بيت المقدس

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي في السماء تعالى وتقدس، واصطفى من البقاع الحرمين والبيت المقدس، الله الذي جعل الأيام دولاً والأمم بعضها لبعض آيات ومثلا، أشهد أنه لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: المسجد الأقصى المسجد الثاني الذي بناه نبي الله يعقوب عليه السلام، الجد إبراهيم بنى بيت الله الحرام، ويعقوب الحفيد بنى بيت المقدس بعده بأربعين سنة، ثم توالت عليه البركات من رب الأرض والسماوات فكان موطنا مقدساً لكل من وحّد الله تعالى ولم يشرك به شيئاً، حتى كان قبلة رسول الله وصحبه سبعة عشر شهرا..

هو مسرى رسول الله هو الموطن المبارك الذي تشد إليه الرحال، وتضاعف فيه الصلوات، هو موطن لكل حُرٍّ أصيلٍ مسلمٍ موحد نبيل، أما من يبيع دينه وأرضه بعرض من الدنيا قليل فلا يزيد وجوده بين أهل الأكارم إلا خبالا، وذلة وهوانا، فلا أبقى الله لهم في الأرض باقية، وطهر الأرض منهم حتى يكونوا كأعجاز نخل خاوية..

 كان فتح بيت المقدس لأمة محمد بشارة رسول الله، وهدفاً عظيماً ساميا من أهداف الفاروق ثم الفاتحون بعده ليطهروا هذا البيت المقدس من رجس النصارى ودنس اليهود...

ولعلي هنا أسوق لكم قصة الفتح العمري العظيم كيف كان دخل السلمون الموطن المبارك المهاب؟

 في السنة الخامسة عشر للهجرة بلغت الجيوش الإسلامية في فتوحاتها بيت المقدس بعد أن أذل الله الروم في معركة اليرموك وأجنادين حتى مكّن الله أبو عبيدة بن الجراح من حصار بيت المقدس واستسلام أهلها، فكان لهم شرط واحد فقط هو أن يسلِّموا مفاتيح بيت المقدس لخليفة المسلمين يومها عمر رضي الله عنه،

 

فانطلق عمر من المدينة هو وخادمه فقط على بعير واحد يتعاقبانه، مرة يركب عمر ومرة الغلام، وأمر أمراء الجيوش أن يوافوه عند مدخل بيت المقدس في مكان يسمى الجابية، فجاءه الأمراء يزيد بن أبي سفيان ثم أبو عبيدة ثم خالد بن الوليد في خيول المسلمين وعليهم يلامق الديباج يعني ثياب محشوة بالحرير فلما رآهم أخذ الحصى من الأرض ثم أخذ يضربهم بها وينهاهم عن اتخاذ الحرير، فاعتذروا إليه بأن عليهم السلاح..

ثم جمع الناس فوعظهم بخطبة عظيمة ذكرهم بالله وبرسوله ونهاهم عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وحذرهم من الميل إليهم أو التخلق بأخلاقهم ونهاهم عن التغنج أو التمايل وأمرهم بالخشونة والرجولة وإظهار الإسلام والثبات عليه في خطبة جامعة بليغة عظيمة.

ثم سار رضي الله عنه ومعه خادمه والجيوش تحيط به في موقف مهيب وقد رقى النصارى على البيوت والحصون يرقبون هذا الرجل الذي دوّخ ممالكهم وأقض مضاجعهم، فمرّ على مخاضة يعني مكان تجتمع فيه المياه فنزل عن ناقته وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا؟ تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتخوض بها المخاضة ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَلْقَيْتَ عَنْكَ هَذَا الصُّوفَ، وَلَبِسْتَ الْبَيَاضَ مِنَ الثِّيَابِ، لَكَانَ أَهْيَبَ لَكَ فِي قُلُوبِ هَؤُلَاءِ؟ فقال عمر قولته المشهورة:

"أوّه يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! لو قالها غيرك لجعلته نكالا لأمة محمد إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَذَلَّ النَّاسِ، وَأَحْقَرَ النَّاسِ، وَأَقَلَّ النَّاسِ، فَأَعَزَّكُمُ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ؛ فَمَهْمَا تَطْلُبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِهِ يُذِلُّكُمُ اللَّهُ"

دخل رض الله عنه وأرضاه بَيْت الْمَقْدِسِ فِي غَايَةِ التَّوَاضُعِ وَالِاسْتِكَانَةِ وَالذِّلَّةِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ الْمُزَنِيُّ: "قِدَمَ عَلَيْنَا عُمَرُ، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ، تَلُوحُ صَلْعَتُهُ لِلشَّمْسِ، لَيْسَ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ وَلَا قَلَنْسُوَةٌ، وِطَاؤُهُ فَرْوُ كَبْشٍ نَجْدِيٍّ، وَهُوَ فِرَاشُهُ إِذَا نَزَلَ، وَحَقِيبَتُهُ شَمْلَةٌ أَوْ نَمِرَةٌ مَحْشُوَّةٌ لِيفًا وَهِيَ وِسَادَتُهُ، عَلَيْهِ قَمِيصٌ قَدِ انْخَرَقَ بَعْضُهُ"

فَلَمَّا بَلَغَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ خَرَجَ إِلَيْهِ بَطْرِيَرْكُهَا، وَكَتَبَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لَهُمُ الْأَمَانَ لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَصُلْبَانِهِمْ، وَلَا يُنْتَقَصُ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا يُكْرَهُونَ عَلَى دِينِهِمْ فِي مُقَابِلِ أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَسَلَّمَ الْبَطْرِيَرْكُ مَفَاتِيحَ الْقُدْسِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وَتَمَّ الْفَتْحُ في يوم عظيم مشهود وَدَخَلَ عُمَرُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَجَعَلَ يُزِيحُ بِرِدَائِهِ الْأَقْذَارَ الَّتِي رَمَاهَا النَّصَارَى فِي قِبْلَتِهِ، وَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ فِعْلَ عُمَرَ أَخَذُوا فِي تَنْظِيفِ الْمَسْجِدِ مِنْ أَقْذَارِ النَّصَارَى..

 

 وتحين صلاة الظهر فيقول عمر لبلال وقد كان بلال في بلاد الشام مجاهدا قد حلف أن لا يؤذن لأحد بعد رسول الله فقال عمر: ناشدتك الله يا بلال أن تؤذن لنا، فقال بلال: أعفني يا أمير المؤمنين، فقال الصحابة: اتق الله يا بلال، سألك أمير المؤمنين، فقام بلال يتحامل على جسمه، فقد أصبح شيخاً كبيراً، وارتفع صوته بالأذان، فإذا بصوت عمر رضي الله عنه يسابقه بالبكاء، ثم بكى الناس، وارتج المسجد الأقصى بالبكاء.

وهكذا تم الفتح العمري في عام فتح وفرح بنصر الله جل في علاه

نسأل الله أن يعيد للأمة عزها ومجدها، وأن يدحر عدوها، إنه ولي ذلك والقادر عليه

 

 

 

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده صدق وعده، ونصر عبده، وأنجز عهده وهزم الأحزاب وحده، وصلى الله وسلم وبارك على من لا نبي بعده... وبعد:

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: ظَلَّ بَيْتُ الْمَقْدِسِ عَبْرَ تَارِيخِهِ الطَّوِيلِ حَافِلًا بِالْأَحْدَاثِ الْعَظِيمَةِ مُنْذُ أَنْ سَكَنَهُ أنبياء الله إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَسَيَسْتَمِرُّ حَافِلًا بِالْأَحْدَاثِ الْكُبْرَى إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا؛ إِذْ إِنَّ الْأَحْدَاثَ الْعِظَامَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ سَتَكُونُ عَلَى أَرْضِهِ كَمَا صَحَّتْ بِذَلِكَ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

افْتَتَحَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ عُمَرُ، وَظَلَّ تَحْتَ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ خمسمائة سنة؛ حَتَّى اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الصَّلِيبِيُّونَ فِي أَثْنَاءِ حُكْمِ الْعُبَيْدِيِّينَ وَمَكَثَ فِي أَيْدِيهم تِسْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ الْمُسْلِمُونَ فِي حُكْمِ الْأَيُّوبِيِّينَ، وَظَلَّ فِي حَوْزَةِ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِنْ ثمانمائة سنة، إِلَى أَنْ جَاءَ الِاسْتِعْمَارُ الظَّالِمُ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَهُ لِلْيَهُودِ فِي أَوَاسِطِ الْقَرْنِ الْهِجْرِيِّ الْمَاضِي.

عباد الله: إن فلسطين لم تكن مجرد أرض دخلت تحت سلطان المسلمين يوماً من الأيام ويمكنها في يوم آخر أن تكون خارجه، فلسطين مهد الأنبياء، وفي مكة بُعث إمامهم وخاتمهم، فلسطين موطن الشرائع والرسالات، وفي جزيرة العرب أُنزِلت خاتمة هذه الشرائع...

 فلسطين إرث المسلمين، إرثٌ واجب القبول، متحتم الرعاية لازم الصون، إنه ليس خياراً يتردد فيه المترددون أو شأناً يتحير فيه المتحيرون؛ لهذا وذاك كان أكثر ما سُفِك من دماء المسلمين، و لم تكن تلك الدماء لتنضب وفي المسلمين أوردة تنبض.

قال -صلى الله عليه وسلم "لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي ظاهِرِينَ على الحقِّ لا يضُرُّهم من خالَفَهُم، قيل: فأين هُم يا رسول الله؟ قال: " ببيتِ المقدِسِ، أو بأكنافِ بيتِ المقْدِس " رواه الطبراني.

 

أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّ الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ

المرفقات

1775493279_بيت المقدس.docx

المشاهدات 35 | التعليقات 0