بيوتٌ أذِن الله أن تُرفع
سامي بن محمد العمر
بيوتٌ أذِن الله أن تُرفع
7/11/1447
لكلٍّ مِنَّا بيتُه ومسكنُه:
· يديرُه بطريقتِه، ويحرِصُ على جمالِه ونظافتِه
· ويأبى أن يُدخلَ في بيته مَن لا يُقيمُ للآدابِ وَزْنهَا، ولا يَعرِفُ لها حَقَّها؛
· ويصونُ مجلِسَه عن سفهاءِ الناسِ ومجانِينهِم،
· ويرتفعُ به عن كلِّ فعلٍ يُخلُّ بالمروءةِ والأدب.
ولله المثلُ الأعلى:
فقد وضعَ اللهُ له في أرضِه بِقاعاً هي خيرٌ من منازلِنا وأشرفُ من بيوتِنا؛ أضافَها لنفسه الكريمةِ تشريفًا لها وإكرامًا، وحثّ على عِمارتها والعِنايةِ بها إعزازًا لها وإجلالاً.
{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18]
المساجدُ بيوتُ الله: هي أحبُّ البلادِ إليه؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحبُّ البلادِ إلى الله مساجدُها، وأبغضُ البلادِ إلى الله أسواقُها»([1]) .
والمؤمنُ الحقُّ يعرفُ لمحبوباتِ حبيبه قيمتَها، ويقدّرها حقَّ قدرها، ويراها أولى بالعنايةِ من داره التي يسكنها، وأحقَّ بالأدب من مجالسِه التي يجلسها.
والمساجد بيوت الله: ليس لأحدٍ عليها مِلكٌ أو تصرفٌ؛ حتى ذاك الذي أكرمَ نفسه ببنائها فإنه قد أخذَ من الله جائزتَه على ذلك وعْداً منه سبحانه واللهُ لا يُخلفُ الميعاد، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((مَن بنى مسجدًا يبتَغي به وجهَ اللهِ، بنى اللهُ له مِثلَه في الجنةِ))([2]).
وبعد هذا:
فإنَّ أمرَ العنايةِ ببيتِ الله قد توزَّعَ على كلِّ مسلمٍ بقدرِ طاقتِه: بأعمالٍ يُبادرُ إلى فعلِها، وأخرى يُسارعُ إلى اجتنابها وترْكها؛ ولو قامَ المصلون بما شُرِع لهم في ذلك لانتظمت أمورُهم واستقامتْ أحوالُـهم.
ولقد عَلِم الله أنَّ مِنَ الناسِ عاقلٌ حليمٌ، وسفيهٌ طائشٌ، فألزم بشرعه وليَّ الأمر أن يُقيمَ على المساجد مِن الأئمةِ والمؤذنينَ والخَدمِ مَنْ يتولى أمرَ العنايةِ بها ورعايتِها، وإدارةِ أوضاعها؛ لتستقيمَ أمورُها وتظلَّ قائمةً مرفوعةً شامخةً قدرَ المستطاع.
{في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال}
قال ابن كثير رحمه الله: " أمر الله تعالى برفعها، أي: بتطهيرها من الدنسِ واللغوِ، والأفعالِ والأقوالِ التي لا تليقُ فيها"([3]).
وكلما عظُمت قيمةُ المسجد في نفوسِ المصلين وُجِد التسابقُ والتعاونُ إلى حفظِ حقوقها ورعايةِ أمورها،
وكلما قلَّتْ هيبتُها في نفسِ المؤمن؛ ظهرتْ منه صورُ التقصيرِ في الأدبِ معها، وبرزت أقوالٌ وأفعالٌ لا يَرتضِي فاعلُها أن يأتيَ بها أحدٌ في بيته، وهو يفعلها في بيت الله!!
والقاعدة في هذا الباب:
§ أن يُقدِّمَ المرءُ بيوتَ الله في أمرِ العنايةِ على كل بيتٍ آخر،
§ وأن يُجنِّبها كلَّ ما يَتأذى منه المسلمون،
§ وأن يُحافظَ على هيبتِها في نفسِه وأهلِه وأولادِه،
§ وأن يسعى إلى تهيئتِها لتكونَ في أعلى درجاتِ الاستعدادِ لاستقبالِ ضيوفِ اللهِ في بيته.
والآدابُ الشرعيةُ المتعلقةُ بالمساجدِ كثيرةٌ، قد جاء الشرعُ بأصولها:
كالحثِّ على بنائِها وتطييبِها ونظافتِها، والمنعِ من البيعِ فيها، وإنشادِ الضالةِ، ورفعِ الصوتِ بكلامِ الدنيا، أو بالأذكارِ وقراءةِ القرآنِ التي تُشوشُ على المصلينَ وتُذهبُ خُشوعَهم.
وكُلَّما ابتعدَ المرءُ عن العنايةِ بهذه الأصولِ ظَهرتْ منه صورٌ منَ التقصيرِ يحسنُ التنبيهُ عليها؛ والحثُّ على اجتنابها، ومِن ذلك:
1- ما يُشاهدُ مِن تركِ التزيُّنِ وجميلِ الثيابِ المأمورِ بهما لمن يُلاقي ربَّه تعالى، إلى ثيابِ النومِ وملابسِ الرياضةِ واللعبِ - بصُورِها وعباراتِها وشعاراتِها وقِصرِ أطرافِها؛ والله تعالى يقول: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31].
2- الروائحُ الكريهةُ من أثرِ أكلِ ما يُباحُ – كالثوم - أو شُربٍ ما يُنهى عنه – كالدخان -؛ أمرٌ يجتنبه العاقلُ إذا أرادَ زيارةَ أيِّ أحدٍ؛ فكيف يفعله مَن يزورُ أشرفَ البقاعِ وأكرمَها؟ وفي الحديثِ الصحيحِ يقول صلى الله عليه وسلم: ((من أكلَ البصلَ والثومَ فلا يقربنَّ مُصلانا؛ فإن الملائكةَ تتأذّى مما يتأذّى منه بنو آدم))([4]) .
بارك الله لي ولكم .....
الخطبة الثانية
أما بعد:
ومِن صورِ التقصيرِ والخللِ التي يجبُ اجتنابها لقاصدِ بيتِ الله:
3- اللامبالاة التي يقومُ بها البعضُ عند المساجد:
كخلْعِ أحذيتهم في ممراتِ الداخلين، وإيقافِ سياراتهم في طرقِ المسلمين، وأمامَ أبوابِ السكانِ المجاورين؛
وكلُّ ذلك دليلُ قلةٍ في الوعي والعلم، وضعفٍ في الإيمانِ والخشية، وانهيارٍ في الأخلاق والقيم.
4- والأفعالُ التي تُوحي بالكبرِ، والاعتدادِ بالرأي والتسلطِ؛ مَنْقصَةٌ في جبينِ الإنسانِ أينما كان، فكيف إذا ظهرتْ منه في بيتِ الله؟
فلْيجتنبِ المسلمُ المتمسكُ بآدابِ دينِه أن يعبثَ بمرافقِ المسجد؛ أو يفرضَ رأيَه في أحوالِه، ولْيكتفِ بالنصيحةِ والمشورة، لأن مِن مقاصِدِ الشريعة في المساجد: ائتِلافَ القلوب واجتِماعَ الكلِمة، فلا يجوز أن يُفعلَ فيها ما يُؤدي للفرقةِ والاختلاف.
5- ولْيجتبِ المصلي أن يفعلَ في المسجدِ كلَّ ما يشمئزُ هو مِن أحدٍ أن يفعلَه في مجلِسِه:
كإخراجِ ما في الأنفِ بصوتٍ قبيحٍ، أو التثاؤبِ بصوتٍ عالٍ، أو التجشؤِ بطريقةٍ مُقززة.
6- والمعصيةُ قبيحةٌ في كل زمانٍ ومكانٍ، وتزدادُ قُبحًا في بيوتِ الله؛ كالغِيبةِ، وإظهار أصواتِ المعازِفِ وتصفُّحِ المواقعِ في المسجدِ وما فيها من الصورِ القبيحة.
7- وعلى المصلي أن يتجنبَ - قدرَ المستطاعِ - إحضارَ الصغيرِ من أبنائِه إذا كان غيرَ مميزٍ لأدبِ المسجدِ وحقوقِ المصلين؛ ومَن اضطُرَ لذلك فليكُن بجوارِ صغيرِه ليصُونَه عن فعلِ ما لا يَليقُ.
عباد الله:
إن محبةَ المساجدِ والعنايةَ بها وملازمةَ تطييبِها وتنظيفِها مِن أسبابِ الهدايةِ والصلاحِ، وإنَّ القائمَ بذلك: مِن السبعةِ الذين يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظلُّه؛ حيث ذَكَرَ منهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم: رجلاً قلبُه مُعلَّقٌ في المساجد.
قال النوويُّ - رحمه الله -: "ومعناه: شديدُ الحبِّ لها والملازمَة للجماعة فيها".
اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأفعال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
([1]) صحيح مسلم (1/ 464) (671)
([2]) صحيح البخاري برقم (450) وصحيح مسلم برقم (533) .
([3]) تفسير ابن كثير (6/ 62).
([4]) ينظر: البخاري (816) ومسلم (564).
المرفقات
1776966856_بيوت أذن الله أن ترفع.docx
1776966865_بيوت أذن الله أن ترفع.pdf