تَحَرِّي لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَزَكَاةَ الْفِطْرِ.
أ.د عبدالله الطيار
الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، المُتَفَضِّلِ بِالنِّعَمِ وَالآلاءِ، وَالمُتَفَرِّدِ بِالدَّوَامِ وَالْبُقَاءِ، بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَبِفَضْلِهِ تُنَالُ الْغَايَاتُ، وَبِرَحْمَتِهِ تَتَنَزَّلُ الرَّحَمَاتُ، وَأَشْهَدُ ألّا إِلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عليْهِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ إلى يومِ الدِّينِ، أمَّــا بَعْـدُ: فاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ) البقرة: [48].
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: هَا قَدْ خَفَتَ هِلَالُ شَهْرِكُمْ، وَمَضَتْ جُلُّ أَيَّامِهِ، وَتَبَقَّى مِنْهُ بَقِيَّةٌ قَلِيلَةٌ وَلَيَالٍ عَظِيمَةٌ، هِيَ أَفْضَلُ لَيَالِي الشَّهْرِ، نَتَحَرَّى فِيهَا لَيْلَةً ثَمِينَةً، وَدُرَّةً مَكْنُونَةً، هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، قال ﷺ: (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ) أخرجه البخاري (2017).
عِبَادَ اللهِ: وَقَدْ كَانَ ﷺ يَخُصُّ هَذِهِ اللَّيَالِي بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَاسْتِفْرَاغِ الْجَهْدِ، وَبَذْلِ الْوسْعِ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَتْ الْعَشْر شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهْلَهُ، تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: (كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأواخِرِ، ما لا يَجْتَهِدُ في غيرِهِ) أخرجه مسلم (1175)
أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ تَتَنَزَّلُ فِيهَا الملائِكَةُ مِنَ السَّمَاءِ، وتعظُمُ فِيهَا الأُجُورُ والآَلاءُ، الْعَمَلُ القَلِيلُ فِيهَا كَثِيرٌ، والْكَثِيرُ فيها مُضَاعَفٌ، والْعِبَادَةُ فِيهَا خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَة الْقَدْرِ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ، قَالَ رَبُّنَا: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) وَقَالَ ﷺ: (مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) أخرجه البخاري (2014).
أيُّهَا المؤْمِنُونَ: ولَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ شَرَّفَهَا اللهُ بِنُزُولِ الْقُرْآَنِ جُمْلَةً وَاحِدَةً تَتَنَزَّلُ فِيهَا الأَقْدَارُ والآَجَالُ وما هُوَ كَائِنٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ في تِلْكَ السَّنَةِ، قالَ تعالَى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) الدخان: [3-4].
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: وَلَيْلَتُكُمْ هَذِهِ، لَيْلَةُ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ، وَهِيَ لَيْلَةٌ وِتْرِيَّةٌ، فَأَرُوا اللهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا، فَإِنَّكُمْ وَاللهِ لَا تَدْرُونَ، هَلْ تُدْرِكُونَهَا فِي قَادِمِ الْعُمْرِ، أَمْ يَسْبِقُ الْقَدَرُ، وَيُدْرِكُكُمُ الْأَجَلُ، فَشَمِّرُوا عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ، وَاحْذَرُوا التَّسْوِيفَ فَلَيْسَ لَهَا غَدٌ، وَأَيْقِظُوا لَهَا أَهْلِيكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الِاجْتِهَادَ فِيهَا دَيْدَنُ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَالْغَفْلَةَ عَنْهَا عَلَامَةُ الْبَوَارِ وَالْخُسْرَانِ"، تقولُ عائشةُ رضي الله عنها: يَا رَسُولَ اللَّهِ أرأيتَ إن وافقتُ ليلةَ القدرِ ما أدعو؟ قالَ تقولينَ: (اللَّهمَّ إنَّكَ عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي) رواه ابن ماجه (3850) وصححه الألباني(3119).
أيُّهَا الصَّائِمُونَ: ومِمَّا يُشْرَعُ لَكُمْ في خِتَامِ شَهْرِكُمْ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْكَبِيرِ والصَّغِيرِ، والذَّكَرِ والأُنْثَى، والحُرِّ والْعَبْدِ، ويُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُهَا عن الحملِ في بَطْنِ أُمِّهِ إذَا نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ؛ لِحَدِيثِ ابن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: (فرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمرٍ أوْ صَاعًا مِنْ شَعيرٍ على الْعبدِ والحُرِّ، والذَّكرِ والأنثى، والصَّغيرِ والكبيرِ مِنَ المسلمينَ، وأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤدَّى قَبْلَ خُروجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ) رواه البخاري (1503) ومسلم (984- 986) أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرِّجِيمِ: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) الأعلى: [14-15]. أقولُ قَوْلِي هَذا، وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، ولِسَائِرِ المُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وتوبوا إليه، إنَّ رَبِّي كَانَ غَفَّارًا.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الحمدُ للهِ رب العالمينَ، وأشهدُ ألّا إلهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلى يومِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ عِبَادَ اللهِ: واعلموا أن زَكَاة الْفِطْرِ تَجِبُ بِغُرُوبِ شَمْسِ آَخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَان، والسُّنَّةُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ صَّلاةِ العيد، فَفِي الْحَدِيثِ: (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغوِ والرَّفَثِ وطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ) أخرجه أبو داود (1609)وحسنه الألباني. ويجُوزُ تَوْكِيلُ الْجَمْعِيَّاتِ الْخَيْرِيَّةِ والمِنَصَّاتِ الرَّسْمِيَّةِ في إِخْرَاجِ زكاةِ الْفِطْرِ، وتَبْرَأُ الذِّمَّةُ بذَلِكَ.
أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَمِمَّا يُشْرَعُ لَكُمْ في خِتَامِ شَهْرِكُمْ، تَكْبِيرُ اللهِ عزَّ وجلَّ وَشُكْرُهُ، قَالَ تَعَالى: (وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) البقرة:[185] وَيَبْدَأُ التَّكْبِيرُ بِغُرُوبِ شَمْسِ لَيْلَةِ الْعِيدِ حَتَّى يَخْرُجَ الإِمَامُ لِلصَّلاةِ. رزقنَا الله وإيَّاكُم الإخلاصَ والقبول إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسْلامَ والمسْلِمِينَ وَأَذِلَّ الشِّرْكَ والمشْرِكِينَ وانْصُرْ عِبَادَكَ الموَحِّدِينَ اللهم وَفِّق وَلِيَّ أَمْرِنَا خادمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ ووَلِيَّ عَهْدِهِ وإِخْوَانَهُ وَوُزَرَاءَهُ إلَى كُلِّ خَيْرٍ، واحْفَظْهُمْ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَشَرٍّ، اللَّهُمَّ احْفَظْ عَلَيْنَا أَمْنَنَا وَاسْتِقْرَارَنَا، وأَرْضَنَا وَسَمَاءَنَا، وَأَيِّدْ بِنَصْرِكَ رِجَالَ أَمْنِنَا وَاكْفِنَا شَرَّ الأَشْرَارِ، وَكَيْدَ الفُجَّارِ، وَشَرَّ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ، رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الجمعة 24 /9 /1447هـ