تعب الفريقين 11/8/1447
أحمد عبدالعزيز الشاوي
الحمد الذي يعطي من سأله ، ولا يخيب من أمله ، وأشهد أـن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي كرمه ربه ونصره وآزره حين أرسله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن صار على دربه واقتفي عمله وسلم تسليماً أما بعد ،،،،
فاتقوا الله أيها المسلمون ، فمن اتقى الله وقاه وهداه وكفاه
حقيقة لا يماري فيها أحد ، قررها الواحد الأحد ، وعنوانها ( لقد خلقنا الإنسان في كبد) وبيانها ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك ....)
هذا يكدح لشهوة ونزوة وهذا يكدح لعقيدة ودعوة ، وهذا يكدح إلى النار وذاك يكدح إلى الجنة ، والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحاً إلى ربه فيلقاه ، وهناك يكون الكبد الأكبر للأشقياء وتكون الراحة الكبرى للسعداء ( كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " كل الناس يشتغلون ويتعبون ، ولكن النتائج والمآلات تختلف فغاد في طاعة الله تعب في عبادة الله صارف جهده وهمه في سبيل مرضاة الله فهذا قد اعتق نفسه . وآخر غادٍ في معصية الله ، موبق نفسه بمعصية الله ، مهلكها بانتهاك الحرمات والمحرمات ، فهذا قد أهلك نفسه و أوبقها .
لسان يتحرك بذكر الله وتلاوة القرآن وآخر يفري في أعراض المسلمين .. الحروف واحدة و والجهد هو الجهد، ولكن هل تستوي الظلمات و النور .
فئة تستثمر جوالاتها فهي ناصبة في توجيه رسائل هادفة ، وفئة رسائلها هابطة هادمة فتبوء بإثمها و إثم من تأثر بها وضل بسببها ، هل يستويان مثلاً أفلا تذكرون ؟
موسرون ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم فلهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون ، وآخرون ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون
ما أعظم الفرق بين واقف يصلي ، و واقف يتحدث في الشارع
ما أعظم الفرق بين من يسهر و يتجافى جنبه عن المضاجع يدعو ربه خوفاً و طمعاً ، و بين من يسهر و يمضي ليله في إيذاء العباد وورود موارد الفساد .
حقيقة لا تغفل عنها : إذا كنت تتعب في طاعة الله فلا تظنن غيرك في المعصية أنساً مرتاحاً ، لايبذل جهداً ولاكداً ، فكل ما تراه من تعب السعداء في طاعة ربهم فاعلم أن الأشقياء يتعبون أضعاف أضعافه في المعصية ( إن تكونوا تألمون فإنهم . . . )
إن الكبد طبيعة هذه الحياة الدنيا ، تختلف أشكاله وأسبابه ، و لكنه هو الكبد في النهاية ، فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكبد الأشق الأمر في الأخرى ، و أفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كبد الحياة و تنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال رحمة الله .
ألا ماأعظم الفرق بين تعب السعداء و تعب الأشقياء التعساء .
إن السعداء يتعبون والأشقياء كذلك ، ولكن تعب السعداء تعب في طاعة الله و مرضاته فهم يحصلون على أجر من الله و مغفرة و رضوان ،
تعب السعداء : إما تكفير ذنب أو رفع درجة كما في الحديث : إن الإنسان إذا مشى إلى المسجد كانت خطواته إحداها تحط خطيئة و الأخرى ترفع درجة ( ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب . . ) ( لا يصيب المؤمن من هم و لا غم و لا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه. . . ) .
أما تعب الأشقياء فتكثير لذنوبهم ومزيد إثم لهم ( فلا تعجبك أموالهم و لا أولادهم )( إنما نملي لهم ليزدادوا ) تعب السعداء مجازون عليه وإن كان مجرد هم ( من هم بالحسنة فلم يعملها .. ) تعب السعداء مثابون عليه وإن لم يعملوه لعذر إ( إذا مرض الإنسان أو سافر ... )
تعب السعداء يصحبه لذة و سرور في القلب يجده المؤمن في الدنيا قبل الآخرة مما يؤدي إلى زوال هذا التعب وتحوله إلى نعيم و راحة و لذة و سرور
تعب السعداء يعقبه اطمئنان النفس و راحة القلب ( فمن اتبع هداي فلا يضل و لا يشقى )
أما تعب الأشقياء فتعب يعقبه الضيق و الضنك ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ) شعور بتأنيب الضمير ، شعور بالقلق من آثار الذنب ، شعور بالخوف من مصيبة و عقاب على النفس و المال و الأهل و الولد .شعور بالذل و الانهزامية و يأبى الله إلا أن يذل من عصاه .
تعب السعداء مؤقت ينتهي بفراق هذه الحياة حين يجد الإنسان عند الموت من التثبيت والبشرى بحياة النعيم الدائم ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا . . . ) ثم الجزاء الأعظم حيث ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر ، و هناك تنسى المتاعب و تتلاشى المصاعب وينقطع النصب و الهم و الحزن .
أما الأشقياء فهم على شقاوتهم وتعبهم في الدنيا يجدون عند الموت من النذر والعلامات على شقاوتهم مايجعلهم يموتون شر ميتة ثم يجدون في قبورهم وفي الآخرة من التعب و العناء أضعاف ما لاقوه في الدنيا .
و في الحديث ( يؤتى يوم القيامة بأشد أهل الدنيا بؤساً من أهل الجنة فيصبغ في النعيم صبغة ثم يقال له : يا ابن آدم هل رأيت شراً قط ، هل مر بك بؤس قط ، فيقول : لا والله يا رب ما رأيت شراً قط ولا مر بي شدة قط ، و يؤتى بأشد أهل الدنيا نعيماً من أهل النار فيصبغ في العذاب صبغة ثم يقال له : يا ابن آدم ، هل رأيت خيراً قط ، هل مر بك نعيم قط ، فيقول : لا و الله يا رب ما رأيت خيراً قط ولا مر بي نعيم قط ( مسلم ) .
إن السعداء يدركون أن الحياة الدنيا مهما تطل فهي قصيرة و أن عناء السعداء و تعبهم مهما اشتد فهو محتمل في سبيل الله ما دامت نهايته الموت و عاقبته الفوز و النعيم المقيم ، نسأل الله تعالى أن يسخرنا لطاعته و أن يستعملنا في مرضاته و أقول هذا القول .
الخطبة الثانية أما بعد :
وثمة فرق حاسم بين تعب السعداء و تعب الأشقياء نلحظه من خلال قراءة التاريخ و مشاهدة الواقع .
تعب السعداء تحفه عناية الله وتوفيقه و بركاته ، فالسعداء في معية الله ومن كان الله معه كان التوفيق والتسديد يلاحقه .
انظر إلى أعمال الصالحين و ميادين الخير و مجالات البر والإصلاح وحلقات القرآن وجمعيات البر ومستودعات الإحسان .. قليل مقدارها عظيمة آثارها .
إنه تعب السعداء تظهر آثاره و تتجلى ثماره في الوجود فيسعد بها العاملون و يتحول العناء إلى هناء ، و يصبح التعب لذة و حبوراً .
أما الأشقياء فكما قال ابن جرير ، أموالهم تذهب ولا يظفرون بما يأملون ويطمعون فيه من إطفاء نور الله وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله ، لأن الله معل كلمته و جاعل كلمة الكفر هي السفلى ثم يغلبهم المؤمنون ثم إلى جهنم يحشرون ، فأعظم بها من حسرة و ندامة لمن عاش منهم ومن هلك ، أما الحي فحُرب ماله و ذهب باطلاً في غير درك نفع و رجع مغلوباً مقهوراً محروباً مسلوباً ، و أما الهالك فقتل و سلب و عجل به إلى نار الله يخلد فيها
أما الفرق الأكبر فهو ما يلقاه السعداء في قبورهم من النعيم ، ثم مايلقونه في الآخرة من السعادة والسرور و ألوان اللذة مما لا يخطر على بال و اعظم ذلك النظر إلى وجه الله عز وجل ( وجوه يومئذ ناضرة )
أما الأشقياء الذين سخروا جهدهم و تعبهم في معصية ربهم فإن عناءهم لاينقضي وحسرتهم لا تنقطع ، فهم محرومون من النعيم ، ويقاسون من ألوان العذاب مايقاسون حتى إنهم يطلبون أقل المطالب ( و قال الذي في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم . . . )
هذا هو الفرق الأعظم ، حينئذ تهون عند السعداء كل التضحيات وتهون كل متاعب الدنيا مهما عظمت ما دامت نهايتها سعادة لا تنقضي و نعيماً لا يزول .
و بعد أيها المسلمون ، و بعد أن أدركنا فصل ما بين السعداء في تعبهم و الأشقياء في نصبهم ، من بعد هذا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه . .
أيها الإنسان : إنك لا تجد الراحة في الأرض أبداً ، إنما الراحة هناك لمن يقوم لها بالطاعة والاستسلام ، التعب واحد في الأرض ، و الكدح واحد ، و إن اختلف لونه و طعمه ، أما العاقبة فمختلفة عندما تصل إلى ربك فواحد إلى عناء دونه عناء الأرض ، و واحد إلى نعيم يمسح على آلام الأرض كأن لم يكدح كدحا و لا كدا .
يا أيها الإنسان : ألا فاختر لنفسك ما يليق بعقلك وإنسانيتك ، اختر لنفسك الراحة من الكدح عندما تلقاه
يا أيها الإنسان : اجعل كدك و كدحك و تعبك فيما يرضي ربك لكي تحاسب حساباً يسيراً و تنقلب إلى أهلك مسروراً .
و احذر أن تكون من الوجوه الخاشعة العاملة الناصبة التي تصلى ناراً حامية و تدعوا ثبوراً لأنها عملت لغير الله ونصبت في غير سبيل الله ثم وجدت عاقبة العمل و التعب ، وجدته في الدنيا شقوة لغير زاد ، و وجدته في الآخرة سواداً يؤدي إلى العذاب .
اللهم اجعل سعينا في مرضاتك ، و كدحنا موصلاً إلى جناتك ، اللهم صل و سلم على سيدنا محمد
المرفقات
1769694858_تعب الفريقين.doc