باب الريان، لا يدخله إلا الصائمون
إبراهيم بن سلطان العريفان
الْحَمْدُ لِلَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، الْكَرِيمِ الْعَظِيمِ، الَّذِي دَعَا عِبَادَهُ إِلَى دَارِ السَّلَامِ، وَوَعَدَ الْمُتَّقِينَ جَنَّاتٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ هِيَ النَّجَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.. نَعِيشُ فِي دُنْيَا مَلِيئَةٍ بِالتَّعَبِ، هُمُومٌ، أَمْرَاضٌ، فِرَاقٌ، مَوْتٌ. لَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَ بَعْدَ هٰذَا التَّعَبِ جَنَّةً، لِمَنْ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ، وَرَضِيَ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ.
جَنَّةٌ لَا مَرَضَ فِيهَا، وَلَا فِرَاقَ، وَلَا دُمُوعَ، وَلَا مَوْتَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ]إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ[.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. تَخَيَّلُوا لَحْظَةَ دُخُولِ الْجَنَّةِ، بَعْدَ الْحِسَابِ، وَبَعْدَ الصِّرَاطِ، وَبَعْدَ الْخَوْفِ الْعَظِيمِ، يَصِلُ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ ]سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ[ فَتُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَيَرَى الْمُؤْمِنُ مَا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ: أَنْهَارٌ تَجْرِي، وَقُصُورٌ عَالِيَةٌ، وَأَشْجَارٌ عَظِيمَةٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، لَا يَقْطَعُهَا) ثُمَّ يَلْتَقِي الْمُؤْمِنُ بِأَهْلِهِ، يَلْتَقِي بِوَالِدَيْهِ وَأَوْلَادِهِ وَأَحْبَابِهِ ]إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ[ لَا حَسَدَ، لَا غِلَّ، لَا حِقْدَ، قُلُوبٌ صَافِيَةٌ.
لَكِنِ اسْمَعُوا إِلَى هٰذَا الْمَشْهَدِ الْعَظِيمِ، مَشْهَدٌ يُبْكِي الْقُلُوبَ.
بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَيَسْتَقِرَّ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ. يُؤْتَى بِالْمَوْتِ عَلَى صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادَى: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ. وَيُنَادَى: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ. ثُمَّ يُقَالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هٰذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هٰذَا الْمَوْتُ. فَيُذْبَحُ الْمَوْتُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ. وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ.
عِنْدَهَا، يَزْدَادُ فَرَحُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَرَحًا عَظِيمًا، لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَنْ يَمُوتُوا أَبَدًا. جَنَّةٌ إِلَى الْأَبَدِ.
يَا اللَّهُ.. أَيُّ نَعِيمٍ أَعْظَمُ مِنْ هٰذَا!!
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.. لَكِنَّ أَعْظَمَ نَعِيمِ الْجَنَّةِ لَيْسَ الطَّعَامَ، وَلَا الْقُصُورَ، أَعْظَمُ نَعِيمِهَا رُؤْيَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ]وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[ وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ (إذَا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ ألَمْ تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ، وتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَما أُعْطُوا شيئًا أحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ تَلا هذِه الآيَةَ ]لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وزِيادَةٌ[.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. فِي الْجَنَّةِ سُوقٌ، لَيْسَ فِيهِ بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ، لَكِنْ يَجْتَمِعُ فِيهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا، يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ، فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ، وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا)
جَنَّةٌ لَا مَرَضَ فِيهَا، وَلَا شَيْخُوخَةَ، وَلَا حُزْنَ ]وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ[.
عِبَادَ اللَّهِ.. كُلُّ تَعَبِ الدُّنْيَا، وَكُلُّ هُمُومِهَا.. تَنْتَهِي بِغَمْسَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (ويُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ، فيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الجَنَّةِ، فيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ).
فَاصْبِرُوا عِبَادَ اللَّهِ.. فَإِنَّ أَمَامَكُمْ جَنَّةً عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.
أَقُولُ قَوْلِي هٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
عِبَادَ اللَّهِ.. إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تُنَالُ بِالتَّمَنِّي، وَلَكِنْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصِّدْقِ مَعَ اللَّهِ. وَرَمَضَانُ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَفِيهِ الصِّيَامُ، وَفِيهِ الْقِيَامُ، وَفِيهِ الْقُرْآنُ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلصَّائِمِينَ بَابًا خَاصًّا فِي الْجَنَّةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ، فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ).
يَا لَهُ مِنْ شَرَفٍ.. بَابٌ فِي الْجَنَّةِ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ.
فَيَا مَنْ صُمْتَ لِلَّهِ.. أَبْشِرْ بِبَابِ الرَّيَّانِ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الرَّيَّانِ. اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
المرفقات
1773389614_باب الريان للصائمين.pdf
1773389622_باب الريان للصائمين.docx