يميلُ إليه قلبُه".

فالمستقيمُ الذي جاهدَ نفسهَ في الدنيا، تتدفقُ الشهادةُ على لسانه عند الموتِ بيسرٍ وسهولة، جزاءً وفاقاً لصدقِ لجوئه إلى ربه، فما من عبدٍ أقبلَ على اللهِ بصدق، إلا استقبلَهُ اللهُ بلطفه عند خروجِ الروح، وأكرمَهُ بمناداةِ الملائكةِ له بالبشرى والأمان.

وإنَّ لدوامِ ذكرِ اللهِ وتلاوةِ كتابه أثراً عظيماً في نيلِ هذه المنزلةِ العلية، فاللسانُ الذي تعوّدَ الرطوبةَ بذكرِ الله، لا يجفُّ عند النزعِ عن قولِ "لا إله إلا الله". يقولُ الحافظُ ابنُ حجرٍ في شرحِ حديثِ التلقين: "إنَّ الذاكرَ للهِ يُسدّدُ عند السؤال، ويُلقنُ التوحيدَ في أحرجِ الساعات، لأنَّ الربَّ الكريمَ لا يخذلُ مَن أدمَنَ طرَقَ بابه".

فاجعلوا القرآنَ رفيقكم، والذكرَ أنيسكم، فبِهما تُطردُ وساوسُ الشيطانِ التي تشتدُّ على الإنسانِ في سكراته، وبِهما يطمئنُّ القلبُ ويركنُ إلى ربهِ في لحظاتِ الفراق، ليكونَ ختامُ الصحيفةِ ذكراً، وأولُ الآخرةِ فوزاً ورضواناً.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..


الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله ومن والاه.. أما بعد: عباد الله، إنَّ الخوف من سوء الخاتمة كان يؤرق مضاجع السلف الصالح، ليس شكاً في رحمة الله، بل حذراً من ذنوب الخلوات، ودسائس القلوب، يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "إنَّ سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، وإنما يكون لمن كان له فسادٌ في العقل، أو إصرارٌ على الكبائر، فربما غلب عليه ذلك عند الموت"، ولأجل نيل هذا المطلب العظيم وحسن الختام لا بد من المداومة على الطاعة؛ فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، مع الصدق في الدعاء بقلب حاضر "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، وتجنب المظالم؛ فإن حقوق العباد نارٌ تحرق التوفيق عند الوفاة.
تذكروا قول الشاعر الذي وعظ القلوب بحقيقة الرحيل:
يا من يعانقُ دنيا لا بقاءَ لها ... يمسي ويصبحُ في دنياه سفّاراً
هلا تركتَ لذي الدنيا معانقةً ... حتى تعانقَ في الفردوسِ أبكاراً
إن كنتَ تطمعُ في فوزٍ وفي شرفٍ ... فأنزلِ النفسَ بالتقوى إذاً داراً
وكما ذكرنا في الخطبة الأولى بشارات حسن الختام، فإنه لزاماً على كل لبيبٍ أن يحذر وبشدة من مغبة "سوء الخاتمة"؛ تلك المصيبة العظمى والرزية الكبرى التي كان يبكي منها الصالحون دماً لا دمعاً.

وسوء الخاتمة ليس مجرد نهايةٍ حزينة، بل هو خذلانٌ يقع فيه العبد عند الرحيل بسبب خللٍ في الباطن أو إصرارٍ على ذنبٍ في السر، فيخونه لسانه عند أحوج اللحظات للشهادة. يقول الله تعالى محذراً من الاغترار بالأماني: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47].

قال بعض المفسرين في هذه الآية: "هم قومٌ عملوا أعمالاً ظنوا أنها حسنات، فإذا هي عند الله سيئات، أو كانت لهم سرائرُ خفيةٌ خذلتهم عند الموت".

إنَّ لسوء الخاتمة أسباباً وأبواباً، من أعظمها "التسويف" والاغترار بطول الأمل، حيث يُمني الإنسان نفسه بالتوبة غداً، فيباغته الموت وهو على معصيته. يقول الإمام ابن الجوزي في "صيد الخاطر": "الحذر الحذر من المعاصي، خصوصاً معاصي الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تُسقط العبد من عينه".

فالعبد الذي يستهين بنظر الله إليه في الخفاء، يُخشى عليه أن يُختم له بما كان يُخفيه، لأن الموت يفضح الأسرار، ويظهر ما وقر في القلوب من حب الدنيا أو الغل للمسلمين، فكم من محتضرٍ طُلب منه قول "لا إله إلا الله"، فجعل يهذي بذكر تجارةٍ أو لهوٍ أو غناء، لأن قلبه كان عامراً بها في حياته، فاستولت عليه عند وفاته.

ومن أخطر مسالك سوء الخاتمة "المظالم"، وبخاصة دماء الناس وأعراضهم وأموالهم؛ فإن الحقوق المتعلقة بالعباد لا تُترك، وقد يوفق الله العبد للتوبة من حقه هو، لكنه يوكله إلى نفسه عند النزع بسبب حقوق خلقه. يقول النبي ﷺ: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ"(رواه البخاري). قال الشراح في قوله: "فيما يبدو للناس"، أن الباطن كان مشوباً بفساد النية، أو بظلمٍ للعباد منع وصول نور الإيمان إلى القلب عند السكرات، فالعدلُ الإلهي يقتضي ألا يستوي من أصلح باطنه مع من غشَّ وخان وظلم.

لذا، فليحذر العبد من "الركون إلى الدنيا" وكراهية لقاء الله، فمن تعلق قلبه بالدنيا زهد في الآخرة، ومن زهد في الآخرة ثقل عليه الموت ولقاء الرب. وكما قال الشاعر محذراً من سوء العاقبة لمن ضيع عمره في الهوى:
أَفْنَيْتَ عُمُرَكَ فِي اللَّهْوِ وَفِي اللَّعِبِ ... وَلَمْ تُقَدِّمْ لِيَوْمِ الضِّيقِ وَالكَرَبِ

تَبْكِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ ذَنْبِكَ النَّدَمَا ... وَالمَوْتُ يَطْرُقُ بَاباً غَيْرَ مُنْتَقِبِ

فَاحْذَرْ خِتَاماً لَهُ شَرٌّ وَعَاقِبَةٌ ... تَهْوِي بِصَاحِبِهَا فِي أَسْفَلِ الرُّتَبِ
فالعاقل من اتخذ من ذنبِهِ دافعاً للانكسار لا للإصرار، ومن غفلته سبيلاً لليقظة، حتى لا يدركه الموت وهو في غمرة، فيتحسر حيث لا تنفع الحسرة.


اللهم ارزقنا حسن الخاتمة، اللهم اجعل خير أعمارنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم لا توفنا إلا وأنت راضٍ عنا، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة "أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله". اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، واجمعنا بهم في جنات النعيم. (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
أقيموا الصلاة.

المرفقات

1776350170_DOC-20260416-WA0030..pdf

1776350173_بأيِّ خِتامٍ ستُوَدِّعُ الدُّنيا؟.docx

المشاهدات 1066 | التعليقات 0